لم تعد إدارة الثروات حكرا على الأثرياء. فمع تراجع العوائق أمام الاستثمار بفضل المنصات الرقمية، تستعد بلتون القابضة لإطلاق تطبيق لإدارة الثروات سيطلب من المستخدمين الإجابة على استبيانات تفصيلية حول مدى تقبلهم للمخاطر، وأهدافهم الاستثمارية، واحتياجاتهم من السيولة، قبل مساعدتهم على بناء محفظة استثمارية مناسبة.
ويأتي إطلاق التطبيق في وقت بات فيه عدد أكبر من الأفراد قادرا على الوصول إلى المنتجات الاستثمارية والخدمات الاستشارية، ما يحول التركيز من اختيار المنتجات الاستثمارية الفردية إلى بناء محافظ استثمارية مصممة لتناسب المراحل المختلفة من الحياة. تحدثت إنتربرايز مع الرئيس التنفيذي للأسواق المحلية والإقليمية في بلتون، خليل البواب، عن كيفية تطور الاستراتيجيات الاستثمارية من سنوات بناء الثروة وحتى التقاعد، والأخطاء الأكثر شيوعا التي يرتكبها المستثمرون، ولماذا لا يزال المتقاعدون بحاجة إلى الاحتفاظ بجزء من أموالهم في الأصول القادرة على تحقيق النمو.
إدارة الثروات للجميع
يجب أن يتطور توزيع الأصول مع التقدم في العمر: بالنسبة للمستثمرين في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، يفضل البواب توزيعا يركز على النمو، مع استثمار نحو 60% في أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة عبر صندوق يتتبع مؤشر EGX70، و40% في صناديق أسهم مُدارة بشكل نشط. أما بالنسبة للمستثمرين في الأربعينيات والخمسينيات، فيفضل تخصيص نحو 30% لأسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة، و40% لأسهم أقل تقلبا، و30% لأدوات الدخل الثابت. ويقول: "كلما تقدم العمر، انخفضت نسبة الاستثمار في الأسهم وارتفعت نسبة الاستثمار في أدوات الدخل الثابت".
وتتجه صناعة إدارة الثروات بشكل متزايد نحو المستثمرين الأفراد بدلا من التركيز حصريا على العملاء الأثرياء: ويقول البواب: "تاريخيا، كانت الخدمات الاستشارية مخصصة لأصحاب الثروات الكبيرة والثروات الضخمة للغاية. هدفنا هو إتاحة الاستشارات الاستثمارية للجميع".
والفرصة تنمو بوتيرة سريعة: فبحسب البواب، تجاوز عدد المستثمرين الجدد الذين دخلوا أسواق المال 300 ألف مستثمر خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، فيما نمت صناعة صناديق الاستثمار من 156 مليار جنيه بنهاية 2024 إلى نحو 411 مليار جنيه بحلول الربع الأول من 2026. كما ساهمت إجراءات فتح الحسابات رقميا، ورخص التكنولوجيا المالية، والبنية التحتية للمدفوعات الفورية في خفض عوائق الدخول بشكل كبير وجعل الاستثمار أكثر سهولة.
ويأتي تطبيق إدارة الثروات الجديد من بلتون ضمن هذا التحول: إذ سيطلب من المستخدمين الإجابة على أسئلة تتعلق بمدى تقبلهم للمخاطر وأهدافهم الاستثمارية واحتياجاتهم من السيولة، قبل مساعدتهم في تحديد الهيكل الاستثماري المناسب لهم. كما سيتمكن المستخدمون من الاطلاع على تقييمات محافظهم الاستثمارية والحصول على تقارير مخصصة.
وبات اتخاذ قرار الاستثمار اليوم لا يتطلب أكثر من ضغطة زر واحدة، بحسب البواب: ومع تزايد سهولة الوصول إلى الاستثمار، يتحول التركيز من شراء المنتجات الاستثمارية الفردية إلى بناء محافظ استثمارية تتطور مع المستثمرين عبر مراحل حياتهم المختلفة.
التقاعد يغير الهدف
يتغير الدور الذي تؤديه المحفظة الاستثمارية عند التقاعد: فبينما يركز المستثمرون الأصغر سنا على بناء الثروة، يحتاج المتقاعدون إلى الدخل والحفاظ على رأس المال والسيولة والحماية من التضخم. ومع ارتفاع متوسط العمر المتوقع وطول فترات التقاعد، قد يقضي المستثمرون عقودا خارج سوق العمل. ويقول البواب: "لا أنصح بوضع 100% من الأموال في أدوات الدخل الثابت لأن ذلك لا يوفر حماية كافية من التضخم ".
ويشير البواب إلى أن احتياجات المستثمر في سن 55 تختلف عن احتياجاته في سن 60 أو 65: فالأشخاص الذين يقتربون من التقاعد يمكنهم عادة الاحتفاظ بنسبة أكبر من الأصول الموجهة للنمو، بينما يميل المتقاعدون إلى إعطاء الأولوية للدخل والحفاظ على رأس المال. وبموجب الزيادة التدريجية لسن التقاعد في مصر، سيرتفع سن التقاعد تدريجيا من 61 عاما لمن ولدوا في 1971 إلى 65 عاما لمن ولدوا في 1975 وما بعدها.
ويعتمد الإطار الاستثماري الذي يفضله البواب على الجمع بين توليد الدخل والحماية من التضخم: فبالنسبة للأشخاص الذين يقتربون من التقاعد، يقترح تخصيص نحو 70% لأدوات الدخل الثابت، و10-15% لأصول التحوط من التضخم مثل الذهب، و10-20% للاستثمارات الموجهة للنمو. وبعد التقاعد، يفضل رفع نسبة أدوات الدخل الثابت إلى نحو 80-85% مع الإبقاء على قدر محدود من الاستثمار في الأسهم الأقل تقلبا.
وليست جميع أدوات التحوط من التضخم متشابهة في طبيعتها: ويقول البواب: "الذهب والفضة استثماران متوسطا إلى طويل الأجل... لكنهما لا يدران دخلا ". ولذلك يحتاج المتقاعدون إلى التعرض لأصول تولد دخلا، مثل أدوات الدخل الثابت والأسهم التي توزع أرباحا نقدية.
لماذا لا يزال النمو مهما؟
الانتقال إلى التقاعد لا يعني التخلي بالكامل عن الأصول الموجهة للنمو: فبحسب البواب، حققت أذون الخزانة عائدا بلغ نحو 270% خلال العقد الماضي، مقارنة بنحو 1100% لمؤشر EGX100، وحوالي 2000% للذهب. ورغم أن الأداء السابق لا يضمن النتائج المستقبلية، فإن هذه الأرقام توضح لماذا لا يزال المتقاعدون بحاجة إلى الاحتفاظ بجزء من أموالهم في أصول قادرة على التفوق على التضخم.
ولا يوجد منتج استثماري واحد يناسب الجميع أو يحقق جميع الأهداف، بحسب البواب: ويقول: "لا يوجد منتج واحد يناسب الجميع. ولا يوجد منتج واحد يلبي جميع احتياجاتك ". فكثير من المستثمرين يسعون إلى تحقيق أهداف متعددة في الوقت نفسه. ويضيف: "قد تكون تدخر لشراء هاتف محمول وفي الوقت نفسه لديك خطة استثمارية للتقاعد ". ولهذا السبب يزداد التركيز في إدارة الثروات على توزيع الأصول بدلا من اختيار المنتجات الاستثمارية.
الأخطاء الأكثر شيوعا
يعد تركيز نسبة كبيرة من الثروة في أصل واحد من أكثر الأخطاء شيوعا التي يرتكبها المتقاعدون: ويقول البواب: "أكبر خطأ هو وضع كل الأموال في أصل واحد غير سائل، مثل العقارات ".
ورغم أن العقارات أثبتت على مدى سنوات قدرتها على حماية الثروة من التضخم، فإنها تبقى أصولا غير سائلة: ويقول البواب: "العقارات أثبتت عبر السنوات أنها وسيلة جيدة للحماية من التضخم، لكنها في نهاية المطاف غير سائلة ". ويحتاج المتقاعدون الذين قد يواجهون نفقات صحية أو مصروفات غير متوقعة إلى السيولة إلى جانب الحماية من التضخم.
وعلى الجانب الآخر، فإن الاحتفاظ بكميات كبيرة من النقد يخلق مشكلة معاكسة: إذ يؤدي التضخم تدريجيا إلى تآكل القوة الشرائية للأموال غير المستثمرة. ويقول البواب: "السيولة لها ثمن ". ويضيف: "يجب التنويع في كل مرحلة عمرية. هذه قاعدة أساسية تصلح لكل الأوقات ولكل الأعمار ".
استثمر أولا ثم أنفق لاحقا
"نصيحتي الأولى هي أن تبدأ الإنفاق بعد الادخار والاستثمار. استثمر أولا وادخر أولا ثم أنفق"، حسبما يقول البواب، مضيفا أن "معظم الناس يرتكبون خطأ الادخار واستثمار ما يتبقى من دخلهم فقط ". ويرى البواب أن بناء الثروة رحلة طويلة. ومن الأفضل أن تكون هذه الرحلة "مخططة ومستهدفة منذ سن مبكرة جدا ".
وقد يكون أثر البدء المبكر كبيرا للغاية: فبحسب البواب، فإن شخصا استثمر ألف جنيه شهريا على مدار السنوات الخمس عشرة الماضية كان سيضخ نحو 180 ألف جنيه إجمالا. وكان هذا المبلغ سيرتفع إلى نحو 635 ألف جنيه في أذون الخزانة، و780 ألف جنيه في مؤشر EGX30، و1.46 مليون جنيه في مؤشر EGX100، ونحو 2.12 مليون جنيه في الذهب المحلي.
وتبرز هذه الأرقام قيمة الوقت في عملية الاستثمار: وكما يقول البواب: "كل واحد منا ينتمي إلى فئة عمرية مختلفة، وله أهداف استثمارية مختلفة، واحتياجات مختلفة، ومستوى مختلف من تقبل المخاطر، واحتياجات مختلفة من السيولة ". والهدف ليس تعظيم العوائد بأي ثمن، بل بناء محافظ استثمارية تعكس الظروف والاحتياجات الفردية لكل مستثمر.