تتلقى المدارس الحكومية المصرية تمويلات إضافية بقيمة مليوني يورو من فرنسا لدعم تدريس اللغة الفرنسية. ومع ذلك، ثمة تساؤلات عالقة حول جدوى المرحلة الأولى من هذا البرنامج، وتتلخص في: أين ذهبت هذه الأموال؟ وهل حقق البرنامج أهدافه؟ بالإضافة إلى ذلك، تشير الأرقام الصادرة عن البرنامج نفسه إلى إخفاق في تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشأن أعداد المعلمين والطلاب. فلم يتضح بعد هوية المدارس التي تلقت التمويل، كما غابت البيانات المستقلة التي تؤكد تحقيق هذه المدارس نتائج إيجابية بالفعل.

وقعت مصر والوكالة الفرنسية للتنمية في يونيو اتفاقية منحة لبدء المرحلة الثانية من برنامج ترفل TrèFLE، الذي يهدف إلى التوسع في تدريس اللغة الفرنسية بالمدارس الحكومية، مستهدفا 8000 معلم وأكثر من مليون طالب بحلول عام 2028، وفق بيان صادر عن الوكالة.

خلفية: بدأ برنامج ترفل في عام 2021 بتمويل من منحة مقدمة من الوكالة الفرنسية للتنمية، وتولى تنفيذه تحالف من المؤسسات الفرنسية، يضم مؤسسة فرانس إديوكيشن إنترناشونال، والمعهد الفرنسي بمصر، وشبكة كانوبي، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم ضمن المرحلة الثانية من خطة إصلاح التعليم، وفق تقرير أصدرته مؤسسة فرانس إديوكيشن إنترناشونال حول المشروع.

وتؤكد كل من الوكالة الفرنسية للتنمية ومؤسسة فرانس إديوكيشن إنترناشونال أن البرنامج كان يطمح عند تدشينه إلى تدريب 13 ألف معلم والوصول إلى نحو 3 ملايين طالب في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وهي أهداف استندت إلى إحصائيات القيد بوزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2018-2019.

لكن الميزانية الأصلية للمرحلة الأولى لم تكشف قط. وقال نائب مدير الوكالة الفرنسية للتنمية جيروم توران لإنتربرايز إن "مليوني يورو صُرفت بالفعل"، دون أن يحدد إجمالي الالتزام المالي.

بحسب رواية الوكالة الفرنسية للتنمية، فإن المرحلة الأولى من برنامج ترفل دربت أكثر من 4000 معلم ووصلت إلى نحو مليون طالب في المرحلة الإعدادية، وهو ما يمثل جزءا بسيطا من المستهدفات الأصلية على مستوى الطلاب والمعلمين.

ولا يبرر توران هذه الفجوة بضعف الأداء، بل بتغير الأهداف. إذ أوضح في حديثه إلى إنتربرايز أن البرنامج "أعاد تركيز أنشطته تدريجيا على المرحلة الإعدادية" بناء على طلب الوزارة. وجاء هذا التحول عقب القرار الذي أصدره وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف في أغسطس 2024 بإعادة هيكلة الصف الأول الإعدادي، وحصر اللغة الأجنبية الثانية على مدارس اللغات الرسمية والخاصة، بالإضافة إلى اعتبارها مادة نجاح ورسوب خارج المجموع في المرحلة الثانوية بداية من ذلك العام الدراسي، وفق بيان رسمي.

ولم ترد وزارة التربية والتعليم على طلب إنتربرايز للحصول على معلومات حول مواقع المدارس التي نُفذ فيها البرنامج وحجم التمويل الذي تلقته كل مدرسة. وبدون هذا التوزيع الجغرافي، لا توجد طريقة لتقييم الأداء الفعلي لبرنامج ترفل على أرض الواقع بعيدا عن الأرقام الإجمالية التي أعلنتها الوكالة الفرنسية للتنمية.

يركز البرنامج حاليا على المدارس الرسمية لغات (التجريبية سابقا)، والمدارس الرسمية المتميزة لغات (المستقبل سابقا)، والمدارس المصرية اليابانية، والمدارس القومية لغات، وهي الفئات المحددة التي استمر فيها تدريس اللغة الفرنسية بعد الإصلاحات، بحسب الخطة الاستراتيجية للوزارة (بي دي إف). وفي ضوء هذا التحول، يجب إعادة النظر في الأرقام المستهدفة للبرنامج بشأن المعلمين والطلاب.

ما لا تخبرنا به البيانات

تبدو إجابات توران أكثر تحديدا وانتقائية عند الحديث عن النتائج. إذ يشير إلى أن نحو 500 مدرب فرنسي اجتازوا البرنامج، من بينهم 50 مدربا سافروا إلى فرنسا في إطار برامج التبادل، ونجح 99% من هذه المجموعة في الحصول على شهادة "ديلف إيه 2"، بينما حصل 91% منهم على شهادة "ديلف بي 1". وأثمر البرنامج أيضا عن سلسلة كتب مدرسية جديدة للغة الفرنسية تمتد لست سنوات تحت اسم "معا نتعلم الفرنسية"، وقال توران إنها "ستمتد لتشمل المدارس الخاصة أيضا".

لكن الحلقة المفقودة تتمثل في بيانات نتائج أربعة آلاف معلم في الفصول الدراسية، الذين كان من المفترض أن يتلقوا تدريبهم عن طريق الـ 500 مدرب فرنسي؛ إذ لا توجد بيانات حول تحسن الكفاءة أو نتائج الامتحانات أو معدلات الاستبقاء. وردا على سؤال إنتربرايز عما إذا كان البرنامج يتتبع معدلات تسرب المعلمين، قال توران: "هذا ليس هدفا محددا لمشروع ترفل، وبالتالي لا يندرج ضمن مهامه". ولم ترد وزارة التربية والتعليم أيضا على أسئلتنا بشأن توزيع المعلمين أو الاحتفاظ بهم.

رأينا بالفعل بعض المديريات التعليمية التي تلقت التمويل والتدريب؛ فقد كرمت مديرية التربية والتعليم بالمنيا إحدى معلمات اللغة الفرنسية في مدرسة رضا عاشور الثانوية بنات بمغاغة لبلوغها المستوى المتقدم "بي 2" ضمن برنامج ترفل. ويشير هذا النوع من التكريم المحلي إلى أن الأموال وصلت بالفعل إلى بعض المدارس، لكنه لا يجيب على الأسئلة الأهم: أي المديريات تتلقى الأموال وبأي حجم؟ وهل تحقق هذه البرامج النتائج المرجوة؟

التمويل ذاته، لكن بوعود جديدة

رغم عدم وجود بيانات كافية عن المرحلة الأولى، تمضي المرحلة الثانية قدما بنفس النموذج المالي. وأكد توران أن كلتا المرحلتين نُفذت في شكل منح وليس قروضا.

الرقابة على المرحلة الثانية: أوضح توران لإنتربرايز أن هناك خطة لإجراء تقييم خارجي لمرحلة التنفيذ، وذلك بدعم من لجنة جديدة للمتابعة والتقييم السنوي تضم أكاديميين مصريين متخصصين في طرق التدريس واللغات.

كما ستشهد المرحلة الثانية إجراء اختبارات لتحديد مستوى اللغة لدى المعلمين في بداية البرنامج ونهايته، مع تتبع معدلات الالتحاق بفصول اللغة الفرنسية ومشاركة الطلاب في المسابقات الوطنية لتعلم الفرنسية وامتحانات الشهادات. لكننا ما زلنا لا نملك رؤية واضحة عما إذا كانت المرحلة الأولى قد خضعت للتقييم، وما الذي خلص إليه هذا التقييم المفترض، وما إذا كان قد نُشر أصلا.

آفاق أوسع للعمالة المصرية: يصف توران اللغة الفرنسية بأنها "أداة فعالة لتعزيز فرص العمل"، مشيرا إلى توسع شركات الخدمات الفرنسية (مثل أتوس، وتيلي بيرفورمانس، وأورنج) في مصر وحاجتها إلى موظفين متعددي اللغات. كما أوضح أن الدول الناطقة بالفرنسية تمثل نحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

أما راجي أسعد، الأستاذ بكلية همفري للشؤون العامة بجامعة مينيسوتا، فقال في حديثه إلى إنتربرايز: "يمكن لمن يجيدون اللغات الأجنبية كسب أضعاف الرواتب التي يحصل عليها من تقتصر معرفتهم اللغوية على إجادة اللغة العربية، في وظائف مراكز الاتصال ودعم العملاء والدعم الفني". ولكن فيما يخص اللغة الفرنسية تحديدا، أضاف أسعد: "ليس لدي أي دليل على أن اللغة الفرنسية بالذات تعزز من فرص إيجاد عمل في الخارج".

ولم يتمكن أسعد من إرشادنا إلى أي بيانات لأسواق العمل أو التجارة تربط بين إجادة اللغة الفرنسية والحصول على وظائف أو زيادة الأجور في مصر؛ وبحسب رؤيته، فإن المنطق وراء هذا التوجه يبدو أقرب إلى الدبلوماسية الثقافية وتعزيز فرص التوظيف على المدى الطويل، منه إلى تحقيق عائد اقتصادي ملموس.

ما يحتاجه معلمو ترفل

ثمة تساؤل يستحق أن نطرحه هنا، ويتعلق بما إذا كانت المنظومة التعليمية تشهد أي تحسن في أوضاع هؤلاء المعلمين. صحيح أننا نشهد بالفعل بعض التقدم في علاج المشكلات المزمنة، على غرار تدني الرواتب وازدحام الفصول والنقص الحاد في الكوادر التعليمية، لكن أسعد يرى أن "التنفيذ الناجح للبرنامج في المدارس الحكومية سيعتمد على توفر المعلمين المؤهلين، وهو أمر غير مضمون. فلا توجد حلول سحرية".

بالنظر إلى الأجور، أضافت وزارة المالية حافزا شهريا للمعلمين بقيمة 1000 جنيه علاوة على الحد الأدنى الجديد لأجور القطاع العام البالغ 8 آلاف جنيه في موازنة العام المالي 2026-2027، بحسب وزير المالية أحمد كجوك. وبذلك يرتفع الحد الأدنى لأجر المعلم المبتدئ إلى 9 آلاف جنيه شهريا، إلى جانب 2000 جنيه حافز تميز للإدارات المدرسية المتميزة.

غير أن هذا الحد الأدنى يكفي بالكاد لتغطية الاحتياجات الأساسية، ولا يوفر ميزانية مستقرة للأسرة؛ إذ لا يتبقى أي مبلغ يذكر للإيجار أو المواصلات أو المصاريف المدرسية بعد تلبية الاحتياجات الأساسية الأخرى، لا سيما مع ارتفاع تكاليف التعليم بنسبة 18.7% على أساس سنوي في يوليو، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

ماذا عن توظيف المعلمين؟ تستهدف السردية الوطنية للتنمية الشاملة التي أعلنتها الحكومة الوصول بنسبة الطلاب إلى المعلمين لتبلغ 20 طالبا لكل معلم بحلول عام 2030، انخفاضا من 29 طالبا، وتقليل كثافة الفصول إلى 30 طالبا بدلا من 40. ويتوقف الوصول إلى هذا الهدف على تعيين 167 ألف معلم بعقود جديدة، وزيادة أجر الحصة من 20 جنيها إلى 50 جنيها لسد العجز الناجم عن فقدان مصر نحو 127 ألف معلم بين عامي 2018 و2023، وفق ما أشارت إليه إنتربرايز في مارس الماضي. لكن السؤال المعلق هو ما إذا كانت أي من هذه التحسينات ستصل فعليا إلى الفصول الدراسية التي يعتمد عليها برنامج ترفل.

ما زلنا في انتظار الوزارة

لم توضح الوزارة إذا كانت قد أسهمت بأي تمويل من جانبها في المرحلة الأولى، كما لم تفصح لإنتربرايز عن إحصاء دقيق لعدد المدارس التي يُدرس فيها المنهج بالفعل. ولم تقدم أيضا أي بيانات متابعة مستقلة من جانبها بشأن توزيع المعلمين ومعدلات تسربهم.

وقال توران لإنتربرايز: "الرقم الحقيقي الذي تستهدفه الوكالة الفرنسية للتنمية هو 9 آلاف معلم و1.8 مليون طالب"، لكن هذا الرقم يمثل شريحة كبيرة على أن تتحقق في نظام يعاني في الأساس من الضغوط، كما تمثل التزاما أكبر مما أُعلن رسميا للبرنامج.

رأينا: بعد مرور مرحلتين وإنفاق 4 ملايين يورو، تبقى التساؤلات ذاتها بلا إجابات: فلماذا تغيرت المناهج؟ وأين انتهى المطاف بالمعلمين المدربين؟ وهل تتابع أي جهة هذه المؤشرات؟ فقد مولت الوكالة الفرنسية للتنمية هذا البرنامج وأعلنت أرقامها، غير أن التساؤلات الكبرى تظل معلقة لدى الوزارة.