تقدم نحو 200 طالب نيجيري للالتحاق بالجامعات المصرية خلال أسبوع واحد فقط في الشهر الماضي، في قفزة وصفها رئيس الهيئة المصرية العامة للمعارض والمؤتمرات بأنها تجاوزت التوقعات. واصطحبت الهيئة ممثلين عن 10 جامعات مصرية في جولة شملت مدن كانو ولاجوس وأبوجا خلال أغسطس الماضي، في إطار طليعة مساعي الدولة "للترويج للتعليم العالي بالطريقة نفسها التي تروج بها مصر لصادراتها من الأسمنت والمنسوجات"، حسبما صرح به رئيس الهيئة علاء البيلي لنشرة إنتربرايز الصباحية. وكانت الجامعات تستهدف تسجيل 30 طالبا، لكنها أكدت الآن تسجيل 175 طالبا، مع توقعات بتسجيل 15 إلى 20 طالبا آخرين قريبا.

وعلى أرض الواقع، بدا الأمر أقرب لحملة ترويجية أكثر من كونه رحلة دبلوماسية. فقد حصل الطلاب على معلومات فورية حول متطلبات القبول والرسوم الدراسية، وتواصلوا مباشرة مع ممثلي الجامعات والمستشارين التعليميين، مع إجراء مراجعة مبدئية لمؤهلاتهم وهم لا يزالون في نيجيريا (شاهد 7:12 دقيقة). وضمت البعثة ثلاثة نماذج جامعية — وهي الجامعات الحكومية والجامعات الأهلية والجامعات الخاصة — على أن يحتفظ كل نموذج بالإيرادات التي يحققها مباشرة.

التفاصيل: أُقيمت البعثة تحت شعار "ادرس في مصر"، بتنظيم من الهيئة المصرية العامة للمعارض والمؤتمرات، وبالتنسيق مع المجلس الأعلى للجامعات بوزارة التعليم العالي، والإدارة المركزية لشؤون الطلاب الوافدين، والمكتب التجاري المصري في لاجوس. وجاءت البعثة تحت رعاية وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد ووزير التعليم العالي والبحث العلمي عبد العزيز قنصوة، واستمرت من 24 إلى 30 أغسطس الماضي.

التمويل: أوضح البيلي أن صندوق تنمية الصادرات تحمل كافة التكاليف التي شملت "تغطية كامل تكاليف حجز القاعات، وشحن المواد الترويجية، والانتقالات الداخلية للوفد في المدن النيجيرية الثلاث".

وشاركت 10 جامعات في البعثة، وهي جامعات القاهرة، والإسكندرية، وعين شمس، والأزهر، والأقصر، والجلالة، والسلام، وبنها الأهلية، وأكتوبر للعلوم الحديثة والآداب، بالإضافة إلى جامعة حلوان، التي شاركت عبر مسارين من خلال ذراعها الحكومية وذراعها الأهلية تحت اسم "جامعة العاصمة".

والتحق بجامعة الأزهر وحدها 100 طالب من إجمالي 175 طالبا تأكد تسجيلهم، بينما التحق معظم العدد المتبقي بجامعة القاهرة. وتركز الطلب الأكبر على تخصصات الطب البشري، وطب الأسنان، والصيدلة، والهندسة، تليها الدراسات الإسلامية والقانون. أما طلبات الدراسات العليا، فتركزت حول القانون، والتعليم، وإدارة الأعمال، والاقتصاد.

من تصدير السلع إلى تصدير الخدمات

جاءت هذه الخطوة مدفوعة من الجانب التجاري في الحكومة؛ إذ أوضح البيلي لنشرة إنتربرايز الصباحية أن وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد دفع نحو توجيه أدوات الهيئة الترويجية، التي كانت تقتصر حتى الآن على البعثات الترويجية للسلع، لتشمل الخدمات أيضا، وأن تعمل الوزارات معا في الأسواق الأجنبية بدلا من العمل بشكل منفصل. ويرى البيلي أن التعليم يمثل نقطة البداية لقائمة أطول تشمل تكنولوجيا المعلومات، ومراكز البيانات، والتعهيد، والسياحة العلاجية.

يمثل توفير العملة الصعبة الدافع الأساسي وراء هذه الجهود؛ فالحكومة ترغب في جذب المزيد من الطلاب الأفارقة إلى الجامعات المصرية، مع فتح أسواق خارجية جديدة أمام خدمات التعليم المصرية، حسبما صرح به فريد في بيان رسمي. فمن المؤكد أن زيادة أعداد الطلاب الوافدين للدراسة في مصر تعني زيادة صادرات الخدمات، ما سيؤدي بدوره إلى تدفق المزيد من النقد الأجنبي.

لماذا نيجيريا تحديدا؟

اختارت مصر سوقا كانت تخسر حصتها فيها بالفعل؛ إذ يسافر نحو 150 ألف طالب نيجيري للدراسة خارج بلادهم سنويا، حسبما أشار إليه البيلي. وأضاف: "يتجه معظمهم إلى الولايات المتحدة وأوروبا، في حين تتجه نسبة أقل إلى تركيا وماليزيا وإندونيسيا، رغم أن تكلفة الدراسة في هذه الوجهات أعلى من مصر". كذلك شهدت معدلات التحاق الطلاب النيجيريين بالجامعات المصرية تراجعا، وهو ما جعل نيجيريا بمثابة الاختبار الأول للاستراتيجية، بدلا من اختيار سوق جديدة تبني الدولة حضورها فيها من الصفر.

عوامل الجذب: يرى البيلي أن السوق المصرية قادرة في النهاية على استيعاب ما بين 2000-3000 طالب نيجيري سنويا. إذ يستند في رؤيته هذه إلى تنافسية الأسعار مقارنة بجودة التعليم وتنوع التخصصات، إلى جانب الجاذبية الثقافية والتاريخية لمصر، وهو ما يطلق عليه مفهوم السياحة التعليمية.

التحديات: كانت الاستفسارات عن المنح الدراسية وتأشيرات الدخول من أبرز استفسارات الطلاب، وهي أمور لا تقع ضمن اختصاص الهيئة، بل تندرج ضمن مسؤوليات الجامعات والجهات الأخرى. ويرى البيلي أن التحدي الحقيقي يتجاوز تنظيم البعثة لمرة واحدة، ويكمن في استمرارية الترويج والحفاظ على الحضور في هذه السوق.

الصورة الأشمل

تستضيف مصر حاليا نحو 138 ألف طالب وافد من أكثر من 120 جنسية، بالإضافة إلى 60 ألف طالب في جامعة الأزهر، ليصل الإجمالي إلى نحو 200 ألف طالب، وفقا للأرقام التي ذكرها عادل عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وتسعى الدولة لزيادة هذا الرقم بنسبة 150% خلال 5 سنوات، ضمن مستهدف أُعلن في اجتماع وزاري لبحث ملف الطلاب الوافدين، وفق ما قاله عبد الغفار في تصريحات تلفزيونية الشهر الماضي.

قُسمت الجامعات المشاركة إلى 3 مجموعات: الأزهر، والجامعات الحكومية، وفي مقدمتها القاهرة والإسكندرية وعين شمس، والجامعات الخاصة والأهلية. وتعمل كل مجموعة على إعداد قائمة تضم 5-10 دول ذات أولوية، بناء على مدى جاذبية كل جامعة لكل سوق على حدة، استنادا إلى نقاط قوتها والتخصصات المطلوبة فيها. وستجتمع المجموعات الثلاث في 28 أكتوبر لدمج هذه القوائم في قائمة واحدة للأسواق المستهدفة، لتصبح هذه القائمة هي الركيزة الأساسية لجدول البعثات الترويجية خلال العام القادم.

ويتوقع البيلي انطلاق بعثة العام القادم فور انتهاء موسم القبول الحالي في مارس أو مايو، على أن تُحدد الوجهة بناء على نتائج اجتماع أكتوبر. وفي سياق آخر، أوضح البيلي أن وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية تدرس إنشاء مجلس تصديري مخصص للخدمات، وقد يكون التعليم أحد القطاعات التي سيشملها.

الخطوة التالية؟ لم تنتظر الجامعات تنظيم جولة ترويجية جديدة. فقد أخطرت عدة جامعات شاركت في بعثة لاجوس الهيئة باعتزامها العودة إلى السوق النيجيرية بشكل مستقل. وإذا اتفقت المجموعات الثلاث المعنية بتحديد الأسواق المستهدفة على قائمة مختصرة واحدة خلال شهر أكتوبر، فقد يصبح التعليم أول قطاع يحظى بالدعم الترويجي ذاته من بين القطاعات الخمسة الأخرى التي أشار إليها البيلي، وهي تكنولوجيا المعلومات، ومراكز البيانات، والتعهيد، والسياحة العلاجية.