شهدت مصر عقودا من الهيمنة المطلقة لاختبار واحد حدد مصائر المراهقين في مصر، وغذى إحدى أكبر أسواق القطاع الخاص في البلاد، لكنه يشهد الآن ظهور منافس قوي. إذ كشف مسؤول بوزارة التربية والتعليم لإنتربرايز أن نسبة الإقبال على نظام البكالوريا المصرية الجديد بلغت 99% للعام الدراسي 2026-2027، بعدما اختار نحو 832 ألف طالب هذا المسار الجديد بدلا من الثانوية العامة. وعزا المسؤول هذا الإقبال القياسي إلى تصميم النظام الجديد ليقدم "حلولا جذرية للمشكلات التي كانت تواجه الثانوية العامة، وعلى رأسها الحد من الاعتماد على الدروس الخصوصية ومراكز الدروس، وتخفيف العبء المالي عن كاهل الأسرة المصرية".
شكّل تخفيف عبء رسوم الدروس الخصوصية جوهر عملية الإصلاح التعليمي منذ بدايتها. فقد صرح وزير الشؤون النيابية والقانونية محمود فوزي، أمام لجنة التعليم بمجلس النواب في يوليو 2025، بأن هذا الإصلاح يأتي ضمن مساعي الدولة لـ "القضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية التي ترهق الأسرة المصرية… ويخفف العبء والعناء عن كاهل الأسر المصرية"، وفقا لبيان رسمي.
صُمم نظام البكالوريا استنادا إلى نماذج دولية، مع الحرص التام على الاحتفاظ بمواد اللغة العربية والمواد التي تحافظ على الهوية الوطنية في النسخة المصرية، بحسب ما أكده المسؤول لإنتربرايز.
الذكاء الاصطناعي لم يغب عن المشهد: طرحت الوزارة منصة تجريبية تعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي للحد من الاعتماد على الدروس الخصوصية. وتعد هذه الخطوة امتدادا لجهود الوزارة في الاستعانة بالتقنيات الحديثة. ففي تصريح سابق لإنتربرايز، أفادت شركة فهيم المصرية الناشئة، المتخصصة في تقديم خدمات التدريس المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بأن بيانات الأداء الصادرة عن منصتها المترابطة مع المناهج الدراسية تتدفق مباشرة إلى التحليلات الخاصة بوزارة التربية والتعليم؛ من أجل أن تسترشد بها في اتخاذ القرارات الاستثمارية والسياسات التعليمية.
يسهم نظام البكالوريا في تقليل الحاجة للدروس الخصوصية من خلال تقليص عدد المواد الدراسية. في حديثه إلى إنتربرايز، قال الدكتور حسن سيد شحاتة، المشارك في تطوير مناهج البكالوريا وأستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية بجامعة عين شمس، إن عدد المواد يرتكز على تخفيض تدريجي مدروس؛ إذ يدرس الطالب 5 مواد في السنة الأولى، و4 مواد في السنة الثانية، وتقتصر الدراسة على مادتين فقط بحلول السنة الثالثة، ولا تكون اللغة العربية أو الإنجليزية بينهما. وأكد شحاتة أنه بحلول السنة النهائية "لن يحتاج الطالب إلى دروس خصوصية".
لا تزال المناهج تخضع لتحديثات مستمرة بالتوازي مع تزايد أعداد الطلاب الملتحقين. وقال شحاتة: "انتهينا للتو من إعداد المناهج الجديدة، وهي قيد المراجعة حاليا تمهيدا لنشرها". وأضاف أن منهج الأدب العربي بُني على 20 موضوعا، إلى جانب كتيب منفصل للكتابة السردية، فيما صُمم منهج اللغة الإنجليزية ليتوافق مع معايير البكالوريا الدولية، واعتمد منهج الرياضيات على النماذج اليابانية والكورية، بعد تقليص كل منها إلى 9 موضوعات في الفصل الدراسي الواحد.
بالإضافة إلى أن عمليات تدريب المعلمين ومراجعة الكتب الدراسية تسيران في مسارين منفصلين. إذ يُعقد التدريب عبر تقنية الفيديو كونفرانس على مستوى المحافظات لإعداد المعلمين المتميزين، الذين يتولون بدورهم نقل الخبرات والتعديلات إلى زملائهم، بحسب شحاتة. ويختلف هذا المسار التنسيقي عن الاتفاق الموقع بين وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف ومنظمة البكالوريا الدولية (IBO)، الذي يركز على مراجعة الأطر العامة للكتب الدراسية الجديدة دون التدخل في طرق التدريس داخل الفصول.
يستهدف النظام توزيع الطلاب على 4 مسارات تتماشى مع متطلبات سوق العمل، وهي الطب وعلوم الحياة، والهندسة وعلوم الحاسب، وإدارة الأعمال، والآداب والعلوم الإنسانية. وترتبط جميع هذه المسارات بالتخصصات الجامعية، مع إتاحة الخيار للطلاب لإضافة مواد إضافية والجمع بين أكثر من مسار.
يخوض الطلاب الامتحانات النهائية مجانا، في حين تخضع محاولات الإعادة لرسوم مالية. إذ يخوض طلاب الصف الحادي عشر المحاولة الأولى في مايو مجانا، وتكون المحاولة الثانية في يوليو؛ بينما يخوض طلاب الصف الثاني عشر محاولتهم الأولى في يونيو مجانا أيضا، والمحاولة الثانية في أغسطس. وتخضع أي محاولة إضافية لاحقة لرسوم ثابتة قدرها 500 جنيه للامتحان الواحد، مع إعفاء الطلاب ذوي الدخل المنخفض المقيدين في قاعدة بيانات الحالات الاجتماعية بالوزارة، بحسب ما أعلنه عبد اللطيف أمام لجنة التعليم بمجلس النواب في يناير 2025.
تغطي الامتحانات النهائية 7 مواد بإجمالي 700 درجة، مع استثناء مادة واحدة من الدرجات. إذ تخصص لكل مادة 100 درجة، مع احتساب الدرجة الأعلى من بين المحاولتين في المجموع الكلي. وتُستثنى التربية الدينية من هذا المجموع، لكنها تشترط حدا أدنى للنجاح بنسبة 70%، وتخرج تماما عن إجمالي الـ 700 درجة، وفقا لبيان عبد اللطيف في يوليو 2025.
لا يزال المجلس الأعلى للجامعات يدرس آلية ربط المسارات الأربعة بالتخصصات الجامعية، بحسب بيان وزير الشؤون النيابية والقانونية في يوليو 2025. ويرى شحاتة أن هذا الربط بين المسارات والتخصصات جزء أساسي من بناء صلات أقوى بين النظام الجديد واحتياجات سوق العمل. ويتوافق ذلك مع تصريحات وزير التعليم العالي أيمن عاشور في يوليو 2025، التي ربط فيها بين هذا الإصلاح وتوجه مصر نحو التوسع في مجالات الذكاء الاصطناعي، والطب الجيني، والبيانات الضخمة.
كما سيكون بمقدور الطلاب الالتحاق بسنة تأسيسية بالجامعة عقب آخر محاولة إعادة، وهو ما يتيح لهم بدء الدراسة الجامعية قبل تحديد الكلية، بحسب شحاتة. ويشبه هذا النموذج النظام الجامعي الأمريكي، الذي يسمح للطلاب بتأخير اختيار التخصص حتى السنة الثانية من الدراسة.
يتفوق نظام البكالوريا سريعا على الثانوية العامة من حيث معدلات الإقبال. وأفاد مصدر لإنتربرايز بوزارة التربية والتعليم بأن نسبة الاختيار بلغت 99% للعام الدراسي 2026-2027، مقارنة بنسبة 95% التي أشار إليها عبد اللطيف في مايو الماضي، وهو ارتفاع جاء بالأرجح نتيجة استمرار فتح باب التسجيل لعدة أسابيع بعد ذلك.
يتوقع أحد العالمين ببواطن الأمور في هذا القطاع تحديد تاريخ لانتهاء النظام القديم. إذ صرح بدوي علام، رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة، لنشرة إنتربرايز بأنه يتوقع أن يكون "العام المقبل هو العام الأخير لعقد امتحانات الثانوية العامة بالتوازي مع العام الأول لامتحانات البكالوريا الممتدة لعامين"، بالنظر إلى الأعداد الكبيرة من الطلاب الجدد الذين اختاروا المسار الجديد. وأضاف علام أن هذا التحول بدأ يضغط بالفعل على إيرادات مراكز الدروس الخصوصية عبر تقليص عدد المواد وتضييق نطاق ما يدخل في المجموع الكلي للنجاح، مشيرا إلى أن النظام وفر مبالغ طائلة على الدولة في إدارة الامتحانات، ولكن الوزارة لم تؤكد رسميا الأرقام الخاصة بهذه المبالغ.
تذكر: انطلقت عجلة هذا الإصلاح العام الماضي بعد تعديل مجلس النواب قانون التعليم في يوليو 2025، وإصدار الرئيس عبد الفتاح السيسي القانون رقم 169 لسنة 2025 ونشره في الجريدة الرسمية في أغسطس 2025. وعقب ذلك، أقر كل من المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعي والمجلس الأعلى للجامعات ضوابط تطبيق النظام الجديد في وقت لاحق من الشهر ذاته. وكشف استطلاع لرأي المدارس الخاصة أجري في أكتوبر الماضي أن 100% من الطلاب اختاروا نظام البكالوريا، إذ وصف علام تراجع الثانوية العامة في ذلك الوقت بأنه "نهاية حتمية". كما شهدت الجامعات الخاصة والدولية زيادة في طلبات الالتحاق من الطلاب الذين لم يحصلوا على الدرجات المرجوة في الثانوية العامة. إذ ذكر رئيس إحدى الجامعات أن جامعته تلقت 900 طلب خلال ساعتين فقط من إعلان نتائج الثانوية العامة.
لكن البعض لا يزال متشككا: ففي سلسلة تعليقات للطلاب الجدد عبر منصة فيسبوك، تجاوزت الردود 40 ردا ركز معظمها على التمسك بالنظام القديم للثانوية العامة. وشكك أحد المشاركين في وجود نظام ذي "أفضلية" مطلقة بين الاثنين، منتقدا عدم وضوح مناهج البكالوريا رغم قرب بداية العام الدراسي. كما احتج بأن التنسيق الجامعي سيكون أصعب في ظل نظام جديد لم يختبر بعد. فيما عبر آخر عن شعوره بأنه "أُجبر" على دخول مسار البكالوريا. ومع أن هذه المنشورات فردية وغير موثقة — إذ إنها كانت مكتوبة في مجموعة خاصة بمنصة التواصل الاجتماعي دون الكشف عن أسماء أصحابها لدواعي الخصوصية — فهي تشكل إشارة صغيرة على أن التوجه العام قد لا يتطابق كليا مع الأرقام الرسمية.
السؤال التجاري الذي لم يجبه أحد بعد: يتلخص هذا السؤال في مدى قدرة هذا النظام الممتد لعامين — والمبني على محاولات متعددة للإعادة — على خفض إجمالي الإنفاق على الدروس الخصوصية، أم أنه سيكتفي بتوزيع نفس حجم الإنفاق على عامين بدلا من عام واحد. وبلغت قيمة سوق الدروس الخصوصية في مصر نحو 0.78 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن تتضاعف ثلاث مرات لتصل إلى نحو 1.75 مليار دولار بحلول عام 2033، وفقا لتقرير صادر عن مؤسسة ديب ماركت إنسايتس في يناير 2026. بيد أن هذه التقديرات قادمة من القطاع الخاص، وليست أرقاما حكومية، ووُضعت قبل أن يبدأ أثر هذا الإصلاح في الظهور بالكامل.
رأينا: تمثل أعداد الإقبال انتصارا سهلا تسعى الحكومات دوما لإبرازه. لكن الرقم الأهم والأصعب هو ما لم يعلنه أحد بعد، وهو حجم الإنفاق الفعلي على الدروس الخصوصية قبل تطبيق الإصلاح وبعده. وحتى تظهر هذه البيانات، فإن الإقبال شبه الكامل يخبرنا أن العائلات اختارت المسار الجديد، لكنه لا يثبت بعد أن هذا المسار قد وفى بما وعد به. تفترض توقعات علام بأن تكون السنة المقبلة هي الأخيرة للثانوية العامة نجاح النظام الجديد في تحقيق تلك الوعود، لكن المدى الزمني الحقيقي لبقائه سينطوي في النهاية على ما ستسفر عنه البيانات الفعلية.