يحصل موظف القطاع العام الحامل لدرجة الماجستير على زيادة في أجره قدرها 100 جنيه شهريا، بينما تضيف درجة الدكتوراه 200 جنيه، حسبما أوضح لنا إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب. ومع تحول هذه الفجوة بين تكلفة الحصول على درجة علمية متقدمة والعائد المالي الذي تدره في مصر إلى فجوة هيكلية، بدأت وزارة التعليم العالي إجراء أول حصر شامل لحملة الماجستير والدكتوراه في الجامعات المصرية الحكومية والخاصة، وفقا لما ذكره مسؤول رفيع بالوزارة لإنتربرايز. الهدف من هذا الحصر هو إنشاء قاعدة بيانات مركزية، ترصد الكفاءات من حملة الدرجات العليا في البلاد لأول مرة.
بدأ الحصر قبل ثلاثة أشهر ويُجرى حاليا في جميع الجامعات المصرية، وفقا للمسؤول بالوزارة. ويقع استكمال هذا الحصر ضمن اختصاصات الوزارة، بينما تقع مسؤولية اتخاذ القرارات المتعلقة بكيفية توظيف هذه الكفاءات لسد الشواغر الحكومية على عاتق الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة. أما المجلس الأعلى للجامعات فسيواصل العمل على تعيين أوائل الخريجين من حملة الدرجات العليا بالبلاد.
تأتي خطوة الحصر هذه بعد سنوات من الضغوط البرلمانية للاستفادة من الكفاءات الحاصلة على الدرجات العلمية المتقدمة. تعثرت هذه الجهود لمدة 5 سنوات لم تشهد أي تعيينات أو توظيف لهؤلاء الأفراد، مما دفع بعضهم إلى الهجرة وترك آخرين في حالة من الترقب، حسبما أوضح منصور. وطالب النواب مرارا وتكرارا بالاطلاع على نتائج اللجنة الوزارية المشكلة في عام 2021 لدراسة هذه القضية، إلا أنهم لا زالوا يفتقرون إلى الأرقام المحدثة حول أعداد المؤهلين، وتخصصاتهم، والوظائف التي تحتاج الدولة منهم لشغلها فعليا.
والقضية لا تقتصر على تعيين حملة الدرجات العليا في الجهاز الإداري للدولة، كما يشير منصور، بل تتعلق بمدى قدرة الدولة على توجيه الكفاءات المتخصصة إلى الوزارات ومراكز البحوث والهيئات الفنية والقطاعات التنموية التي تحتاج إليهم حقا. وتعد الهيئة المصرية العامة للمساحة أحد الأمثلة على ذلك؛ إذ تسببت التأخيرات في حل معضلة حملة الدرجات العليا في تعطيل التعويضات المرتبطة بنزع ملكية الأراضي للمنفعة العامة نتيجة لنقص الكوادر المتخصصة.
سجل نحو 232 ألف طالب في الدراسات العليا بالجامعات المصرية خلال العام الدراسي 2023-2024، وفقا للنشرة السنوية لخريجي التعليم العالي والدرجات العلمية العليا الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ومثل طلاب الدكتوراه 16.8% من هذا الإجمالي، أي نحو 39 ألف طالب وفقا لحساباتنا. كما حصل المصريون على 122,900 درجة علمية عليا في العام الماضي، بزيادة قدرها 22.2% مقارنة بعام 2023. يشمل هذا الرقم الدبلومات ودرجات الماجستير والدكتوراه، ويعكس حجم تدفق الكفاءات التي تحاول الدولة حصرها الآن.
يهدف الحصر إلى كشف حالة من عدم التوافق الهيكلي. إذ أمضت الدولة سنوات في اعتماد الدرجات العلمية المتقدمة دون استراتيجية واضحة لاستيعابها، ودون حصر دقيق للأماكن التي ينتهي المطاف بالخريجين للعمل بها. وينظر تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2024 (بي دي إف) إلى هذه الفجوة في إطار سوق العمل، محذرا من أن القطاعات التي تتطلب مهارات عالية — مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتمويل، والخدمات المهنية – لا تزال صغيرة للغاية، مما يترك الخريجين من ذوي التعليم العالي أمام خيارات محدودة في مصر. وفي عام 2018، كان 7% من السكان ذوي التعليم العالي في مصر يعملون أو يعيشون في الخارج، مقارنة بنحو 1.4% فقط ممن لم يصلوا إلى مرحلة الثانوية العامة. وتعزو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذه الفجوة إلى قلة الفرص المحلية، و"وجود حافز لدى بعض الأشخاص من ذوي التعليم العالي للبحث عن فرص وظيفية أفضل في الخارج".
ليست هجرة، وإنما سوء توزيع موارد: تبدأ المشكلة من قبل السفر. فنحو 10% من الموظفين الذكور لديهم مؤهلات تفوق مما يتطلبه العمل، أي أن مستوى تعليمهم يتجاوز متطلبات وظائفهم، وتبلغ هذه المشكلة أعلى درجاتها في نفس القطاعات التي يُفترض أن تستوعب المهارات المتقدمة، وهي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتمويل، والخدمات المهنية. لذا فإن الوظائف التي تناسب الدرجات العلمية العالية غالبا ما تكون غير متاحة.
أما الدولة فترى في هذا تصديرا للكفاءات. إذ يطرح مسؤول رفيع بوزارة العمل منظورا مختلفا، معتبرا أن التركيز ينبغي ألا ينصب على وقف هجرة الكفاءات، بل على حوكمتها. ويقول المسؤول إن تصدير العمالة المدربة والكفاءات العلمية يمثل هدفا صريحا للسياسة العامة. إذ تمتلك مصر قاعدة كبيرة من الكفاءات يمكنها توظيفها من خلال اتفاقيات تصدير العمالة الثنائية، ويمكن أن تضمن حوكمة هذه الاتفاقيات فرصا أقوى للمصريين في الخارج. وبناء على هذه الرؤية، يمثل الحصر أيضا وسيلة لإدارة تدفق الكفاءات إلى الخارج، وليس فقط لإبقاء الخريجين في الداخل.
رأينا: حصر أعداد حملة الدرجات العليا لن يكون مفيدا إلا إذا ارتبط بالطلب الفعلي؛ إذ تعاني الوزارات من نقص في الكوادر الفنية، وتحتاج مراكز البحوث إلى موظفين، وتستطيع الشركات استيعاب الكفاءات في مجالات البحث والتطوير. وقد أشرنا إلى هذه الفجوة الشهر الماضي عندما وثقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عدم التوافق بين العرض والطلب في القاعدة البحثية بمصر. فرغم تضاعف عدد الجامعات تقريبا من 53 إلى 100 جامعة بين عامي 2018 و2023، ونشر الأبحاث المصرية حاليا في أبرز الدوريات العلمية بمعدلات تفوق متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن الشركات تنفق 0.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي على البحث والتطوير. علاوة على ذلك، تتعاون 7% فقط من الشركات الصغيرة والمتوسطة و3% من الشركات الكبرى النشطة في مجال الابتكار مع الجامعات، ولا تزال معدلات توظيف حملة الدكتوراه في القطاع الصناعي منخفضة للغاية. ويكمن الخطر ليس فقط في تدريب الكفاءات المتقدمة ثم فقدانها لصالح الخارج، بل في تدريب هذه الكفاءات دون توفير الوظائف، والمختبرات، والحوافز، والطلب اللازم بالقطاع الخاص للاستفادة منها في الداخل.