🎥 لم يعد السباق الرمضاني مقتصرا على صراع المشاهدات أو ضخامة الميزانيات الإعلانية فحسب، بل امتد إلى ساحة الكفاءات التقنية، مدفوعا بالاعتماد المتزايد على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، والتي برزت بقوة على الساحة العالمية من سنوات، إذ شهدت صناعة الإعلام والترفيه عالميا اعتمادا متزايدا امتد ليشمل لقطات مولدة بالكامل ومؤثرات بصرية وتترات معززة بالخوارزميات، وصولا إلى محاولات إعادة إحياء وجوه وأصوات الممثلين.
وقد وصلت هذه الموجة إلى الموسم الرمضاني الحالي، الذي شهد تترات معدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي في مسلسلات مثل أولادالراعي والست موناليزا وفن الحرب. وضعت هذه التقنيات الصناعة المحلية أمام معادلة جديدة، تسعى إلى تقليل النفقات اللوجستية دون المساس بالمعايير الفنية للأعمال، مع مواجهة تحديات الحفاظ على الجودة والأصالة.
هذا الارتباك المحلي يأتي في وقت تجاوزت فيه الصناعة عالميا مرحلة الخوف الأولي من الذكاء الاصطناعي، بعد إضراب نقابيتاريخي امتد لأشهر في هوليوود في 2023، مدفوعا بمخاوف المبدعين على حقوقهم وأمنهم الوظيفي. بدأت تتبلور سردية مغايرة، تقدم الذكاء الاصطناعي كأداة لإعادة تنظيم وهيكلة الصناعة، وليست كطرح بديل عن الإنسان.
من هوليود إلى القاهرة
يمثل الذكاء الاصطناعي نقطة تحول هيكلية في إدارة العملية الإنتاجية، بما يشمل خفض نفقات مهام ما قبل الإنتاج، وتقليل فترات التحضير الطويلة، حسبما أكدت دراسة حديثة صادرة عن ماكينزي، استندت إلى مقابلات معمقة مع عشرات التنفيذيين والمنتجين في هوليوود. يساهم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تقليص النفقات اللوجستية المرتبطة بالسفر وبناء الديكورات الضخمة، ما يمنح المنتجين قدرة أكبر على ضبط الميزانيات، وهو ما يبرر توجه الاستوديوهات العالمية لدمج مئات اللقطات المعززة بالذكاء الاصطناعي في العمل الواحد لتحقيق كفاءة أعلى، وفقا للدراسة.
هل السوق المحلية مستعدة؟ تثير هذه التجارب تساؤلات حتمية حول مدى نضج هذه الأدوات في السوق المصرية وقدرتها على محاكاة المعايير العالمية. ويرى مونتير الفيديو ومتخصص الذكاء الاصطناعي التوليدي بشركة "جي سي سي فايف"، حلمي عرمان (لينكد إن)، أن تنامي الطلب على توظيف التقنيات البصرية باستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلانات والأفلام الوثائقية يمهد الطريق لانتشار التقنية على نطاق أوسع.
على مدار عقود طويلة، ظلت المؤثرات البصرية حكرا على استوديوهات هوليوود بفضل استثماراتها المليونية، ولكن اليوم أصبحت في متناول المبدع المستقل، بحسب عرمان، الذي أكد أن دور الذكاء الاصطناعي تجاوز كونه مجرد إضافة جمالية، ليتحول إلى أداة هندسة مالية أعادت رسم موازين القوى في السوق المحلية.
خبر حلو وخبر وحش
التحول يأتي في صالح الميزانية، إذ أن المشاهد المعقدة مثل المعارك والحروب والتي كانت تتطلب سيولة إنتاجية تتراوح بين 30 و40 مليون جنيه لتنفيذها بالطرق التقليدية، أصبح من الممكن توليدها بلمسة فنية بشرية وميزانية لا تتخطى 600 ألف جنيه. كما قلص ذلك من الفجوات بين الإنتاج التجاري الضخم والسينما المستقلة، إذ أصبح بإمكان صانع أفلام بميزانية محدودة مثل منحة إنتاج بـ 20 ألف دولار، تنفيذ رؤية بصرية كانت تتطلب سابقا مليون دولار، ما حرر خيال كتاب السيناريو من معوقات التنفيذ ومنحهم الضوء الأخضر للإبداع دون خوف من مقصلة الميزانية، بحسب عرمان.
.. وعلى حساب الأدوار الوسيطة: بدأ الذكاء الاصطناعي فعليا في تقليص الأدوار الوسيطة، حسبما أكد عرمان، إذ تواجه مهنة رسام "الستوري بورد" خطر الاندثار بعد أن أثبتت الخوارزميات قدرة فائقة على ترجمة رؤية المخرج البصرية بشكل فوري. يمنح هذا التحول العملاء طمأنينة بصرية للمنتج النهائي قبل بدء التنفيذ الفعلي، ويمكن شركات الإنتاج من خدمة قاعدة أوسع من العملاء بكفاءة أعلى.
ولكن — "على الرغم من براعة الذكاء الاصطناعي في المحاكاة البصرية، لا يزال يقف عاجزا عند حدود الإدراك الشعوري واللمسة الوجدانية التي يضفيها المبدع البشري على القصة"، بحسب ما أضافه عرمان.
درافت وليس منتج نهائي
المشكلة ليست في الأدوات: في موسم رمضاني تتأرجح فيه جودة الأعمال بين توظيف متقن للتقنية وآخر يفتقر للنضج، يتضح أن الفجوة لا تكمن في الأداة، بل آلية التنفيذ. تدعم هذه الرؤية المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة أريس ميديا، أمل عسكر، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي لن يسلب المبدع عمله، بل سيفعل ذلك مبدع آخر أجاد تطويع التقنية، التي وصفتها بالحل الإنتاجي الاستثنائي لما توفره من سرعة وجودة مع انخفاض التكلفة، تماما كما كانت الكاميرا والأدوات الرقمية في بدايتها.
قدمت أريس في هندسة الستوري بورد مجموعة من أضخم إعلانات الموسم الرمضاني الحالي، مثل إعلان بنك مصروأورانج: " أحدث مفهوم الستوري بورد الذكي ثورة في مرحلة ما قبل الإنتاج، إذ أصبح بإمكان المخرج والعميل مشاهدة الإعلان بالكامل، بداية من الألوان وأماكن التصوير، وصولا لحركة الكاميرا قبل التنفيذ. هذا التجسيد المسبق يلغي عنصر المفاجأت غير السارة، ويضمن تناغم فريق العمل حول رؤية بصرية موحدة، ما يوفر الوقت والجهد في غرف المونتاج لاحقا".
ورغم التطور، تشدد عسكر على أن العملية الإنتاجية لا تزال تتطلب جهدا بشريا مكثفا، إذ أن الخوارزميات ليست بمنأى عن الخطأ وتتطلب توجيها ومراجعة مستمرة. "نحن نتعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي كمادة خام تخضع لمعايير المونتاج والإخراج اليدوي، وهو ما زال ركيزة أساسية لضبط الجودة"، بحسب عسكر.
موسم رمضان كمختبر مبكر
يضع موسم رمضان الحالي صناعة الإعلان والدراما في مصر أمام لحظة فارقة، فبينما يكتفي البعض بتوظيف الذكاء الاصطناعي كحيلة بصرية موسمية، تبرز ضرورة التعامل معه كمحرك إبداعي، يعيد صياغة لغة السرد واقتصاديات الفكرة ككل. لم يعد الرهان على ضخامة الميزانيات أو النمط التقليدي القائم على النجم المشهور والأغنية الجذابة، إنما على كفاءة التنفيذ وقوة القصة بغض النظر عن الأداة.
لا يدور الصراع الحقيقي بين الإنسان والآلة، بل بين نموذجين للإنتاج، نموذج تقليدي يعتمد على الإنفاق المرتفع والتكرار المضمون، ونموذج مستقبلي يقوم على سيادة الفكرة والمرونة والاختبار المستمر.