أمضت صناديق الاستثمار المباشر في مصر خمس سنوات في بناء منصات التعليم قبل الجامعي، لكن السوق لا تزال عاجزة عن تقديم نموذج واحد مكتمل لعملية تخارج نقدي فعلية. ولعل منصة مصر للتعليم هي البديل الذي يكسر هذا الركود؛ إذ تقدمت الشركة المدعومة من "إي إف جي هيرميس" بطلب لقيد 199.4 مليون سهم في البورصة المصرية في مايو المقبل، مستهدفة طرح حصة تبلغ نحو 25% للتداول الحر.
يبدو التوقيت مثاليا على الورق. فقد كانت أسهم قطاع التعليم من بين الأفضل أداء في البورصة المصرية العام الماضي، ويتداول القطاع بمضاعف ربحية يتراوح بين 20 إلى 22 مرة، وهو مضاعف يمنح داعمي منصة مصر للتعليم أول اختبار حقيقي في السوق للقيمة الفعلية لإحدى منصات التعليم ما قبل الجامعي، التي تؤسسها صناديق الاستثمار المباشر.
البورصة المصرية مرت بتجربة مماثلة من قبل.. لنقل إنها مماثلة نوعا ما: في هذا الصدد، تقول العضو المنتدب للاستثمار بشركة الأهلي كابيتال ماهيتاب عرابي في حديث لها مع إنتربرايز: "يمثل طرح شركة سيرا نموذجا جيدا هنا، وإن كانت السيولة لا تزال ضئيلة والشركات المدرجة المقارنة قليلة". وتضيف عرابي أن سيرا هي منصة بناها مؤسسوها ولم تبدأ في جذب رأس المال الخارجي إلا في مرحلة لاحقة. فقد طرحت المؤسسة التعليمية الرائدة حصة 37.5% في البورصة المصرية عام 2018، لتنضم إلى أربعة لاعبين آخرين فقط مدرجين في قطاع التعليم بالبورصة.
أين تكمن المفارقة هنا؟ لا يتعلق التقييم بالمدارس في حد ذاتها. وتحذر عرابي من أن التقييم "يمكن أن يتسم بالتقلب ويرتبط بديناميكيات البورصة الأوسع ونطاق المعنويات الكلية للاقتصاد، أكثر من ارتباطه بالأساسيات المالية للكيان التعليمي نفسه"، مما يجعل التوقيت عنصرا حاسما لأي طرح أولي في القطاع، بما في ذلك طرح منصة مصر للتعليم.
يكمن المبرر الهيكلي للقطاع في نقص المعروض وليس معنويات السوق فحسب. إذ تقول ديار حزين، مديرة الاستثمار في شركة ازدهار: "التعليم يقع في صلب نطاق عملنا الخاص برأس مال النمو". فنحن أمام منظومة تواجه نقصا في المعروض؛ فقد أفادت تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بأن عدد المقيدين في التعليم قبل الجامعي تبلغ نحو 28.9 مليون طالب للعام الدراسي 2024-2025. وفضلا عن نقص المعروض، لا يقلص أولياء أمور إنفاقهم على التعليم حتى عندما تشتد الضغوط على كل بند آخر.
التضخم لا يخيف هذه الفئة من الأصول. تقول عرابي إن القطاع "حقق تاريخيا تدفقات نقدية قوية ومستقرة، ونماذج مصروفات دراسية تضمن إيرادات مستقرة ومضمونة، وهوامش ربح قوية بمجرد تخطي مرحلة التأسيس والنفقات الرأسمالية الأولية". وتضيف: "تمكن مقدمو الخدمات التعليمية عموما من مواكبة معدلات التضخم وأزمات العملة، نظرا إلى أن أولياء الأمور لا يترددون في الإنفاق عندما يتعلق الأمر بتعليم أبنائهم".
وتوضح عرابي: "جزء كبير من التكاليف يكون شبه ثابت بغض النظر عن مدى كثافة المدرسة بالطلاب. وبمجرد أن ترسخ المدرسة علامتها التجارية ومصداقيتها الأكاديمية، تكتسب القدرة على جذب المزيد من الطلاب ورفع مصاريفها"، وهو نموذج يكافئ الصبر، ويعاقب أي طرف ينفد صبره قبل أن تصل معدلات القيد إلى مرحلة النضج.
خلفية: كانت "إي إف جي هيرميس" من بين الأوائل في المنطقة الذين حولوا التعليم إلى فئة أصول للاستثمار المباشر، من خلال تأسيس منصة سبارك للتعليم، وهي عبارة عن محفظة للتعليم قبل الجامعي تضم منصة مصر للتعليم. وتغير اسـم سبارك لاحقا إلى مايند سباير، وتعمل حاليا على نقل علامة مدارس حيـاة المصرية إلى السعودية، حيث تمتلك بالفعل محفظة أعمال قوية هناك. وتشمل استثماراتها الأخرى شركة أوبشن ترافيل، وشركة التكنولوجيا التعليمية والكتب الخارجية سلاح التلميذ، بالإضافة إلى شراكات إدارية مع جيمس للتعليم وشبكة حضانات تريليوم آند بيتيلز.
أين تلتهم الأموال؟ في حديثه مع إنتربرايز، يقول محمد القلا، الرئيس التنفيذي لشركة سيرا للتعليم: "التعامل مع أموال صناديق الاستثمار المباشر في قطاع التعليم ينطوي دائما على صعوبة".
ثمة ثلاث قوى تتسبب في هذا الضرر، وتتمثل في سعر الصرف، والتضخم، وتكلفة التمويل. وتوضح عرابي: "الاضطرابات الاقتصادية الكلية تتمثل أساسا في سعر الصرف، والتضخم، وتكلفة التمويل. ونظرا إلى أن حصة كبيرة من النفقات الرأسمالية والتشغيلية ترتبط عادة بالدولار، فإن أي خفض في قيمة الجنيه يرفع التكلفة مباشرة، كما أن هناك فجوة زمنية قبل أن يلحق تعديل المصاريف الدراسية بركب الزيادة الناجمة عن التضخم في الأجور والبنود الأخرى". وتضيف أنه بالنسبة للمنصات التي تعتمد على الاقتراض، فإن أسعار الفائدة المرتفعة تفاقم من حجم الضغوط في السنوات الأولى من التشغيل.
يقول القلا: "عندما تبدأ الدورات الاقتصادية، وتحديدا تلك المرتبطة بالتضخم والاقتصاد الكلي، فإن أول ما تلجأ إليه هو وفورات الحجم. ويكون هذا خيارك الأفضل للوصول إلى وضعية تتيح لك حماية الطلاب لديك من التأثير الحقيقي للأزمة".
المؤسسات الصغيرة لا تحظى بنفس الحماية. إذ إن تكاليف النقل والكتب والمواد تُمرر إلى أولياء الأمور، في حين تضطر المدارس لتحمل زيادة تكاليف المعلمين من هوامش أرباحها. ويضيف القلا: "بدون وفورات الحجم، ستضطر إلى تمرير التكلفة الكاملة للعمليات، وهو أمر غاية في الصعوبة. وتتسع الفجوة بين المشغلين الكبار والصغار تحت وطأة الضغوط. ويتابع قائلا: "هناك فارق شاسع بين الكيانات التعليمية ذات الكثافة العالية التي تضم آلاف الطلاب، وبين المنشآت التعليمية القائمة على مدرسة أو مدرستين؛ فالأخيرة تعاني معاناة أكبر بكثير".
ويرى القلا أن مجرد تجميع المدارس لا يترجم بالضرورة إلى كيان متماسك. ويقول: "المستثمرون الأكثر ذكاء يميلون إلى دعم كيان تعليمي قائم يمتلك بالفعل هوية وخصوصية محددة ومساعدته على التوسع"، بدلا من محاولة بناء كيانات عملاقة عبر دمج مدارس مختلفة وتوقع تحقيق عوائد مضاعفة؛ إذ غالبا ما ينتهي المطاف بهذه الهياكل بتآكل قيمتها وفشلها في تحقيق مستهدفاتها.
شركة ازدهار تصوب بوصلتها خارج نطاق التعليم قبل الجامعي بالكامل. تقول حزين: "التعليم العالي هو المكان الذي نرى فيه فرصة استثمارية أفضل، بسبب هوامش الربح الأفضل، والإطار التنظيمي الأكثر مرونة، والوفرة الأكبر في الأصول المؤهلة لجذب الاستثمارات المؤسسية". وفي تعليقها على التعليم قبل الجامعي تحديدا، توضح: المسألة تتعلق بمدى توافق الفرص مع معاييرنا، وليس ضعف رغبتنا في الاستثمار؛ فكل ما في الأمر أننا لم نجد الأصل المناسب بالسعر المستهدف للشراء".
تدعم الأرقام الواردة في نتائج أعمال شركة سيرا هذا الرأي؛ فقد كان التعليم العالي هو المحرك الرئيسي لنمو الشركة في الربع الأول من العام المالي 2025-2026، مع قفزة في الإيرادات بنسبة 44% على أساس سنوي لتصل إلى 990.2 مليون جنيه. وتجاوز صافي ربحها المعدل البالغ 491.3 مليون جنيه إجمالي صافي الربح المجمع لها خلال الربع، في حين سجل قطاع التعليم قبل الجامعي صافي خسارة 137 مليون جنيه بناء على نفس القوائم المالية المدققة للربع الأول من العام المالي 2025-2026. وبالمقارنة، يمثل التعليم قبل الجامعي الجزء الأبطأ نموا والأقل في هوامش ربحه بطبيعته الهيكلية ضمن نفس النشاط.
يشير القلا إلى أن مصاريف التعليم العالي ببساطة تفرض سعرا أعلى لكل طالب مقارنة بالتعليم قبل الجامعي، وهو السبب في تفوقه على قطاع المدارس من حيث الأداء المالي والربحية، حتى مع احتفاظ سيرا بمستهدفات قيد متساوية في كلا القطاعين. ويضيف: "من منظور الإيرادات، أجل نرى أن قطاع التعليم العالي بات يتحمل العبء الأكبر بشكل متزايد، مدفوعا بالقيمة السعرية الأعلى لطالب الجامعة. ولكن إذا نظرنا للأمر من زاوية الأثر المجتمعي والتنموي، فإن الأهمية تظل مقسمة بالتساوي بنسبة 50% لكل منهما".
السر في كلمتين: الاندماج والاستحواذ. تقول عرابي: "يبدو القطاع اليوم مجزأ للغاية، مع وجود الكثير من مشغلي المدارس أو الجامعات المستقلة". وتضيف: "على مدى السنوات المقبلة، أتوقع أن يستمر القائمون على المنصات الكبرى في تجميع الأصول عالية الجودة، لأن الحجم الكبير يجلب منافع هائلة ووفرة في التكاليف تؤدي إلى هوامش ربح أكثر صحية".
وتتوقع عرابي أن الاستثمار المباشر نحو التعليم العالي والتكنولوجيا التطبيقية. وقالت: "التكنولوجيا التطبيقية والتعليم الفني اللذان يجمعان بين التعلم في الفصول الدراسية والاحتكاك الفعلي ببيئة العمل هما المكانان اللذان أعتقد أن الموجة القادمة من رؤوس الأموال يجب أن تركز عليهما".
رأينا: تعد سيرا هي المنصة الوحيدة التي يمكننا أن نرى تفاصيلها من الداخل بالفعل، بل ووفقا للقطاعات؛ إذ إن التعليم العالي هو الركيزة التي تسند الأعمال، وليس العكس. ومن واقع هذا المركز المالي، يبدو واضحا كيف تسهم وفورات الحجم في زيادة هوامش الربح. صحيح أن طرح منصة مصر للتعليم لن يحسم الجدل الدائر منذ خمس سنوات من خلال سعر سهم واحد، لكنه سيكون بمثابة أول علامة واسترشاد لتقييم السوق.