💸 شهدت خدمات الاشتراكات المدفوعة في مصر طفرة ملحوظة خلال السنوات القليلة الماضية، فانتشرت كالنار في الهشيم خدمات مثل أمازون برايم وطلبات برو وأوبر وان، والتي تقدم مزايا كثيرة من التوصيل المجاني أو الاسترداد النقدي (الكاش باك) أو الخصومات الهائلة، ما يجعلها بلا شك صفقات مغرية. لكن يبقى السؤال: إن لم تكن أنت من يدفع الثمن الحقيقي والكامل لهذه الخدمات، فمن يدفعه إذن؟ وكيف تستفيد الشركات المقدمة لهذه الخدمات حقا؟
المنطق وراء الخصومات
مش ببلاش: في اقتصاد المنصات، المنتج المجاني لا يعني خصما حقيقيا، بل يأتي كنتيجة لإعادة توزيع للتكلفة، فنماذج الاشتراكات المدفوعة عادة لا تعني براحة المستهلك بقدر ما تتعلق بإعادة هيكلة اقتصاديات الوحدة وتقييم الشركات. الدافع الرئيسي هنا ليس تحصيل رسوم الاشتراك الشهري البالغة 100 جنيه مثلا، بل كيفية تقييم أسواق المال للشركة، إذ "تزيد الإيرادات المتكررة من قيمة الشركة، وذلك عبر مضاعفات التقييم والحد من تقلبات الأرباح"، حسبما قال وائل عبد الله، عضو مجلس الإدارة ورئيس لجنة الحوكمة والمراجعة في شركة بلتون المالية (لينكد إن)، لإنتربرايز.
بالأرقام: عادة ما تمنح الأسواق العامة علاوة تقييم تبلغ نحو 30-50% للتدفقات النقدية المتوقعة من الاشتراكات مقارنة بنماذج الأعمال القائمة على المعاملات الفردية، حتى وإن كانت تلك الاشتراكات تسجل هوامش ربح مطلقة أقل. بالنسبة لأي منصة، يعد المشترك في باقات برو أصلا مضمونا ضمن أصولها، في حين يمثل المستخدم غير المشترك مخاطرة متغيرة، "فالأمر يعد في جوهره تحسينا ماليا عقلانيا"، بحسب ما أضاف عبد الله.
العامل النفسي: يعتمد هذا النموذج على مجموعة من محفزات التمويل السلوكي التي تضمن خروج المنصة رابحة في جميع الأحوال، من أهمها مغالطة " التكلفة الغارقة "، فبمجرد أن يدفع العميل رسوم الاشتراك الشهري مقدما، تتغير مرونته السعرية، إذ يشعر بالحاجة إلى تعويض الرسوم التي دفعها، ما يعني غالبا إجراء طلبات بوتيرة أكبر من المعتاد. "تظهر الأبحاث السلوكية أن هيكل الدفع المسبق يزيد من الاستهلاك بنسبة تتراوح بين 15-25%"، بحسب عبد الله. كما تجذب ميزة التوصيل المجاني العملاء بشدة، لدرجة أنهم قد يتجاهلون الزيادات السعرية التي تتراوح بين 15-30% والمدمجة غالبا في أسعار قوائم الطعام.
معضلة اشتراك الجيم: كمثل آلاف من الذين يدفعون اشتراك الجيم بحماس في يناير ثم ينقطعون عنه تماما بحلول فبراير، يفشل عدد كبير من المشتركين في استخدام الخدمة بالقدر الكافي لتبرير تكلفتها، إذ لا يعوض نحو 40% إلى 60% من المشتركين قيمة اشتراكاتهم الشهرية، ما يمول فعليا المستخدمين النشطين للغاية الذين يفرطون في استخدام الخدمة، بحسب عبد الله.
من يتحمل التكلفة الحقيقية؟
إذن.. من يدفع فرق السعر فعليا؟ حاليا، يتحمل مزيج من المستخدمين غير المشتركين والسائقين وأصحاب المطاعم تكلفة العروض والخصومات على أرض الواقع، إذ غالبا ما تلجأ المنصات إلى التمييز السعري التقليدي لتعويض هوامش الأرباح. "المنصة لا تقدم الخصم من جيبها، بل تناور وتأخذ من المستخدم غير المشترك لتعويض الفارق"، هذا التضخم الخفي قد يجعل الأسعار الأساسية للمستخدمين غير المشتركين أعلى بنسبة 10-20% عما ينبغي أن تكون عليه.
بالنسبة للمطعم، فإن كلمة برو بجانب اسمه تعد في حد ذاتها سلاحا ذا حدين. كي يبقى المطعم على رادار المستخدمين الأكثر سخاء على التطبيق، يضطر لقبول عمولات تتراوح بين 30-35%، بحسب عبد الله، ويتفق مع هذا الرأي مؤسس ذا فود لاب الشيف وسام مسعود، الذي أشار إلى أن هذه العمولات قد تصل إلى 70%، ورغم ذلك، تظل ضرورية للمطاعم.
الحقيقة المرة: "تستحوذ طلبات على 80% من مبيعاتنا، وفي وقت ما، كنا نسجل أكثر من 30 ألف طلب شهريا. عندما يأتي 80% من حجم أعمالك عبر منصة واحدة، فهذا يعني أنها محرك ضخم للسوق. إذا لم تتواجد على طلبات، فأنت في أزمة حقيقية، إنها قوة مهيمنة لا يستهان بها"، وفقا لما قاله مسعود لإنتربرايز.
تمثل السوق المصرية في الوقت الراهن ساحة معركة للأوهام المالية، ففي حين يستفيد المستخدمون من الوجبات والرحلات المدعومة، تحرق المنصات أموال المستثمرين للحفاظ على حصتها السوقية في مواجهة المنافسة العالمية المرتقبة. في حين تدرج المنصة 100% من رسوم الاشتراكات في ميزانيتها العمومية، فإن السائقين وعمال التوصيل والمتاجر — وهم من يبذلون الجهد الفعلي — نادرا ما يحصلون على أي حصة من تلك الإيرادات، بحسب عبد الله.
يتمثل الهدف النهائي لهذه المنصات في الوصول إلى "الكتلة الحرجة"، وهي مرحلة من القوة الاحتكارية تسمح لها برفع الأسعار دون المخاطرة بخسارة عملائها، وحتى يتحقق ذلك، يعمل النموذج على أمل أن يتجاوز حجم العمليات والكفاءة التشغيلية في نهاية المطاف تكلفة هذا الدعم، وفقا لعبد الله. أما بالنسبة للعملاء، يمثل الانخراط في عادات الباقات طريقا بلا عودة، حسبما يوضح عبد الله. عندما يفكر المستخدم في إلغاء اشتراكه، فإنه لا ينظر فقط إلى توفير بعض الجنيهات من رسوم الاشتراك، بل سيشعر بألم فقدان المكانة والمزايا التي تمنحها إياه تلك الباقة البراقة.
** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **