مع تجاوز أسعار الفائدة المرجعية للبنك المركزي المصري حاجز 27.75%، وخفض وزارة المالية سقف الضمانات السيادية الشاملة مؤخرا، يرى مصرفيون ومحللون إن أي أداة استثمار خضراء جديدة تطرحها مصر ستواجه اختبارا حقيقيا، يتمثل في تسعير المخاطر وهيكلة المشاريع بحيث تكون جاهزة للتمويل المصرفي..
تذكر: طرحت مصر أول سندات سيادية خضراء بقيمة 750 مليون دولار في عام 2020، وبعدها لم يشهد السوق أي إصدارات مماثلة أخرى. ويشير مصرفيون ومحللون في مجال الاستدامة إلى أن إجمالي الإصدارات الخضراء والمرتبطة بالاستدامة في مصر استقرت عند 1.45 مليار دولار فقط منذ ذلك الحين، وهي فجوة يعزونها إلى تكلفة رأس المال في سوق تتسم بأسعار فائدة مرتفعة.
صندوق واحد لم تتضح ملامحه بعد: تدرس الحكومة تأسيس صندوق استثماري متخصص تحت مظلة صندوق مصر السيادي أو من خلال أحد الصناديق الاستثمارية القائمة، إلى جانب تشكيل لجنة استثمار مشتركة لتقييم المشاريع واعتمادها، وفق ما قاله وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد في بيان صحفي الشهر الماضي.
وتستهدف بقية الخطة أربعة مجالات، تشمل خفض البصمة الكربونية لصناعات الأسمدة والألومنيوم من خلال تطوير سلاسل الإمداد بالكامل بدلا من الاكتفاء بتحديث خطوط الإنتاج داخل المصانع، والتوسع في معالجة مياه الصرف الصحي واستغلال النواتج الثانوية (الحمأة) لإنتاج غاز حيوي وأسمدة عضوية، وإعادة تدوير مخلفات صناعة السكر لاستخدامها في صناعة الأسمنت، بالإضافة إلى استخدام أسواق الكربون كمصدر إضافي للتمويل لمساعدة المصدرين على الامتثال لأي متطلبات عالمية، وعلى رأسها آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية.
ويضع المسؤولون هذه الخطوة في إطار تعزيز التنافسية. فيقول فريد: "نعمل على توجيه التمويلات الدولية نحو المشروعات ذات الأولوية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد المصري". ويضيف السفير وائل أبو المجد، مساعد وزير الخارجية لشؤون المناخ والبيئة والتنمية المستدامة، في البيان ذاته، أن توحيد الرؤية الوطنية في التعامل مع مؤسسات التمويل الدولية "يعزز قدرة مصر على جذب التمويلات التنموية".
تتدفق الأموال العامة بالفعل نحو المشاريع الخضراء؛ إذ بلغت الاستثمارات العامة الخضراء في مصر 215.5 مليار جنيه خلال العام المالي 2025/2024، وفقا لما ذكره وزير التخطيط أحمد رستم. واستحوذ النقل الأخضر على الحصة الكبرى من الاستثمارات بنسبة 71.5%، يليه مشروعات حياة كريمة بنسبة 10.5%، ثم مجال العمران المستدام بنسبة 8%، وتحسين البيئة بنسبة 4.5%، ومجال الزراعة والري بنسبة 3%، والطاقة النظيفة بنسبة 1.5%. وتوزعت الاستثمارات بواقع 87% لمشروعات الحد من الانبعاثات و13% للتكيف مع التغيرات المناخية.
من 15% إلى 60%: تستهدف الوزارة زيادة نسبة الاستثمارات العامة الخضراء لنحو 60% بحلول العام المالي الحالي 2027/2026، ارتفاعا من 15% في العام المالي 2020-2021، وهو تحول يقول رستم إنه ساعد بالفعل في تحسين ترتيب مصر في مؤشر تقييم إدارة الاستثمار العام من منظور المناخ. ومول الإنفاق الأخضر للعام المالي 2024-2025 مشاريع مترو الأنفاق والقطار الكهربائي السريع ومحطات الطاقة الجديدة والمتجددة ومنظومة المخلفات الصلبة والتخلص من المخلفات الطبية الخطرة، في حين وجهت نفقات التكيف إلى محطات معالجة مياه الصرف الصحي وتأهيل وتبطين الترع ومحطات تحلية المياه وحماية السواحل والشواطئ.
لكن أيا من ذلك لا يحل مشكلة تكلفة التمويل. فيقول مصطفى مراد، خبير البيئة والطاقة، في تصريحات لإنتربرايز: "عندما بلغت أسعار الفائدة نحو 27%، لم تكن أي جهة إصدار مستعدة لطرح سندات لأجل 10 سنوات بالجنيه. وفي الوقت ذاته، أصبح الإصدار بالدولار محفوفا بمخاطر أكبر بكثير بسبب تقلبات أسعار الصرف".
الفائدة المدعومة قد تكون حلا: يرى طارق الجمال، رئيس مجلس إدارة شركة ريدكون بروبرتيز، وعضو المجلس المصري للبناء الأخضر والمدن المستدامة، وعضو مجلس إدارة الميثاق العالمي للأمم المتحدة، أن الصندوق لن يحقق أهدافه إلا إذا قدم تمويلات بأسعار فائدة مدعومة وحوافز مرتبطة بهذا الدعم. وينصح الجمال بتوجيه الاستثمارات نحو البنية التحتية اللامركزية، مثل محطات الطاقة الموزعة والأصغر حجما، من أجل "تفادي نقطة الفشل الأحادية وتقليص تكاليف النقل والتوزيع"، وفقا لتصريحاته لإنتربرايز.
والمشاريع الجاهزة للتمويل المصرفي موجودة بالفعل. فقد ألزم البنك المركزي المصري 29 بنكا رئيسيا في مصر بتطبيق متطلبات التمويل المستدام، بحسب ما قاله هشام عيسى، محلل علوم البيئة وتغير المناخ وعضو مجلس إدارة شركة دي كاربون جلوبال، مشيرا إلى سوابق ناجحة مثل تمويل بنك ناصر الاجتماعي لمشروع التاكسي الأبيض. ويؤكد عيسى أن "المشروعات الجاهزة موجودة بقوة، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة، وإعادة تدوير المخلفات الإلكترونية ومواد البناء والزجاج". وتتمثل الفجوة في غياب معيار موحد للتقييم، على غرار المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية، لتفادي إرباك المطورين بكثرة الصناديق دون تنسيق.
سوق واحدة متكاملة: يتفق عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال على أن السوق بحاجة إلى "الانتقال من نهج الصفقات الفردية المنعزلة إلى بناء منظومة سوق متكاملة ومستدامة"، مؤكدا أن السوق لن ينمو بإصدار منفرد جديد، على حد قوله لإنتربرايز.
ويشير البيان الحكومي إلى فرص الاستفادة من أسواق الكربون كمصدر تمويل إضافي لتسهيل التحول، لكن يرى عيسى أن إيرادات شهادات الكربون قد تغطي تكاليف الصيانة الدورية للمشروع، غير أنها لا تكفي لبناء دراسة جدوى تدعم التحول التكنولوجي المكلف في الصناعات الثقيلة مثل الأسمدة.
والأهم من ذلك، أن مصر لا تزال تفتقر إلى إطار تنظيمي شامل لأسواق الكربون يحدد القطاعات المصرح لها ببيع أرصدة الكربون، وفقا لما قاله مسؤول حكومي سابق لإنتربرايز. وتقع مسؤولية سد هذه الفجوة قانونا على عاتق وزارة البيئة. ولم تنتظر الصناعات الكبرى صدور هذا الإطار لتجنب التعرض لآلية تعديل حدود الكربون، مضيفا أنها "بدأت بالفعل التنسيق المباشر مع مؤسسات تمويل من خارج البلاد كمؤسسة التمويل الدولية". وحتى يتجنب الصندوق التحول إلى طبقة بيروقراطية إضافية، ينصح الجمال بضرورة "توجيه الاستثمارات نحو البنية التحتية اللامركزية كالمحطات الموزعة والأصغر حجما"، وهي النقطة ذاتها التي أشار إليها الجمال عند حديثه سابقا بشأن التمويل.
رأينا: المسألة كلها تتعلق بالتنسيق. فقد ألزم البنك المركزي بالفعل البنوك المصرية بممارسات التمويل المستدام. وجرى ضخ استثمارات عامة خضراء بقيمة 215.5 مليار جنيه خلال العام المالي الماضي، وهناك بالفعل مشاريع جاهزة للتمويل المصرفي. لكن ما ينقصنا هو التنسيق: معيار تقييم مشترك، وقواعد واضحة حول من يحق له بيع أرصدة الكربون، وعقود مسعرة لسوق تبلغ الفائدة فيها 27.75%، وآلية لاستيعاب المخاطر الآن بعد أن تقلص سقف ضمانات الدولة. ولن يكفي تأسيس الصندوق الجديد لمعالجة كل هذه التحديات.