تفتتح مصر هذا العام أول مراكز التميز المدعومة من ألمانيا في مدينة بلبيس بالشرقية، والتي تدمج بين التدريب المهني لثلاث سنوات والدراسة الفنية لسنتين. وبحسب تقديراتنا، يبلغ إجمالي التمويلات المخصصة أو المرتقبة لدعم نظام التعليم الفني والتدريب المهني في مصر نحو 215 مليون يورو عبر بنك التعمير الألماني، معظمها في صورة منح، وتمثل هذه المراكز إحدى أوجه إنفاقها. ونستعرض فيما يلي طبيعة المشروعات التي تمولها هذه الاستثمارات، والخطوات المقبلة.
يبلغ حجم التمويلات التي خصصها بنك التعمير الألماني حاليا 170 مليون يورو، موزعة بين 109 ملايين يورو في صورة منح، و41 مليون يورو عبر مبادلة الديون، و20 مليون يورو في صورة قروض ميسرة، وفق ما صرح به مدير مكتب البنك بالقاهرة كريستوف شيفر لنشرة إنتربرايز الصباحية. ويدير البنك أيضا منحة مقدمة من الاتحاد الأوروبي للقطاع بقيمة 13 مليون يورو. وأضاف شيفر أن البنك "يعمل بتكليف من الحكومة الألمانية وبالتعاون مع الشركاء المصريين على إعداد حزمة دعم إضافية لقطاع التعليم الفني والتدريب المهني بقيمة تصل إلى 32 مليون يورو"، على أن يوقع الجانبان اتفاقية التمويل في عام 2027.
تمول الحكومة الألمانية هذه البرامج، في حين يوجه بنك التعمير الألماني هذه المساهمات نحو برامج تنفذها الحكومة المصرية، بحسب شيفر، على أن يمثل البنك المركزي المصري الدولة في تعاقداتها مع البنك الألماني. وبموجب برنامج مبادلة الديون، تتنازل ألمانيا عن تحصيل أقساط قروض سابقة، مقابل توجيه مصر هذه الأموال لتمويل التعليم الفني والتدريب المهني أو قطاعات أخرى يتفق عليها الجانبان. وتقود وزارة التربية والتعليم البرامج الوطنية، في حين تتولى هيئة الأبنية التعليمية، ومؤسسة مصر الخير في بعض المشروعات، تنفيذ الأعمال على أرض الواقع.
التدريب في مجال الطاقة يتصدر أكبر البرامج: يبلغ إجمالي مخصصات برنامج تعزيز التعليم الفني والتدريب المهني 51 مليون يورو، بحسب ما أضافه شيفر. وقدمت ألمانيا منحة قدرها 18 مليون يورو وقرض ميسر بقيمة 20 مليون يورو، بينما ساهم الاتحاد الأوروبي بمنحة بقيمة 13 مليون يورو. ويمتد الجدول الزمني المقرر للبرنامج من يونيو 2020 إلى ديسمبر 2027. وتندرج مراكز التميز الثلاثة تحت مظلة هذا البرنامج وحظيت بالأولوية في توجيه التمويل، لتوفير التدريب في مجالات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة في محافظات المنيا وأسوان والشرقية.
وتمول منحة الاتحاد الأوروبي إعادة تأهيل 16 مدرسة ثانوية فنية، فضلا عن تركيب ألواح طاقة شمسية في أكثر من 110 مدارس ابتدائية، وفقا لشيفر. ووقعت وزارة التربية والتعليم ومؤسسة مصر الخير عقودا لدعم التصميم المعماري لمركز التميز بمحافظتي المنيا وأسوان، بحسب بيان للوزارة. وأضاف شيفر أن المعهد الأول في البرنامج "كان جاهزا في عام 2025"، بينما ستتمكن المعاهد الأخرى "من بدء التشغيل خلال الأشهر المقبلة".
منظومة ضخمة وقوة عاملة شابة: بلغ عدد الطلاب المقيدين في نحو 3,500 مدرسة ثانوية فنية في مصر نحو 1.98 مليون طالب خلال العام الدراسي 2025/2026، وفقا لكتاب الإحصاء السنوي الصادر عن وزارة التربية والتعليم (بي دي إف). وينضم نحو 850,000 شاب سنويا إلى سوق العمل، يجد نحو 500,000 منهم فرص عمل في القطاع غير الرسمي، ويعمل نحو 220,000 في الشركات الخاصة أو الحكومة، فيما يبقى حوالي 130,000 دون عمل، بحسب تقديرات بنك التعمير الألماني لعام 2024.
ويشيع العمل غير الرسمي بين الشباب بشكل خاص، وفق دراسة نشرتها منظمة العمل الاقتصادي والتنمية في عام 2024 (بي دي إف). وعلى مستوى الجمهورية، بلغ معدل البطالة 5.8% في الربع الثاني من عام 2026، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. كما استشهد بنك التعمير الألماني بتقديرات تشير إلى أن قطاع الطاقة المتجددة قد يوفر ما يصل إلى 65,000 فرصة عمل جديدة في مصر بحلول عام 2030.
التدريب العملي جزء من الدراسة: تدرب مراكز التميز الطلاب في مجالات تشمل كفاءة الطاقة والنجارة والسيارات والبناء، بحسب شيفر. ويقضي الطلاب ثلاث سنوات في تدريب مهني يركز على العمل مع شركاء من القطاع الخاص، يليها عامان في التعليم الفني، مما يتيح لهم استكمال دراستهم في التعليم العالي. كما يدعم بنك التعمير الألماني أكاديمية معلمي التعليم الفني والمهني.
تُشغل هذه المراكز بتمويل مشترك من الحكومة المصرية والاتحاد الأوروبي وألمانيا عبر بنك التعمير الألماني، وفق شركة جوبا، الشريك المنفذ للمشروع. وسيخدم مركز بلبيس منطقة الدلتا، مع خطط لإنشاء المزيد من المراكز في أنحاء الجمهورية. وفي 24 يونيو 2025، وقعت الوزارة مذكرة تفاهم مع مؤسسة السويدي إلكتريك لإدارة وتشغيل المراكز التي تركز على الطاقة، بحسب بيان للوزارة. وخلال مراسم التوقيع ذاتها، أشار مسؤول في بعثة الاتحاد الأوروبي إلى أن المراكز المدعومة من الاتحاد والتي تتبنى النموذج ذاته قد خرجت أكثر من 3,500 طالب حتى الآن، بمعدلات توظيف تتجاوز 80%.
ولمبادلة الديون دور أيضا: تساهم تمويلات مبادلة الديون البالغة 41 مليون يورو الجاري تنفيذها حاليا في دعم صندوق رقمنة التعليم الفني، والذي يساعد في تطوير الحلول الرقمية والتوسع في استخدامها بالمدارس الفنية، بحسب شيفر. ومولت مبادلة ديون منفصلة بقيمة 40 مليون يورو المجمع التعليمي التكنولوجي المتكامل في أسيوط، والذي يهدف إلى "تعزيز مهارات القوى العاملة وتعزيز فرص توظيفهم في مجالات الميكانيكا والإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات"، وفقا لشيفر. ودعم بنك التعمير الألماني مشروع أسيوط منذ عام 2012 وحتى اكتماله في 2020.
ويعد التعليم الفني والتدريب المهني واحدا من ثلاثة مجالات اتفقت ألمانيا ومصر على تعزيز التعاون فيها خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات الحكومية، التي عقدت في برلين خلال شهر نوفمبر 2025، كما يندرج ضمن محور التنمية الاقتصادية المستدامة. وقال شيفر لنشرتنا "تتولى حكومتا البلدين تحديد أولويات التعاون الإنمائي الثنائي"، مشيرا إلى أن "بنك التعمير الألماني الحكومي يقتصر دوره على تقديم المشورة".
وبعد تحديد هذه الأولويات، يتولى بنك التعمير الألماني إعداد المشروعات مع السلطات المصرية وتقديم المساهمة الألمانية. ويشارك البنك أيضا في "متابعة تنفيذ البرامج بصورة مشتركة"، ثم تقييم أثرها لاحقا، بحسب شيفر. ويرى بنك التعمير الألماني أن دعم قطاع التعليم الفني والتدريب المهني "يعالج بشكل مباشر تحديا كبيرا أمام التنمية المستدامة، والمتمثل في "تعزيز فرص توظيف القوى العاملة وزيادة إنتاجيتها ومرونة الشباب على التكيف مع التحديات".
يتولى بنك التعمير الألماني إدارة التمويلات الألمانية، لكنه ليس الجهة الألمانية الوحيدة الداعمة للقطاع. إذ تقدم الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي الدعم الفني للمدارس الفنية المصرية الألمانية التابعة للوزارة. وتغطي هذه الجهود تطوير المدارس وضمان الجودة والتقييم والتعلم الرقمي وإدارة الموارد المالية.
ووقعت الوزارة اتفاقيات مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي لتطوير وتأسيس وتشغيل 38 مدرسة فنية مصرية ألمانية بدءا من العام الدراسي 2026/2027، وفقا لما صرح به وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف للرئيس عبد الفتاح السيسي في يوليو الماضي. وفي الشهر ذاته، أبرمت الوزارة اتفاقيات لإنشاء 8 مدارس تكنولوجيا تطبيقية مصرية ألمانية مع مؤسسة السويدي إلكتريك، و10 مدارس مع مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية.
وتنشط جهات مانحة أخرى في هذا القطاع أيضا. وقال شيفر لنشرتنا إن بنك التعمير الألماني "يتواصل باستمرار مع جميع شركاء التنمية الألمان والدوليين في مصر"، بما في ذلك بعثة الاتحاد الأوروبي و"فريق أوروبا" الأوسع نطاقا. وكان نائب رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي قد جدد التزام التكتل بدعم قطاع التعليم الفني والتدريب المهني في مصر خلال معرض إيديوتك في عام 2024.
أيضا - تعزز إيطاليا حضورها في القطاع من خلال مدارس التكنولوجيا التطبيقية. إذ وقعت وكالة التنمية التابعة لها اتفاقيات في فبراير 2025 لربط هذه المدارس بالمعاهد الفنية العليا في إيطاليا. وفي نوفمبر 2025، شهد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي توقيع 18 اتفاقية مع أكاديميات إيطالية لإنشاء 89 مدرسة تكنولوجيا تطبيقية. وتشمل الدفعة الأولى 7 مدارس متخصصة في صناعة الصلب بالتعاون مع شركة دانييلي الإيطالية، و26 مدرسة زراعية، وهي من بين المدارس المقرر افتتاحها في العام الدراسي 2027/2026.
ورفعت الاتفاقيات الإيطالية عدد مدارس التكنولوجيا التطبيقية في مصر إلى 204 مدارس، وفقا لوزارة التربية والتعليم. وفي يوليو الماضي، أوضح عبد اللطيف أن الاتفاقيات الجديدة سترفع العدد ليصل إلى نحو 225 مدرسة بحلول بداية العام الدراسي 2027/2026 الذي بدأ في 12 سبتمبر.
وتزيد الحكومة أيضا إنفاقها على القطاع. إذ ترفع خطة التنمية للعام المالي 2027/2026 مخصصات التعليم قبل الجامعي بنسبة 11.5%، مع وضع التعليم الفني ضمن الأولويات، وتتضمن إعادة تأهيل 1000 مدرسة فنية بالتعاون مع القطاع الخاص، بحسب ما أعلنه وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية أحمد رستم أمام مجلس النواب في أبريل الماضي.
أما أي تمويل ألماني جديد للقطاع، فتقرره الحكومة الألمانية بالتشاور مع الحكومة المصرية، بحسب شيفر، الذي أوضح لنشرتنا أنه "في الوقت الحالي، ليس لدى بنك التعمير الألماني تكليف محدد في هذا الشأن"، بخلاف البرامج الجاري تنفيذها.
وتساهم ألمانيا بالفعل في تمويل جانب من إصلاحات الحكومة للتعليم الفني. فقد وقعت على منحة بقيمة 32 مليون يورو في ديسمبر 2024 للمرحلة الثانية من مبادرة التعليم الفني الشامل، وهو برنامج يتكون من ثلاث مراحل وتؤكد الحكومة أنه سيؤسس 25 مركز تميز، وفقا لتقريرها السنوي لعام 2024 (بي دي إف). وتعد هذه المنحة منفصلة عن التمويل الذي أشار إليه شيفر سابقا، والذي تصل قيمته إلى 32 مليون يورو ومن المقرر توقيع اتفاقه في عام 2027.
ويمتد التعاون المصري الألماني ليشمل شريحة جديدة بقيمة 100 مليون يورو ضمن برنامج مبادلة الديون بين البلدين، والتي أعلنت عنها وزارة التعاون الدولي في يوليو 2025. وتغطي هذه الشريحة عدة قطاعات، ومن المقرر تفعيلها على مرحلتين حتى يونيو 2026. لكن شيفر قال لإنتربرايز إنه لا يستطيع تأكيد وجود اتفاق تمويل منفصل مع البنك بهذه القيمة مخصص للتعليم الفني.
تذكر: التقى عبد اللطيف وفدا من بنك التعمير الألماني برئاسة شيفر في 7 أبريل 2026 لبحث تعزيز التعاون في مجال التعليم الفني والتوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية.
الخلاصة: اتضحت ملامح التمويل والجداول الزمنية للتنفيذ. ويؤكد بنك التعمير الألماني أنه سيساعد في متابعة "تأثير هذه البرامج"، وسنتابع بدورنا فرص خريجي المراكز الجديدة في سوق العمل بعد افتتاحها.