أهلا بكم قراءنا الأعزاء في العدد الثاني من نشرة طاقات، سلسلتنا الخاصة الجديدة.
في العدد الماضي، تتبعنا مسار الغاز الذي يضمن استمرار عمل محطات الكهرباء خلال فصل الصيف، والكلفة المتزايدة لشرائه من الخارج. ونسلط الضوء في هذا العدد على المشروعات الجاري تنفيذها لتخفيف هذا العبء. فصحيح أن أشعة الشمس والرياح القوية موارد مجانية، لكن بقية عناصر المنظومة لها حسابات وتكاليف، سواء المطورون الذين يبنون المحطات، أو البنوك التي تقرضهم لآجال تصل إلى 20 عاما بالعملات الأجنبية، أو المصانع التي تنتج المعدات، أو الشركات الراغبة في شراء الكهرباء، وغيرها.
نركز في هذا العدد على التحول في قطاع الطاقة، لنناقش ما يتطلبه بناء منظومة كهرباء تقلل من الاعتماد على تلك الإمدادات المكلفة. وننتبع دور كل طرف: من يبني محطات الطاقة الجديدة في مصر، ولماذا ترغب الدولة في إسناد معظمها إلى القطاع الخاص، ومن يمول قدرات الطاقة المتجددة الإضافية المستهدفة بحلول نهاية عام 2029، ومن يتحمل مخاطر تلك المشروعات، وما حجم المكون المحلي في تصنيع الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات، وماهية مصانع الليجو. ونتساءل في النهاية عما إذا كانت أزمة الطاقة الأخيرة قد عجلت بخطط التحول نحو الطاقة الشمسية.
وفي العدد المقبل، نركز على الموانئ وخطوط الأنابيب والكابلات التي من شأنها أن تجعل مصر مركزا إقليميا للطاقة. وبعدها نعود إلى فواتير استهلاككم، وأسطح منازلكم، وسياراتكم.
يحتاج الجيل التالي من محطات الطاقة في مصر إلى ما هو أكثر من أشعة الشمس والرياح القوية. فلابد من وجود مطورين مستعدين لبنائها، وجهات راغبة في شراء إنتاجها. وفي عددنا الأول من نشرة طاقات، تتبعنا مسار الغاز الذي يضمن استمرار عمل محطات الطاقة في البلاد، والكلفة المتزايدة لشرائه من الخارج. ونسلط الضوء الآن على الشركات التي تبني محطات الطاقة البديلة، والعقود التي تجعل الاستثمار في تلك المحطات مجديا، والدور المتغير للدولة.
وسطاء الطاقة
لنوضح أولا نموذج المنتج المستقل للكهرباء، الذي يقوم على توليد الكهرباء من محطة يتملكها ويديرها كيان غير تابع لشبكة المرافق الحكومية، وإن كانت الدولة عادة تكون هي المشتري النهائي للكهرباء الناتجة في ذلك النموذج. وعن ذلك يقول أحمد الملا، نائب الرئيس التنفيذي لشركة إنفينيتي باور: "يتولى القطاع الخاص تطوير وتمويل وبناء وتشغيل محطة الكهرباء، ويبيع إنتاجها بموجب ترتيبات تجارية طويلة الأجل، بدلا من أن تتولى الحكومة بناء المحطة بنفسها". وتتضمن هذه المهام الأربع الكثير من التفاصيل، التي تشمل استخراج تصاريح الأراضي، وإجراء دراسات الموارد والدراسات البيئية، وإبرام اتفاقية بيع الكهرباء، وتوفير التمويل والمعدات والمقاولين، والمشاركة المستمرة في إدارة المحطة طوال عمرها التشغيلي.
ولا يشترط أن يكون المطور والمالك والمنفذ هو نفس الجهة؛ إذ تمتلك المحطة شركة مخصصة للمشروع تتولى تدبير التمويل، في حين يشيدها مقاولون متخصصون، وتخضع العمليات لترتيبات منفصلة. وهذا هو المقصود بجوانب البناء والتملك والتشغيل في تغطيتنا لأي مشروعات مشابهة؛ إذ تحتفظ شركة المشروع بملكية الأصل وتديره وفقا للشروط المتفق عليها. وربما يتضمن النموذج أيضا نقل ملكية الأصل إلى الدولة بعد انتهاء مدة عقد بيع الكهرباء، لكن العقد وحده لا يستلزم بالضرورة نقل الملكية.
وليس من شروط نموذج المنتج المستقل للكهرباء أن تبني الشركة محطة الطاقة من الصفر؛ فقد طورت الدولة محطة رياح جبل الزيت تحت مظلة هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، وليس وفق ذلك النموذج. ومع ذلك عرضت شركة ألكازار إنرجي الاستحواذ على المحطة، في صفقة تدرس مؤسسة التمويل الدولية دعمها، لتطبق بذلك نموذج المنتج المستقل عبر شراء أصل حكومي قائم بالفعل.
الملكية المشتركة للكهرباء
غالبا ما تشترك عدة جهات في امتلاك هذه المحطات. وكل شريك من هؤلاء تكون لديه نقاط قوة مختلفة، كخبرات التطوير، والمعرفة بالسوق المحلية، ورأس المال، والتكنولوجيا، والتمويل. ويشير الملا إلى أن توزيع الحصص ينبني على طبيعة الشراكة، ولا يتبع فقط صيغة حسابية ثابتة. فعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بشركة مشروع محطة الطاقة الشمسية في غرب المنيا، التي تبلغ قدرتها 1 جيجاوات وتتضمن منظومة بطاريات بسعة 600 ميجاوات ساعة، تملك شركة إنفينيتي باور حصة تبلغ 51%، بينما تملك شركة حسن علام للمرافق الحصة المتبقية البالغة 49%، وتحدد اتفاقية المساهمين آلية اتخاذ القرارات بالمشروع.
لكن امتلاك حصة الأغلبية لا يعني الحرية المطلقة في التصرف بالمشروع، ويوضح الملا ذلك قائلا: "امتلاك حصة 51% لا يعني بالضرورة أن مساهما واحدا يمكنه ببساطة اتخاذ كل القرارات". ففي ظل ضخامة ديون مثل هذه المشروعات، عادة ما يتطلب تغيير خطة العمل أو إجراء تعديلات جوهرية على العقود تدابير تتعلق بالحوكمة، بل إن بعض المسائل تستوجب موافقة كلا الشريكين. ويلجأ بعض المطورين إلى بيع أجزاء من حصصهم في أصول تلك المشاريع لتدوير رأس المال في مشاريعهم القادمة، بينما يفضل آخرون الاحتفاظ بها لعقود.
الشمس وحدها لا تكفي
قبل كل ذلك هناك سؤال أساسي لابد من طرحه: هل يستحق المشروع عناء البناء؟ يقول الملا إنه "لا بد من هبوب الرياح أو سطوع الشمس، لكن ذلك ليس كافيا على الإطلاق". فالمطور بحاجة أيضا إلى الحصول على حقوق استخدام الأراضي، واستخراج تصاريح العمل، وإيجاد مشتر قادر على السداد، وإبرام عقود ذات بنود معقولة، ووضع خطة بناء قابلة للتنفيذ، وتدبير التمويل مع ضمان عائد مقبول يتناسب مع المخاطر المحتملة. لذا فإن "الجاذبية الاستراتيجية للمشروع لا تجعله بالضرورة مناسبا للاستثمار"، حسبما أوضح الملا. فلا ينبغي للمطورين إذن استثمار أموالهم دون ضمانات سداد كافية، أو حين لا تكون العوائد كافية لتعويض المخاطر، أو إذا حملتهم العقود مخاطر لا يمكنهم التحكم بها أو تسعيرها. وهناك شرط أساسي آخر يتمثل في توفر قدرات نقل الكهرباء؛ فمهما كانت جودة الموارد، تحتاج الكهرباء المولدة إلى مسار لنقلها (وهي مسألة سنتناولها في العدد القادم).
ماذا عن الشروط؟
يحتاج أي مطور يدرس إنشاء محطة إلى إجابة موثوقة عن ماهية الجهة التي ستشتري إنتاجها وطريقة السداد. وهنا يأتي دور اتفاقيات شراء الطاقة، تلك العقود التي تحول الأصل المقترح إلى عمل تجاري يدر إيرادات محددة. تحدد هذه الاتفاقية التزامات كلا الطرفين، وآلية الدفع، والمدة، وكيفية توزيع المخاطر، ما يتيح للمستثمرين والمقرضين تقييم قدرة المشروع على استرداد تكاليفه وسداد قروضه. ويوضح الملا أن مدة هذه العقود تتراوح غالبا بين 20 و25 عاما، نظرا إلى أن تلك المشاريع تتلقى معظم استثماراتها قبل بيع أي قدر من الكهرباء.
ورغم ذلك، يحمل العقد في طياته العديد من المخاطر؛ إذ يؤكد الملا أن "اتفاقية شراء الطاقة لا تضمن للمطور عوائده ببساطة بغض النظر عن الأداء". فمخاطر ضعف الرياح أو الإشعاعات الشمسية مقارنة بالتوقعات يتحملها المشروع بالأساس، شأنه في ذلك شأن الأعطال الفنية التي تقع ضمن مسؤولية الشركة المشغلة. وقد تتضمن الاتفاقيات أيضا بنودا تتعلق بالكهرباء المقدرة أو خفض الإنتاج، لتغطية الكهرباء التي كان بإمكان المحطة توليدها ولكن مُنعت من توريدها. وبموجب مبدأ الاستهلاك أو الدفع، يلتزم المشتري بدفع ثمن كمية متفق عليها حتى لو استهلك أقل منها، وفقا لشروط العقد، وهذا لا يعفي المنتج من التزاماته بالطبع. هكذا تصف شركة سكاتك اتفاقية مشروع دندرة المبرمة مع شركة مصر للألومنيوم، بينما تصف اتفاقية مشروع وادي الطاقة بأنها تقوم على مبدأ الدفع حسب الإنتاج، والذي يربط التعويض المالي بحجم التوليد الفعلي.
لماذا يعد هذا النموذج الجانب الأهم من التحول الجاري في قطاع الطاقة؟
تتضافر هنا ثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في حجم الاستثمارات التي تحتاج إليها مصر، والجدوى الاقتصادية لتوليد الطاقة المتجددة، وأمن الطاقة، بحسب الملا. فالمطورون من القطاع الخاص يوفرون رأس المال وقدرات التنفيذ لمشاريع لولاهم كانت ستتحمل الدولة عبء بنائها، كما زادت الجدوى التجارية لتلك المشاريع مع إمكانية التوسع في إنشاء محطات الطاقة الشمسية والرياح وأنظمة تخزين الطاقة بتكاليف أقل. وقد أوضحنا في العدد الأول من النشرة مغزى تلك الاستراتيجية؛ ففاتورة توليد الكهرباء في مصر تتزايد، ولذا ترتبط استثمارات الطاقة المتجددة ارتباطا وثيقا بخفض واردات الغاز الطبيعي المسال المكلفة، وتخفيف الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي.
إنتاج مستقل.. لكن بمشاركة الدولة
في هذا النموذج لا تنسحب الدولة من المشهد بالكامل، وإنما يتغير دورها. فيوضح الملا أن المطورين يتحملون مخاطر التطوير والبناء والتمويل والتكنولوجيا والأداء التشغيلي، ويتولون تدبير رأس المال وتعيين المقاولين، ويكونون مسؤولين عن تسليم المحطات. وفي المقابل، تسهم الجهات الحكومية بدور أساسي يتعلق بالتنظيم، وتخصيص الأراضي، واستخراج التصاريح، وتخطيط الشبكات، بالإضافة إلى دعم قدرة المشتري على السداد بموجب النموذج التقليدي لاتفاقيات شراء الطاقة المبرمة مع شركات المرافق. وعن هذا علق للنشرة محمود شطا، مدير تطوير الأعمال في شركة سكاتك، قائلا إنهم يتوقعون أن "تظل عقود الشراء الحكومية المدعومة بالالتزامات السيادية محركا رئيسيا للطلب". فتولي شركة المشروع لمهام جمع التمويلات وبناء المحطة يغير من المسؤوليات الأولية للدولة، لكنه لا يعفي الجهة الحكومية المشترية من التزامها بسداد قيمة الكهرباء على مدار مدة العقد.
وللمصانع كلمة في هذا الشأن
يتمثل التحول التالي في هوية المستهلك، ويشير شطا في هذا الصدد إلى الإطار التجريبي الذي طرحته الحكومة لنظام اتفاقيات القطاع الخاص. ويوضح الملا أنه بموجب هذا النموذج، يتعاقد منتج الطاقة المتجددة المؤهل مباشرة مع مستهلك من القطاع الصناعي، ويدفع رسوما لاستخدام شبكة النقل لتوريد الكهرباء. وسمح الإطار التجريبي الذي نشره جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك بتنفيذ 5 مشاريع بقدرة إجمالية تبلغ 500 ميغاوات، بحد أقصى 100 ميغاوات لكل مشروع، وقد تأهلت 4 مشاريع منها بالفعل، وفقا للملا. ويمثل هذا النهج انفتاحا محسوبا في القطاع يخضع لشروط للأهلية، وليس تحريرا لسوق الكهرباء يتيح لكل المستهلكين اختيار المورد الذي يريدون التعامل معه.
لكن لماذا قد تلجأ المصانع إلى هذا النهج؟ يحدد الملا 3 أولويات، تتمثل في الحصول على الكهرباء بأسعار تنافسية، وضمان استقرار الأسعار، وخفض الانبعاثات الكربونية. ويرى الملا أنه قد يكون هناك طلب قوي على الكهرباء بموجب هذا النموذج من قطاعات الألومنيوم والصلب والأسمنت ومراكز البيانات والصناعات التصديرية، خاصة مع تطبيق آلية تعديل حدود الكربون التي وضعها الاتحاد الأوروبي، والتي تمثل حافزا إضافيا للمصدرين لتقليل انبعاثاتهم. ويتوقع الملا نمو المبيعات المباشرة للقطاع الصناعي، مؤكدا في الوقت ذاته أن اتفاقيات شراء الطاقة من المرافق المدعومة من الحكومة ستظل بالغة الأهمية.
مشاريع حقيقية أم مجرد عناوين صحفية؟
يقول الملا إن "توقيع اتفاقية شراء الطاقة خطوة مهمة، لكنه لا يعني أن المشروع قيد الإنشاء". فهناك مهام متبقية تشمل استخراج التصاريح، والموافقات البيئية، وترتيبات الأراضي والربط بالشبكة، والأعمال الهندسية، وإبرام عقود المعدات والبناء، ثم بعد ذلك يخضع المشروع لفحوص من المقرضين، وتنطبق عليه الشروط اللازمة للحصول على التمويل. كما يعد استكمال الإغلاق المالي إنجازا مستقلا، لكن تتبعه لاحقا مراحل البناء والاختبار والتشغيل.
تذكر: قدرت خارطة الطريق الحكومية الصادرة في يوليو الماضي القدرة المركبة للطاقة المتجددة بنحو 9.5 جيجاوات، واستهدفت الوصول بها إلى نحو 11.2 جيجاوات بنهاية عام 2026، و16.8 جيجاوات بنهاية عام 2027، و27.7 جيجاوات بنهاية عام 2028، لتشكل مصادر الطاقة المتجددة بذلك 45% من إجمالي توليد الكهرباء. ويمثل هذا الرقم قفزة تقترب من ثلاثة أمثال القدرة المركبة المعلنة في يوليو خلال عامين تقريبا.
وعن الحصة التي يمكن لمنتجي الكهرباء المستقلين توفيرها من تلك القدرات، يرى الملا "أنهم قادرون على إنجاز معظمها، شريطة أن تتوفر البنية التحتية الداعمة وتتقدم المشاريع بالوتيرة ذاتها". ويضع الملا 5 مؤشرات لقياس التقدم، وهي حجم القدرات التي تستكمل مرحلة الإغلاق المالي، وتحديثات شبكة النقل التي تدخل الخدمة، وإبرام اتفاقيات شراء طاقة قابلة للتنفيذ، وتفعيل أنظمة التخزين وغيرها من حلول المرونة، وظهور سوق فعالة للمشاريع المنفذة بموجب نظام اتفاقيات القطاع الخاص.
ويرى الملا أن "التحدي الحالي يتمثل في تحويل حزمة ضخمة واستثنائية من المشاريع التطويرية إلى مشاريع جاذبة للتمويل من البنوك، ثم إلى كهرباء حقيقية بسرعة كافية تلبي طموحات عام 2030". فما وراء كل بيان صحفي عن مشروع مشابه، لا بد أن يوجد ممول، ومشتر للكهرباء، وموعد محدد لاسترداد التكاليف والبدء في تحقيق الإيرادات.
يعد تقييم الجدوى المالية لحلول الطاقة الشمسية خطوة حاسمة لأصحاب الأعمال في القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية والعقارية. فهذه الدراسات تحدد السعة المناسبة والعائد الاستثماري المستهدف بناء على نمط الاستهلاك، والمساحة المتاحة، والنموذج المالي للمشروع. وتقدم شركة طاقة بي في، ذراع الطاقة الشمسية التابعة لطاقة عربية نموذجا رائدا في تطبيق هذه الحلول، حيث نفذت مشروعات تتجاوز قدرتها الإجمالية 120 ميجاوات، إلى جانب مشروعات قيد التنفيذ بقدرة تفوق 200 ميجاوات، بما يسهم في خفض أكثر من 120 ألف طن من انبعاثات الكربون سنويا.
تختلف الحسابات من موقع لآخر؛ فــتتبنى الشركات نماذج متنوعة للطاقة المتجددة، مثل الاستهلاك الذاتي أو اتفاقيات شراء الطاقة، حسب طبيعة نشاطها التشغيلي، بينما يصمم حجم النظام وهيكل التمويل وفقا لكل مشروع، بما يحقق أقصى جدوى اقتصادية للعملاء.
محفظة مشروعات طاقة بي في خير دليل على هذا التنوع التشغيلي. نفذت الشركة محطة طاقة شمسية بقدرة 6 ميجاوات لمزارع دينا، ومشروعا بقدرة 7 ميجاوات لشركة أسكوم المتخصصة في إنتاج كربونات الكالسيوم، ومشروعا آخر بقدرة 13 ميجاوات لخدمة منطقة صناعية، إلى جانب مشروعات أخرى للطاقة المتجددة مصممة لتلبية الاحتياجات المتنوعة للعملاء. تختلف الأحمال، ومعها تختلف الجدوى المالية والتصاميم لكل مشروع.
لا يقل الشق المالي أهمية عن الألواح الشمسية. فمشروعات الطاقة المتجددة تتطلب استثمارات أولية يمكن تلبيتها عبر التمويل طويل الأجل، أو تنظيمها من خلال اتفاقيات شراء الطاقة. ورغم أن هذه التقنيات أصبحت مألوفة، إلا أن اختيار النموذج المالي الأنسب يتطلب دراسة مستقلة وخاصة بكل موقع.
تستخدم الطاقة الشمسية أحيانا في تشغيل مرافق أخرى. تقدم شركة طاقة للمياه خدماتها لأكثر من 170 ألف عميل في المواقع السكنية والسياحية والصناعية والزراعية، من بينها بالم هيلز في القاهرة الجديدة، وسوديك في الساحل الشمالي، وريكسوس شرم الشيخ، ومكادي هايتس، ولا فيستا، وغيرها. صممت الشركة أنظمة تحلية المياه لتقليل استهلاك الطاقة بنسبة 50%، وفي سوما باي، تشغل الشركة محطة التحلية بالكامل بالطاقة الشمسية، مما يبرهن على الكفاءة العالية للحلول المتجددة في تشغيل المشروعات كثيفة الاستهلاك للطاقة والفنادق والمنتجعات.
تتضمن محفظة الشركة أيضا مشروعات كبرى. ففي منطقة نبق بمدينة شرم الشيخ، تدير شركة طاقة عربية محطة للطاقة الشمسية بقدرة 20 ميجاوات، إلى جانب امتياز لتوزيع الكهرباء. وتنتج المحطة أكثر من 42 جيجاوات/ساعة من الكهرباء النظيفة سنويا، والتي تقوم شركة طاقة للكهرباء بتوزيعها للفنادق والمجمعات السكنية وغيرها من المنشآت في المنطقة.
إن التوسع في الاعتماد على الطاقة الشمسية — والمرافق التي تشغلها — يتطلب إجراء دراسة جدوى خاصة بكل مشروع وليس تكرار نموذج سابق. فقبل مرحلة البناء، يجب التأكد من توافق كافة العناصر، بدءا من الأحمال الكهربائية والموقع، وحتى التمويل والنموذج المالي. وهنا يأتي دور طاقة عربية في تقديم الحل المتكامل الذي يجمع بين كل هذه العناصر.
لمعرفة المزيد عن طاقة عربية، شريكك الموثوق في قطاع الطاقة والمرافق،اضغط هنا.
تحتاج مصر إلى اقتراض الأموال اللازمة لمضاعفة قدراتها من الطاقة المتجددة إلى أكثر من 3 أمثالها بحلول عام 2029، وطريقة هيكلة هذه التمويلات ستحدد في النهاية سعر استهلاك الكهرباء. وفي الوقت الحالي، يرى المطورون أن "مؤسسات تمويل التنمية توفر الجزء الأكبر من تمويلات الديون، أما شهية الإقراض التجاري فلم تواكب الوضع بعد"، حسبما قال محمود شطا، مدير تطوير الأعمال في شركة سكاتك.
تفسر طبيعة هذه الديون هذا العزوف؛ إذ أوضح لنا محمود مرسي، كبير المصرفيين في فريق البنية التحتية المستدامة لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بالبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، أن هذه المشاريع تعتمد على تمويلات طويلة الأجل، وقروض بالعملات الأجنبية، وتوفر الديون 70-80% من إجمالي تكاليفها، وتمتد فترات سدادها حتى 20 عاما. وأضاف أن "توفير هذا النوع من التمويلات طويلة الأجل بأسعار تنافسية ما زال يمثل تحديا للعديد من البنوك التجارية، لا سيما في الأسواق المحلية والإقليمية".
يمثل هذا الجانب الأول من الطفرة الحالية في نموذج منتجي الكهرباء المستقلين الذي تناولناه بالأعلى. لكن السؤال الأصعب يتعلق بصعوبة العثور على بنوك مستعدة لتمويل المشروعات التي يقترحها المطورون، وهي فجوة تسدها أطراف عدة، يتقاسم كل منها جزءا مختلفا من المخاطر، وتشمل جهات تمويل التنمية، والبنوك التجارية، ومقدمي الضمانات، والدولة.
مؤسسات تمويل التنمية تتحمل أولى المخاطر
تتمثل مهمة مؤسسات تمويل التنمية في تأمين المشروعات بما يكفي لجذب مقرضين آخرين. ففي مشروع محطة رياح شدوان التابع لشركة سكاتك، والذي تبلغ قدرته 900 ميجاوات، يدرس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تدبير ديون ممتازة تصل قيمتها إلى 192 مليون دولار، ويُتوقع أن تكون تلك الديون مصحوبة بضمانات لتحمل الخسائر الأولية ضمن برنامج هاي بار التابع للصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة بلس. كما تقترح مؤسسة التمويل الدولية تدبير ما يصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب إتاحة منتجات لإدارة المخاطر. ويشير مرسي إلى أن البنك الأوروبي مول 16 مشروعا من أصل 31 مشروعا استكملت مرحلة الإغلاق المالي بموجب برنامج تعريفة التغذية في مصر، ويواصل جهوده منذ ذلك الحين.
ويعتمد المطورون على مؤسسات تمويل التنمية نظرا إلى عجز السوق المحلية عن تلبية احتياجات هذه المشاريع. فيوضح شطا أنهم "يعتمدون عادة على تمويل مشاريع الطاقة المتجددة بقروض دون حق الرجوع. وبموجب هذا الهيكل التمويلي، تشكل الديون أغلبية مصادر التمويل، بينما تغطي تمويلات الأسهم الحصة المتبقية". كما كانت مؤسسات تمويل التنمية سباقة في تمويل التقنيات الأحدث، مثل أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات، والتي "ترسي سابقة في السوق تساعد في تطوير القطاع". ويقول مرسي إن "الداعمين غالبا ما ينظرون إلى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية كمقرض رئيسي، تسهم مشاركته في طمأنتهم بشأن هيكل المشروع، وتوزيع مخاطره، وجاذبيته عموما للحصول على التمويلات المصرفية".
وتكمن المهارة في ترتيب المقرضين حسب حجم المخاطر التي يمكن لكل منهم تحملها. فمثلا بالنسبة لمشروع سكاتك للطاقة الشمسية وتخزين الطاقة في الصعيد، والذي تتجاوز تكلفته 590 مليون دولار، استكمل المشروع مرحلة الإغلاق المالي بتمويل قدره 479.1 مليون دولار من مؤسسات تمويل التنمية، منها 184.1 مليون دولار من البنك الأفريقي للتنمية، وما يصل إلى 173.5 مليون دولار من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، إلى جانب تمويل من المؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي. وتعد هذه الشريحة الميسرة هي المغناطيس الذي يجذب أموال الكيانات الخاصة؛ إذ يوضح مرسي أنه "في كثير من الحالات، يمكن لمبلغ صغير نسبيا من الدعم الميسر أو تقاسم المخاطر أن يجذب قدرا أكبر بكثير من رأس المال الخاص". ويضيف أن هذه الهياكل التمويلية تطيل أيضا فترات السداد، وتغطي مخاطر محددة كان من شأنها أن تمنع المقرضين من المشاركة.
لكن كل هذا لا يلغي مخاطر المشروعات، بل يغير فقط الجهة التي تسعرها. فالضمانات وتسهيلات تقاسم المخاطر تنقل المخاطر المالية للمشروع أو جزءا منها إلى طرف آخر، وفقا لمؤسسة التمويل الدولية، ويؤكد البنك الدولي قدرة تلك الضمانات والتسهيلات على خفض تكاليف التمويل وتحسين الشروط. لكن تظل هناك أطراف تتحمل المخاطر، سواء المقرضين التجاريين أو المطورين أو مؤسسات التمويل التنموي أو الضامنين، كل حسب تكلفته ومدى استعداده. وإذا لم تنجح أي من هذه الهياكل في جعل المشروع جذابا للتمويلات المصرفية، فربما لا يتمكن من جمع التمويل اللازم.
البنوك التجارية تلحق بالركب تحت مظلة تمويلات التنمية
إليك مثال على كيفية اكتساب البنوك التجارية الثقة الكافية للمشاركة: في مشروع محطة رياح السويس بمصر البالغة قدرتها 1.1 جيجاوات، رتب البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية قرضا مشتركا بقيمة 275 مليون دولار، يتألف من شريحة من النوع "أ" بقيمة 200 مليون دولار وشريحة من النوع "ب" بقيمة 75 مليون دولار من البنك العربي وستاندرد تشارترد، إلى جانب تمويل مشترك من البنك الأفريقي للتنمية، والمؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي، والمؤسسة الألمانية للتمويل التنموي، وصندوق الأوبك، وأبيكورب. ويشارك البنكان التجاريان تحت مظلة البنك الأوروبي باعتباره المُقرض المسجل والدائن المفضل، وهو هيكل مصمم لجذب "تمويل تجاري ربما لم يكن ليتوفر في السوق لولا ذلك"، بحسب مرسي.
بهذا يمكن لمؤسسات تمويل التنمية أن تفتح باب الإقراض، لكنها لا تستطيع توفير جميع الديون التي تحتاجها مشروعات بهذا الحجم؛ لذا يتعين على البنوك التجارية أن تتقبل مستويات أقل من الدعم الميسر أو السيادي، وهو أمر يتوقف على حجم المخاطر المتبقية بعد شريحة التمويل التنموي، وما إذا كانت العوائد تغطيها.
ما الذي يحتاجه المقرضون قبل الموافقة؟
هل يكفي توقيع العقد وحده؟ يبحث المقرضون عن الثقة في الجدارة الائتمانية لمشتري الطاقة، واستقرار سعر التعرفة، والحماية من تقلبات العملة، والضمانات التعاقدية. كما يجب أن تكون الميزانية العمومية للداعمين بها تدفقات نقدية كافية لخدمة الديون وتحقيق العوائد. ويوضح مرسي أن هذه النقاط عادة ما تكون حجر العثرة في مرحلة الإغلاق المالي.
وتشمل الحماية من تقلبات العملة عدة أبعاد، إذ تنقسم مخاطر العملات الأجنبية إلى شقين: تكلفة الدولار، ومدى إمكانية توفيره عند حلول موعد السداد. فإذا كانت الإيرادات تتحقق بالجنيه المصري بينما تُسدد الديون بالدولار، فإن تراجع قيمة الجنيه يجعل السداد أكثر تكلفة، ما لم يوفر العقد حماية من تلك المخاطر، وهذا هو دور تقويم التعرفة بالدولار. لكن ما لا تضمنه هذه التعرفة هو توفر الدولارات وإمكانية تحويلها عند استحقاق المدفوعات. وعادة ما يقع هذا الخطر على عاتق المشتري، ومن خلفه الدولة، من خلال ترتيبات تحويل منفصلة عن اتفاقية شراء الطاقة نفسها.
وعادة ما يبدي المقرضون استعدادا للدفع مقابل المخاطر التي يألفونها؛ إذ يصف مرسي الإطار التنظيمي في مصر بأنه "مجرب ومختبر"، وأن المقرضين يعرفون هياكله وكيفية التخفيف من مخاطره. إذ تقوم معظم المشاريع على إبرام عقود الاستهلاك أو الدفع مع جهة حكومية، وهو ما يتيح للمشاريع بحسب شطا "تحقيق أفضل شروط التمويل، وبالتالي أفضل تعرفة للكهرباء للحكومة". لكن العملة شكلت التحدي الأكبر؛ إذ يقول شطا إن العملة الصعبة كانت "أكبر مصدر لعدم اليقين خلال السنوات الماضية بالنسبة للمطورين والمقرضين على حد السواء"، وأنهم يتعاملون مع مخاطرها من خلال أدوات هيكلية في اتفاقيات التمويل والمشاريع.
من ناحية أخرى، تدرس الدولة كيفية تقديم هذا الدعم. إذ تعمل الحكومة مع البنك الدولي على إعداد آلية لضمان تمويل البنية التحتية، تهدف إلى جذب رأس المال الخاص لمشاريع البنية التحتية طويلة الأجل مع تقليل الاعتماد على الضمانات السيادية. وسيدمج هذا التسهيل البالغة قيمته 520.38 مليون دولار نحو 150 مليون دولار من البنك الدولي مع 370 مليون دولار من التمويلات التجارية غير المضمونة، ليسمح للحكومة بتغطية مخاطر محددة في المشروعات، بينما يتحمل بقيتها المقرضون من القطاع الخاص. وتأتي مشاريع الطاقة المتجددة في مقدمة أهداف تلك الآلية. لكن تزداد حساباتها تعقيدا مع نمو حزمة المشاريع؛ فزيادة المشاريع تعني زيادة الضمانات القائمة، ومثل هذه التسهيلات توفر الدعم من خلال محفظة محددة من التمويلات المجمعة، بدلا من توفير ضمان جديد لكل مشروع.
وهنا تكمن أهمية تكاليف التمويل، والتي قد تختلف وإن تشابهت المشروعات في مواردها؛ إذ تحدد الموارد كالطاقة الشمسية والرياح حجم الكهرباء المولدة، بينما يحدد التمويل تكلفة هذه الكهرباء. ولأن مشاريع الطاقة المتجددة تتطلب تكاليف عالية في البداية وتحقق "إيرادات أقل نسبيا"، فإن خفض تكلفة التمويل ولو بقدر صغير "يمكن أن يكون له تأثير ملموس على جدوى المشروع والقدرة على تحمل تكاليفه"، وفقا لمرسي. فكل بند من المخاطر يتحمله طرف ما بتكلفة زهيدة يرفع أعباء عن سعر التعرفة النهائي.
النموذج أثبت نجاحه.. وحان وقت التوسع
رؤيتنا: أثبتت مصر قدرتها على استكمال الإغلاق المالي لمشاريع ضخمة للطاقة المتجددة، والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت تستطيع تكرار ذلك لتوليد القدرات التي تحتاجها. فنجاحها اعتمد حتى الآن على مصادر محدودة: ديون مؤسسات تمويل التنمية، والتمويلات الميسرة، والضمانات، والقروض التجارية التي تلحق بركبها، واتفاقيات شراء الطاقة المدعومة سياديا. لكن الظروف المحيطة تبدو غير مواتية؛ إذ يشير شطا إلى أن "الصراعات الإقليمية أثرت سلبا على مناخ الاستثمار في جميع أنحاء المنطقة، خاصة مع ارتفاع تكلفة الديون نتيجة صعود معدل التضخم العالمي"، بينما "تستمر المنافسة الشديدة في دفع أسعار الطاقة للانخفاض، ما يسفر عن مزيد من التحديات أمام المشروعات التجارية".
ولا يزال رأس المال المحلي هو الحلقة المفقودة. فيقول مرسي: "حجم الاستثمار المطلوب لا يمكن أن يعتمد فقط على تمويل بنوك التنمية متعددة الأطراف ومؤسسات تمويل التنمية، وإنما ستكون هناك حاجة إلى مشاركة أكبر من المؤسسات المالية المحلية وأسواق المال". وقد يساعد في ذلك وجود مشترين من القطاع الخاص يتمتعون بجدارة ائتمانية أقوى، إلى جانب توطين سلاسل التوريد، والذي سيقلل الاعتماد على المكونات المستوردة والحاجة إلى التمويلات بالعملة الأجنبية، ويفتح الباب أمام الإقراض بالعملة المحلية.
منذ آخر حوار لنا فينوفمبر 2025مع مراد أصلانوف(لينكد إن)، مدير شركة روساتوم في مصر، أحرزت محطة الضبعة تقدما ملحوظا نحو توليد أول إمداداتها من الكهرباء. وقد التقينا بأصلانوف مرة أخرى لمناقشة دور الطاقة النووية إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة، وما تجنيه الشركات المحلية من أعمال البناء.
إنتربرايز: ما الدور الذي ستلعبه محطة الضبعة إلى جانب الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات؟ وهل ستبرر الطاقة النووية تكلفتها المبدئية الباهظة وطول فترة البناء؟
مراد أصلانوف: الهدف هو إرساء منظومة متنوعة تؤدي فيها كل تقنية دورا مختلفا؛ فالطاقة النووية توفر كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية على مدار الساعة، وتحافظ على استقرار الشبكة. بينما توفر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كميات متزايدة من الطاقة النظيفة، وتضفي البطاريات عليها مرونة إضافية، وتربط الشبكات القوية كل هذه العناصر معا. ولا بد من تقييم تكلفة الطاقة النووية على مدار العمر الافتراضي للمحطة بالكامل، إذ صُممت محطة الضبعة للعمل لأكثر من 60 عاما. وخلال هذه الفترة، ستوفر المحطة كميات هائلة ومضمونة من الكهرباء، وتقلص آثار تقلبات أسعار الوقود، وتوفر الغاز لاستخدامه في الصناعة أو التصدير. كما أنها ستخلق طلبا طويل الأجل على مجالات الهندسة والتصنيع والتدريب، مما يسهم في بناء كوادر ماهرة والارتقاء بسلاسل التوريد المحلية. لذا، فإن الجدوى من الطاقة النووية تتجاوز مجرد توليد الكهرباء.
وتسير أعمال بناء محطة الضبعة وفقا للجدول الزمني المحدد، وتساهم بالفعل في دعم الاقتصاد خلال مرحلة الإنشاء. ويتمثل الإنجاز الرئيسي المرتقب في وصول أولى شحنات الوقود النووي وتحميلها، إذ يستعد الموقع لاستقبال الشحنة الأولى في مايو 2027. وبمجرد تشغيل المحطة بالكامل، من المتوقع أن تولد نحو 35 تيراوات ساعة سنويا، مما سيوفر نحو 7 مليارات متر مكعب من الغاز كل عام.
إنتربرايز: إلى أين وصلت المحادثات بشأن المفاعلين الإضافيين، وما الذي سيحسم قرار المضي قدما في تنفيذهما؟
أصلانوف: ما تأكد رسميا هو استمرار المناقشات بين مصر وروساتوم حول تطوير التقنيات النووية السلمية في المستقبل. وقد أبدى الجانب المصري اهتمامه بمتابعة التطورات المتعلقة بالوحدات النووية الإضافية وتقييم إمكانية تنفيذها مستقبلا. ومن الطبيعي أن يتولى الجانب المصري اتخاذ أي قرار بشأن إضافة القدرات النووية الجديدة، وهو ما سيتطلب تقييما شاملا. ومن وجهة نظر روساتوم، تكمن النقطة الأهم في وجود إطار للتعاون، واستعدادنا لمناقشة مختلف الحلول التكنولوجية متى قررت مصر حاجتها إلى قدرات نووية إضافية. وتبقى الأولوية اليوم للانتهاء من تنفيذ الوحدات الأربع في محطة الضبعة بنجاح وأمان وفقا للجدول الزمني المتفق عليه.
إنتربرايز: ما الدور الذي تلعبه الشركات والعمالة المصرية في محطة الضبعة، وما هي المهارات والقدرات التي ستكتسبها مصر وتستفيد منها بعد اكتمال البناء؟
أصلانوف: ترتفع نسبة المشاركة المصرية من نحو 20% في الوحدة الأولى لتصل إلى 35% في الوحدة الرابعة. ونهدف إلى مساعدة الشركات المحلية في التأهل لتلبية المعايير الفنية الصارمة لقطاع الطاقة النووية من حيث التقنيات والجودة والسلامة. واعتبارا من أغسطس الماضي، تجاوز عدد العاملين في الموقع 25 ألف شخص يوميا، يمثل المصريون أكثر من 70% منهم، وسيرتفع هذا العدد مع تسارع وتيرة البناء. وهناك نحو 220 شركة مقاولات محلية تعمل من الباطن لتنفيذ الأعمال المدنية والميكانيكية والكهربائية ومهام التوريدات وأعمال البنية التحتية الداعمة، في حين يكتسب المقاولون المحليون الكبار خبرة واسعة وفقا للمتطلبات والمعايير النووية. وسيتولى طاقم مصري تشغيل محطة الضبعة، على أن تقدم روساتوم الدعم في عمليات التشغيل والصيانة خلال السنوات العشر الأولى. وتتمثل النتيجة المرجوة على المدى الطويل في تأهيل الكوادر، وتمكين الشركات، وتوفير المعرفة اللازمة لقيادة الجيل القادم من مشاريع التكنولوجيا في مصر.
نظريا، قد تتطابق القدرة الاستيعابية لمحطتي محولات، غير أن أثرهما الاقتصادي يختلف باختلاف القطاع الذي تخدمانه. يتجلى ذلك بوضوح لدى شركة كهربا في مشروعي بلبيس وبرج العرب الجديدة. ففي بلبيس، حصلت الشركة على موافقة لتنفيذ مشروع يخدم محطة ضخ مياه تغذي المجتمعات الواقعة شرق القاهرة. أما في برج العرب الجديدة، فقد حظي مشروع آخر بالموافقة لخدمة المنطقة الصناعية الخامسة. ورغم أن المواصفات الفنية للمحطتين تبدو متطابقة، بسعة تعاقدية تبلغ 80 ميجافولت أمبير لكل منهما، قابلة للتوسع إلى 120 ميجافولت أمبير، إلا أن الاحتياجات التشغيلية ستكون مختلفة تماما.
بالنسبة للمستثمر الصناعي، يتوقف الأمر كله على توفر الكهرباء في موقع مشروعه. فرغم أن إجمالي الإنتاج القومي يعكس حجم الطاقة التي تستطيع المحطات توليدها، إلا أنه لا يضمن للمصنع توفر السعة الكهربائية التي يحتاجها على أرض الواقع؛ إذ العبرة دائما بقدرة الشبكة على إيصال هذه الطاقة إلى نقطة الاستهلاك.
وهنا يطرح السؤال نفسه: متى يبدأ الطلب. تختلف المصانع في مواعيد تشغيلها ونوعية معداتها ومعدلات نموها، وهو ما يجعل التخطيط بالنسبة لنا لا يقتصر على تلبية أحمال اليوم، بل يتجاوزه إلى الاستعداد المبكر لاحتياجات الغد.
نشهد بالفعل ارتفاع هذا الطلب عبر شبكاتنا. تخدم شركة كهربا، الذراع المتخصصة في توليد وتوزيع الطاقة التابعة لـڤالمور القابضة، أكثر من 1,500 عميل صناعي وزراعي وتجاري، وقد رفعت معدلات توزيع الكهرباء بنسبة سنوية تجاوزت 40% خلال النصف الأول من 2026، ليصل إجمالي طاقتها التشغيلية إلى نحو 710 ميجاوات. وأمام هذا النمو السريع، يتطلب التخطيط للمرحلة القادمة دراسة دقيقة لأماكن توفر القدرة الكهربائية، واحتياجات خطوط الربط الجديدة، إلى جانب تحديد أجزاء الشبكة التي تحتاج إلى تطوير.
لا يقتصر دورنا على بناء محطات المحولات. فبموجب إطار الشراكة المعتمد بين القطاعين العام والخاص، تحتفظ كهربا بحقوق تشغيل واستغلال محطات المحولات وخطوط الربط وشبكات التغذية. وهذا يضع على عاتقنا المسؤولية الكاملة لما بعد مرحلة البناء؛ بدءا من الحفاظ على أداء الأصول وحتى استيعاب الزيادة المتوقعة في الطلب مع توسع المناطق التي نخدمها.
دعم النمو الصناعي يتطلب التركيز على النطاق الجغرافي للشبكة بقدر الاهتمام بحجم الطاقة المنتجة؛ إذ قد تتزامن زيادة قدرات التوليد مع وجود نقاط اختناق محلية، وهو ما يتطلب معالجة هذه المعوقات في مواقع حدوثها. ولهذا السبب، نضع خططنا بناء على توقع أماكن الطلب المستقبلي، بدلا من الاعتماد على إجمالي قدرة التوليد القومية وحدها.
تعد مدينة العاشر من رمضان خير مثال على أهمية التخطيط المبكر قبل التوسع؛ حيث تدعم شركة كهربا أكثر من 900 مصنع هناك. ومع نمو هذه القاعدة الصناعية، يجب أن تكون الشبكة مجهزة مسبقا لمواكبة الزيادة في الطلب، بدلا من تطويرها كاستجابة لضغط الأحمال.
هذا هو التحدي الحقيقي في قطاع الطاقة: التنبؤ بمناطق نمو الطلب وضمان جاهزية البنية التحتية لتلبية الاحتياجات فور ظهورها.
لعملية التحول في قطاع الطاقة قائمة من المتطلبات. وقد استعرضنا سابقا من يتولى بناء المحطات ومن يوفر التمويل، وننتقل الآن للحديث عن المعدات، أي الألواح والتوربينات والبطاريات. تصنع مصر أو تُجمع بالفعل حصة جيدة منها، وتسعى الحكومة إلى أن تتكفل المصانع المحلية بتوفير احتياجات المشاريع الداخلية بل والتصدير إلى الخارج أيضا. لكن الجزء الأصعب يكمن في تصنيع المكونات الداخلية، مثل رقاقات الخلايا الشمسية، والجزء الداخلي من توربينات الرياح، وخلايا البطاريات.
وللتصنيع مستويات متعددة؛ ففي قطاعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات، تُعالج المواد الخام لتتحول إلى مدخلات خاصة، ثم تُصنع منها المكونات، لتُجمع لاحقا وتصبح معدات جاهزة للتشغيل. وعلقت لنشرتنا خبيرة الطاقة المتجددة يانا هيرشكو قائلة إن التجميع وحده يوفر فرص عمل وإيرادات ضريبية ويزيد من الأنشطة الصناعية، غير أن تقليص الاعتماد على الموردين الأجانب يتطلب تصنيع المكونات نفسها في مراحل مبكرة من سلسلة التوريد، وهو أمر أكثر صعوبة وتكلفة.
فروق دقيقة
تُصنع المكونات التي تحول ضوء الشمس إلى كهرباء هنا في مصر؛ إذ تُنتج الخلايا التي تولد الطاقة محليا، وكذلك الوحدات النهائية التي تجمعها معا، لكن الرقاقات وسبائك السيليكون التي تعتمد عليها معظمها يُصنع بالخارج. وقد أمكن تصنيع الخلايا على الأراضي المصرية بدلا من الاكتفاء بتجميع الخلايا المستوردة بفضل مجمع شركة إيليت سولار في العين السخنة، الذي تبلغ قدرته الإنتاجية 5 جيجاوات (2 جيجاوات للخلايا و3 جيجاوات للوحدات). وأوضح لنشرتنا محمد دياب، مدير تطوير الأسواق الدولية في شركة إيليت سولار، أن المكون المحلي في الوحدات تجاوز 65% في بعض المشاريع، لكن ما زالت هناك فجوات في المراحل الأولية من سلسلة التوريد، وفجوات أخرى تتعلق بالموردين المحليين والعمليات الهندسية.
وكلما تراجعنا أكثر في سلسلة التوريد تزيد الواردات. إذ تبدأ العمليات التقليدية لصناعة ألواح الطاقة الشمسية بالكوارتز، الذي يُعالج ليتحول إلى سيليكون، ثم يُشكل في صورة سبائك، وتُقطع تلك السبائك إلى رقاقات، لتُصنع منها الخلايا وتُجمع بعد ذلك في الوحدات التي نراها على الأسطح. وكلما كانت الخطوة أسبق تزداد صعوبتها وتتطلب رؤوس أموال أكبر، لكنها في الوقت ذاته تقلل من اعتماد الدولة على الخارج. لذا تطمح الحكومة إلى تصنيع تلك الرقاقات في المستقبل، وقد يتحقق ذلك قريبا من خلال المرحلة الثانية من مجمع شركة صن ريف سولار بالعين السخنة، والتي ستضيف عمليات صناعة الرقاقات وسبائك السيليكون.
ورغم أن امتلاك المواد الخام يمثل نقطة الانطلاق، فإن هناك قيود أخرى تظل قائمة. إذ تحتوي احتياطيات الرمال البيضاء في مصر على الكوارتز اللازم لإنتاج السيليكون، لكن كل خطوة بعد ذلك في سلسلة التوريد ترفع سقف المتطلبات الفنية. فتشير هيرشكو إلى أن تشكيل السبائك أصعب من تقطيعها، كما أن تكنولوجيا الخلايا تشهد تطورا مستمرا وقد تصاحبها قيود متعلقة ببراءات الاختراع. وبالتالي فالمخاطرة هنا تكمن في بناء قدرات الإنتاج لتجد البلد نفسها تخوض منافسة مع تقنيات أحدث.
ولن ينجح هذا التركيز على المراحل الأولية في سلسلة التوريد إلا بتوفر الطلب على كل مرحلة. فتوضح هيرشكو أن "تصنيع الرقاقات أو الخلايا في مصر سيكون أكثر تكلفة من الصين"، ذلك أن منتجي الرقاقات يحتاجون إلى وجود طلب من مصنعي الخلايا، الذين يعتمدون بدورهم على الطلب من مصنعي الألواح، وهؤلاء يحتاجون إلى وجود طلب من المطورين. وإذا كان باستطاعة المطورين استيراد الألواح الجاهزة بتكلفة أقل، فستواجه المصانع في المراحل الأولية من سلسلة التوريد صعوبة في بيع إنتاجها. لذا يؤكد دياب أن المصنعين بحاجة إلى اليقين قبل التوسع، ويشمل ذلك توقعات المبيعات، وحزم المشاريع، والتمويلات، واللوائح الجمركية، والقواعد الخاصة بالمكون المحلي. وتستورد مصر حاليا ألواحا شمسية بنحو 150 مليون دولار سنويا، حسبما صرح لنا سابقا حاتم توفيق، العضو المنتدب لشركة كايرو سولار، هذا بينما تستهدف الحكومة رفع نسبة المكون المحلي في تصنيع الألواح الشمسية من نحو 60% حاليا إلى 80% بحلول عام 2030.
تحديات ثقيلة
يحظى قطاع طاقة الرياح بميزة مبدئية تشجع جهود التوطين، تتمثل في التكلفة العالية لشحن المعدات الضخمة. وتمر مساعي توطين الصناعة في هذا القطاع بعدة مراحل: تبدأ بالأبراج، تليها الشفرات، ثم تجميع هيكل المحرك. ولن تصبح عملية تصنيع المولدات وصناديق التروس بالكامل مجدية إلا عندما تبرر أحجام الإنتاج وأسعار التعرفة حجم الاستثمارات المطلوبة. وحسبما صرح لنا سابقا هانس بروينز، الرئيس التنفيذي لشركتي رأس غارب لطاقة الرياح والبحر الأحمر لطاقة الرياح، فعند نقل الأبراج، "ما تنقله فعليا هو كمية كبيرة من الهواء، لأنها مجرد أبراج فولاذية مجوفة". وقد وفر موردون مصريون الأبراج لمشروعه بالفعل، مما وفر تكلفة نقل تلك الهياكل الضخمة عبر المحيطات.
وتزداد التعقيدات الهندسية كلما عدنا إلى الوراء في سلسلة تصنيع التوربينات. فيشير بروينز إلى أنه "من منظور المناولة، تعد الشفرات المكون الأكثر حساسية نظرا إلى سهولة تعرضها للتلف خلال النقل". لكن الخطوة الأصعب تكمن في تصنيع قلب التوربين، والمتمثل في المولد وصندوق التروس وأنظمة التحكم، فهي المكونات الأكثر تعقيدا وتطلبا لرأس المال. ويمكن للتوربينات الحديثة التي تبلغ قدرتها 10 ميجاوات أن تضيء قرية بأكملها، وهي "قلب محطات طاقة الرياح" كما يصفها بروينز. لكنه في الوقت الحالي يرجح البدء بالتجميع المحلي، مشبها الأمر بصناعة السيارات: "تبدأ أولا بتجميع المكونات، وبمجرد أن تتقن ذلك، يمكنك البدء في تصنيعها محليا". وقد استغرق بناء صناعات قطاع الرياح في الصين من 5 إلى 10 سنوات.
ولم يعلن سوى عدد قليل من المصنعين حتى الآن مشروعات في هذا الصدد، إذ اقترحت شركة ساني الصينية إنشاء مصنع مقترن بمحطة لطاقة الرياح بقدرة 2 جيجاوات، كما ناقشت شركة سكاتك أيضا التوسع في مجال تصنيع معدات طاقة الرياح في وقت سابق من العام الجاري. لكن كما يشير دياب وبروينز، فإن النقطة الأهم هي احتياج المصانع إلى حزم مشاريع موثوقة ونماذج اقتصادية قوية للمشروعات تصمد أمام التحديات.
الكيمياء قد تلعب دورا
يمكن لمصانع البطاريات أن تنتج العديد من الأشياء؛ إذ تبدأ سلسلة إنتاج بطاريات أيونات الليثيوم باستخراج المواد وتكريرها، ثم إنتاج المكونات الكيميائية المستخدمة داخل الخلايا. بعدها تُصنع هذه الخلايا وتُجمع في حزم أو أنظمة تخزين أكبر. ويمكن لتجميع هذه الأنظمة محليا أن يضيف قيمة اقتصادية مع الاستمرار في استيراد الخلايا نفسها التي تخزن الطاقة. يتجلى هذا النموذج في مصنع "بي إم إي" المدعوم من شركة "سي إيه تي إل"، والذي يستهدف الوصول بنسبة المكون المحلي إلى 40% من خلال تجميع الحزم، ودمج أنظمة إدارة البطاريات، والإدارة الحرارية، وتنفيذ عمليات تكامل الأنظمة، مع استيراد الخلايا من شركة "سي إيه تي إل" الصينية. كما تستهدف شركتا كيميت وكورنيكس إنتاج خلايا بقدرة 5 جيجاوات ساعة عبر مشروعها المشترك البالغة قيمته 200 مليون دولار، وهو ما قد يقفز بمصر عدة خطوات في سلسلة التوريد، وسيتطلب خبرات تتجاوز تلك المطلوبة لخطوط التجميع.
كما أن هناك مسارا آخر يتعلق ببطاريات أيونات الصوديوم، التي يعتزم مشروع شركة دراسكيم في الإسكندرية إنتاج مكوناتها في مرحلة لاحقة. قد يُغني الصوديوم بذلك عن الحاجة إلى الليثيوم، مما يزيد من خيارات المواد الخام، لكن بطاريات أيونات الصوديوم تحتاج كذلك إلى مواد متخصصة ومصانع للخلايا وتقنيات متطورة. كما أن تكلفتها ما زالت أكبر عموما من بطاريات أيونات الليثيوم، وتصنيعها ما زال متركزا في الصين، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.
صُنع في مصر.. لكن كيف؟
توجد شركات تصنيع صينية حاليا في كل قطاع تقريبا تحاول مصر توطين عملياته، وتتركز منشآت تلك الشركات في منطقة تيدا بالعين السخنة، حيث تعمل نحو 200 شركة على مساحة تزيد عن 10 كيلومترات مربعة. وتشير هيرشكو إلى أن ميناء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وشبكات الطرق وقدرات الربط بالشبكة القومية توفر لتلك الشركات قاعدة جاهزة للعمل.
لكن قدوم المصنع إلى مصر لا يعني بالضرورة نقل التكنولوجيا. ويوضح دياب أن "النقل الفعلي للتقنيات لا يحدث تلقائيا بمجرد إنشاء الشركات الأجنبية لمصانعها"، بل يتطلب الأمر تدريب المهندسين، والارتقاء بشبكة الموردين المحليين، والاستثمار في البحث والتطوير. كما أن المصنعين المصريين ينافسون مباشرة المنتجين الصينيين، الذين يستمدون تفوقهم من الأتمتة والتجمعات الصناعية المتكاملة وليس العمالة الرخيصة. أضف إلى هذا أن تلك المصانع أحيانا لا تستمر للأبد؛ فالمنتجون الصينيون يبنونها بسرعة، ويمكنهم أيضا تفكيكها ونقل المعدات حين تتغير الحوافز، وهو نموذج تسميه هيرشكو "مصانع الليجو".
نظرة أوسع: هذا التحول له فاتورة استيراد خاصة به، وبالتالي فإن مصر لن تتوقف فيه عن الاعتماد على الواردات تماما. وفي أوقات النزاعات، قد تؤدي زيادة تكاليف الشحن والتأمين إلى ارتفاع أسعار المعدات المستوردة، مما يزيد التكلفة المبدئية لتقليل الاعتماد على الوقود. وصحيح أن هذا يجعل التصنيع المحلي جزءا لا يتجزأ من معادلة أمن الطاقة، إلا أنه لا يعني بالضرورة تصنيع كل المكونات محليا، بل يعني تحديد القدرات التي قد يكون من المجدي بناؤها في الداخل، شريطة أن يكتسب الموردون والمهندسون المحليون المهارات اللازمة. والثمرة المرجوة من هذا التوجه هي بناء قطاعات تمتلك سيطرة أكبر على إمداداتها من الطاقة.
لم تعد الألواح الشمسية مجرد وسيلة لخفض فاتورة الكهرباء في ظل الاضطرابات الإقليمية الراهنة، بل أصبحت خيارا استراتيجيا لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، الذي تخضع أسعاره ومسارات إمداداته لسيطرة أطراف خارجية. دفعت هذه الصدمة الحكومات في أوروبا وأسيا إلى تسريع خطط الطاقة المتجددة، بينما اتجهت الشركات لاستغلال أسطح مبانيها. أما في منطقة الخليج، فتسهم الطاقة المتجددة في تلبية الطلب المحلي، مما يتيح توفير الوقود لأغراض التصدير.
وبالنسبة لمصر التي تعتمد بكثافة على الغاز، يجعل هذا من التحول في قطاع الطاقة قرارا تجاريا بحتا، يتعلق بحجم الكهرباء التي يمكن لأى منا تحمُّل تكلفة إنتاجها. وقد تناول عددنا الأول من تلك السلسلة المحاولات الحثيثة لتأمين إمدادات الوقود، وهذا التوجه يمثل حلا آخر للمشكلة ذاتها، يقوم على خفض استهلاكه. فعندما تولد الأعمال كهرباءها بنفسها، فإنها تخفف الضغط عن الشبكة التي تعاني بالفعل من نقص الغاز. وفي هذا الصدد قال حاتم توفيق، العضو المنتدب لشركة كايرو سولار، وعضو مجلس إدارة جمعية تنمية الطاقة المستدامة (سيدا)، إن الطلب على محطات الطاقة الشمسية المركبة فوق أسطح المباني ارتفع في كافة القطاعات التي تتعامل معها الشركة.
على الجانب الآخر، يزداد تعقيد هذا التوجه في المشروعات الكبرى؛ إذ يقول أحمد الملا، نائب الرئيس التنفيذي لشركة إنفينيتي باور: "نحن لا نرتب المشروعات وفقا للأحداث الجيوسياسية". وأوضح أن المتغير الحقيقي المرتبط بحركة السوق هو التكلفة، إذ تُطور المشروعات الضخمة "في ظل ظروف متغيرة بالسوق، بما في ذلك تقلبات أسعار المعدات، وتكاليف التمويل، وأسعار الصرف".
اللجوء إلى الأسطح
تتصدر المصانع التي لا تتوقف عن العمل قائمة المهتمين بهذه الحلول؛ فمصانع الأسمنت والحديد والسيراميك التي تعمل على مدار الساعة لديها طلب مستمر خلال ساعات النهار يمكنه استيعاب الطاقة الشمسية المولدة. وأضاف توفيق أن هناك إقبالا أيضا من المصانع الأخرى والمنازل والمزارع التي تسعى للتخلي عن المولدات العاملة بالديزل. وفي هذا الإطار، فإن مشروع كرم القابضة الذي تنفذه لصالح مصنعين في منطقة أبو زنيمة الصناعية، والذي يتضمن إنشاء شبكة مصغرة ومستقلة لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية بتكلفة تتراوح بين 8.5 و10 ملايين دولار، قد يسهم في توفير 30% من التكاليف مقارنة بالديزل، وذلك نتيجة توفير الوقود.
لكن، تصطدم الرغبة في اللجوء إلى هذه الحلول بارتفاع التكاليف الأولية؛ إذ ارتفعت تكلفة تركيب الميجاوات الواحدة من حوالي 14.5 مليون جنيه إلى 20 مليون جنيه، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار والتصعيد الإقليمي، اللذين رفعا تكاليف استيراد الألواح والمعدات. وأسفر ذلك عن إطالة فترات استرداد التكلفة وتباطؤ الطلب من القطاع الصناعي جزئيا، وفق ما صرح به لنا مصدر من شركة للطاقة المتجددة في وقت سابق.
كما يعني توليد الكهرباء ذاتيا اتخاذ قرار بشأن كيفية التعامل مع الفائض في غير أوقات الحاجة؛ إذ تستمر ألواح المصنع في الإنتاج خلال العطلات الأسبوعية والرسمية وفترات التشغيل ذات الاستهلاك المنخفض. ويسمح نظام المقاصة باحتساب الكهرباء المضافة للشبكة كرصيد مجاني يُخصم من مشتريات الكهرباء المستقبلية، مما يحسن الجدوى الاقتصادية للعملاء الذين لا يتطابق استهلاكهم دائما مع حجم الإنتاج. وكان أيمن هيبة، رئيس جمعية تنمية الطاقة المستدامة، قد صرح لنشرة إنتربرايز في وقت سابق بأن غياب هذه الترتيبات قد يهدر ما بين 30% و50% من إنتاج المحطات، مما يطيل فترة استرداد التكلفة من 5 سنوات إلى أكثر من 10 سنوات. أما البطاريات فتظل خيارا صعب التسويق حاليا؛ إذ تستغرق نحو عقد من الزمان لاسترداد تكلفة تركيبها على أسطح المصانع، و"لا أحد يُقدم على تركيبها" ما لم تفرض الدولة ذلك، وفقا لتوفيق.
💡 لا تضمن الألواح الشمسية بمفردها استمرار التشغيل أثناء انقطاع التيار الكهربائي؛ إذ تنقطع إمدادات الطاقة القادمة من الألواح الشمسية التقليدية المربوطة بالشبكة تلقائيا عند انقطاع الكهرباء. ويتطلب تأمين إمدادات الطاقة للشركات نظاما مصمما خصيصا للعمل بشكل مستقل عن الشبكة، ومزودا بأجهزة تحكم مناسبة وقدرات كافية للتوليد أو التخزين أو موارد احتياطية. وبالتالي، فإن استغلال فائض الإنتاج لخفض مشتريات الكهرباء من الشبكة يتطلب استثمارات مختلفة تماما عن تلك المطلوبة لتأمين إمدادات الطاقة.
ما المطلوب لحسم قرار المترددين؟
بالنسبة للقطاع الصناعي، ينبغي أن تتحول السياسات إلى عروض عملية قابلة للتنفيذ؛ إذ تهدف مبادرة شمس الصناعة التي تنتظر موافقة مجلس الوزراء حاليا إلى وضع ألواح شمسية على أسطح نحو 7 آلاف مصنع، في حين تجري إعادة هيكلة مبادرة التمويل الميسر المخصصة للصناعة، والتي يبلغ معدل فائدتها 15%، وترغب وزارة الكهرباء في قصرها على المصانع التي تستهلك كامل الطاقة التي تنتجها، وفقا لمصدر بالقطاع.
ولا تزال الخطط التي تستهدف حصول المصانع على 15-25% من احتياجاتها الكهربائية من المصادر المتجددة بحاجة إلى هيكل تنفيذي واضح. وتحتاج المصانع التي تتخذ قرار الاستثمار إلى معرفة معايير احتساب هذه النسبة، والمشروعات المؤهلة للحصول على الدعم، وكيفية التعامل مع فائض الإنتاج.
كما تواجه المنازل العقبة ذاتها المتمثلة في التكلفة المبدئية؛ فرغم أن زيادة أسعار شرائح استهلاك الكهرباء تعني أن الطاقة الشمسية ستوفر تكلفة أكبر، يتعين على العملاء تمويل تكاليف التركيب أولا. وتقدم مبادرة شمس مصر المقترحة من جمعية تنمية الطاقة المستدامة تمويلا دون فائدة وإعفاءات ضريبية على ما يصل إلى 5 غيغاوات من قدرات الطاقة المتجددة، بينما صُممت مبادرة شمس الصناعة لتشمل المباني السكنية أيضا. لكن دفع المستهلكين إلى السعي لخفض فاتورة الكهرباء أسهل بكثير من تمكينهم من تمويل المعدات التي قد تحقق هذا الخفض.
رأينا: يمكن للحرب أن تدفع الشركات لطلب عروض أسعار لأنظمة الطاقة الشمسية كإجراء لتعزيز المرونة، لكنها لا تستطيع بمفردها زيادة الجدوى الاقتصادية لتلك الأنظمة. ويعتمد تحويل هذا الاهتمام إلى خطوات فعلية على توفير التمويل الميسر، ووضع لوائح عملية للتعامل مع الكهرباء الفائضة، وزيادة الوفورات لتبرر التكلفة المبدئية. والمؤشر الذي سيكشف مدى استدامة هذا التحول هو استمرار الطلب من العملاء حتى عندما تتراجع أسعار الوقود.