Posted inرائد الشهر

رائدة الشهر: نسمة أمين، مؤسسة أول تطبيق باللهجة المصرية للصحة الإنجابية للنساء

عندما شرعت نسمة أمين (لينكد إن) في تأسيس تطبيق عزيزة المتخصص في صحة المرأة، والقائم بالكامل على اللهجة المصرية العامية، لجأت إلى أقرب النساء إليها بحثا عن الإلهام. فطلبت من والدتها أن تسأل صديقاتها وقريباتها عن الكلمات التي يستخدمنها للإشارة إلى الدورة الشهرية، في ظل الحرج الاجتماعي من ذكر الكلمة صراحة، حتى أن بعضهن يشرن إليها "البيراميدز" أو "البتاعة". وكان اسم عزيزة ضمن الاقتراحات، فشعرت أمين أنها وجدت ضالتها.

أرادت أمين وشريكها المؤسس علي علاء (لينكد إن) اسما نسائيا يحمل بعدا شعوريا. وفكرا في البداية في اسم لطيفة، قبل أن يستقرا على عزيزة، وهو اسم مألوف في كثير من العائلات المصرية. وتقول أمين إن ردود الفعل جاءت متباينة، إذ سعدت بعض السيدات اللواتي يحملن اسم عزيزة برؤية أسمائهن على تطبيق لصحة المرأة، بينما شعرت أخريات بالحرج من هذا الارتباط.

إذن.. من هي عزيزة؟

عزيزة تطبيق باللهجة المصرية يهدف إلى تحسين صحة النساء فيما يتعلق بالدورة الشهرية. إذ يتضمن أداة سهلة الاستخدام لمتابعة الدورة، ومعلومات صحية واضحة بعيدة عن المصطلحات المعقدة. تسجل المستخدمات الأعراض يوميا على التطبيق، ويرسل لهن تنبيهات قبل موعد الدورة وأيام الخصوبة. وتُعرض المقالات الصحية إلى جانب أداة المتابعة باللهجة نفسها، وتقول أمين إن مستخدمات التطبيق يشملن فتيات يتجهزن للزواج، وأمهات جدد يتعاملن مع التغيرات الهرمونية بعد الولادة.

خطط المؤسسان في البداية لاستهداف النساء من سن 18 عاما فأكثر، لكن "بعد طرح التطبيق، فوجئنا بموجة ضخمة من التسجيلات من فتيات صغيرات في عمر 12 و13 عاما بدأت لديهن الدورة الشهرية للتو"، حسبما قالت أمين لنشرة إنتربرايز الصباحية. فالفتيات في هذا العمر غالبا لا يعرفن من يسألن، وتخشى كثيرات منهن أن يكون عدم انتظام دوراتهن مؤشرا على مشكلة ما، بينما هو أمر طبيعي. لذا عدلت عزيزة مرحلة انضمام المستخدمات الجدد، بحيث لا تتلقى الفتيات الصغيرات تنبيهات مقلقة بشأن تأخر الدورة، وحتى يبلغهن التطبيق بأن عدم انتظامها أمر طبيعي في هذا السن. وتنشر مدونة التطبيق حاليا محتوى مخصصا للفئة العمرية من 12 عاما فأكثر، من بينه مقال عن التعامل مع الدورة الشهرية في المدرسة.

يستخدم أكثر من 90% من مستخدمات عزيزة هواتف الأندرويد، لذا يختبر الفريق التطبيق على هواتف قديمة ورخيصة. ومع ذلك فاجأتهم الهواتف منخفضة التكلفة، إذ تقول أمين: "لم ندرك كيف تبدو تجربة المستخدم الفعلية بالكامل إلا عندما بدأت المستخدمات يرسلن لنا لقطات شاشة لأعطال أو مشكلات في العرض. كنا ننظر إليها ونتساءل: لماذا يبدو التطبيق هكذا؟ لا يبدو هكذا على هاتفي الأندرويد". فالعرض وسرعة الاستجابة يختلفان من هاتف إلى آخر، وتقر أمين بأن التطبيق ما زال لا يعمل بشكل مثالي على جميع الهواتف.

عقبات على الطريق

كان ضعف الاتصال بالإنترنت المشكلة التالية. فمنذ طرح التطبيق، أضاف الفريق خاصية العمل دون اتصال، حتى تتمكن النساء من متابعة دوراتهن وقراءة بعض المعلومات الصحية دون إنترنت. وتقول أمين عن ذلك إن "الإنترنت ربما يكون متوفرا للنساء، لكنه غير متاح 24 ساعة يوميا، وربما لا يستطعن تشغيل خدمة الإنترنت عبر الهاتف نفسه إلا لمدة 30 دقيقة فقط في اليوم. وأريد أن تكون هذه الدقائق الثلاثون كافية ليحصلن على كل ما يحتجن إليه طوال اليوم".

كما تطلبت الهواتف المشتركة تعديلا آخر؛ إذ كثيرا ما تستخدم الأخوات تطبيق عزيزة على الجهاز نفسه بحسابات منفصلة، وكذلك تفعل الأمهات والبنات، ولا يستطيع التطبيق دمج بياناتهن لأسباب تتعلق بالخصوصية. لذا بسط الفريق خطوات تسجيل الدخول واستعادة كلمة المرور للمستخدمات اللواتي ينسين كلمات المرور كل يوم، حسبما أوضحت أمين.

مؤسسة عزيزة

بدأت أمين مسيرتها المهنية بالعمل في مجال الهندسة، إذ درست هندسة وتكنولوجيا الوسائط الرقمية في الجامعة الألمانية بالقاهرة، وحصلت على شهادة في علوم الحاسب وهندسة البرمجيات، لكنها لم ترغب في العمل كمبرمجة. وبينما اتجه معظم زملائها إلى العمل في الشركات الكبرى ومتعددة الجنسيات، انضمت إلى شركة برمجيات أسسها خريجون من جامعتها في منصب مديرة مشروعات لتطوير مواقع الويب وتطبيقات الهاتف، واستمرت في مجال إدارة المنتجات منذ ذلك الحين.

ثم جاءت مرحلة عملها في صحة المرأة. ففي إحدى مؤسسات الرعاية الصحية الاجتماعية، تولت أمين إدارة منتجات أدوات الصحة الرقمية وأسست فريق التكنولوجيا داخل المؤسسة. كما أدارت خدمات صحية مراعية لاحتياجات النساء في حي منشأة ناصر، أحد أحياء القاهرة المحرومة من الخدمات، حيث درب المشروع العاملين في مجال الرعاية الصحية الأولية وموظفي العيادات والمستشفيات المحلية لتحسين خدمات الصحة الإنجابية والجنسية للنساء.

بعد ذلك انتقلت إلى ألمانيا لتتولى منصب مديرة المنتجات في شركة ناشئة متخصصة في تشخيص الخصوبة. اعتمدت أداة الشركة على خوارزميات تنبؤية لرصد الحالات الهرمونية ومشكلات الخصوبة لدى النساء اللواتي يحاولن الإنجاب منذ أكثر من 6 أشهر. وانضمت أمين إلى الشركة مباشرة بعد إتمامها جولة تمويلية، وأشرفت على المنتج خلال تحول الشركة من البيع للمستهلكين في ألمانيا إلى البيع للشركات في الولايات المتحدة، وخرجت من التجربة مقتنعة بأن منتجات صحة المرأة يجب أن تبدأ من الدورة الشهرية.

كانت أمين قد أدركت حينها رغبتها في بناء منتج للسوق المصرية الواسعة، إذ تقول إن الشركات الناشئة المحلية كانت تخدم بالأساس شريحة المصريين الميسورين المعتادين على التطبيقات القائمة على اللغة الإنجليزية، واللذين لا تتجاوز نسبتهم 5-6%، ما يترك أكثر من 90% من السكان دون منتجات رقمية مناسبة للغتهم وثقافتهم. وأضافت عن ذلك: "لم أكن أريد لأي امرأة مصرية، بغض النظر عن خلفيتها أو منطقتها، بأن تشعر أن المنتجات لم تُصمم لها هي بالأخص".

وفي مايو 2023، عرضت الفكرة على علاء، الذي يعمل في مجال تطوير البرمجيات، وجهزا النسخة الأولى بحلول أواخر أغسطس من العام نفسه. وبعد اختبارها مع الأصدقاء والعائلة، طرحا تطبيق عزيزة على متجر تطبيقات أبل ومتجر جوجل بلاي في نوفمبر 2023. وتقول أمين إنه التطبيق المصري الأول من نوعه في متابعة الدورة الشهرية وصحة المرأة. لذا توالت التسجيلات دون أي إنفاق على التسويق، بينما احتفظ المؤسسان بوظيفتيهما بدوام كامل، ثم تركت أمين وظيفتها بعد 4 أشهر من طرح التطبيق لتدير عزيزة بصفتها الرئيسة التنفيذية.

مساعي لتحقيق الإيرادات

تعتمد عزيزة حتى الآن على التمويل الذاتي، إذ تعمل بأموال مؤسسيها وإيراداتها، إلى جانب جوائز مالية من مسابقات الشركات الناشئة، ولم تجمع أي تمويل من مستثمرين خارجيين. أرادت أمين أن تؤسس مشروعا ذا أثر اجتماعي يغطي تكاليفه ويتسم بقابليته للتوسع، وقررت مبكرا أنها لن تديره كما لو كان مشروعا غير حكومي. وفي عام 2025، حققت الشراكات في مجال المحتوى مع وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات أخرى تمول التوعية بصحة المرأة إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل. كما تحصل عزيزة على حصة من إيرادات مقدمي الرعاية الصحية، مثل هيلث تاج، الذين يقدمون خدمات مباشرة أخرى لمستخدمات التطبيق.

وتدرس الشركة أيضا إضافة خدمات مدفوعة إلى التطبيق. فتقول أمين إن النساء اللواتي يدفعن 50 جنيها لزيارة العيادة إلى جانب تكلفة المواصلات ربما يمكنهن بدلا من ذلك أن يدفعن 20-30 جنيها مقابل الحصول على تقييم مبدئي أو استشارة رقمية عبر التطبيق. لكن خدمة المتابعة الأساسية ستظل مجانية، وتؤكد أمين أن أي خدمة متاحة حاليا في التطبيق لن تصبح مدفوعة أبدا.

تحصل عزيزة كذلك على دعم ميداني من 75 طالبا وطالبة في كليات الطب على مستوى الجمهورية، إذ يتطوعون ليكونوا سفراء للتطبيق ويدمجون ورش العمل الصحية عن الدورة الشهرية ضمن القوافل الطبية والتدريبات الميدانية التي تتضمنها دراستهم بالفعل. توفر عزيزة لهم التدريب والمواد، وتتحمل تكاليف الجلسات التي تُعقد في المنظمات غير الحكومية والمراكز المجتمعية. وتقول أمين إن هذه الشبكة تغطي أكثر من 80% من محافظات مصر، وتمنح الشركة وسيلة للاطلاع مباشرة على ما يحدث على أرض الواقع.

الخطوة التالية لعزيزة

يعتزم المؤسسان تنفيذ جولة تمويل رسمية في 2027 بعد تحديد مصادر إيراداتهما بدقة. وتقول أمين إن المستثمرين يتفقون على وجود السوق، لكن المحادثات تتعقد عند الحديث عن نموذج العمل. والسؤال الذي تسمعه دائما من مستثمري رأس المال المغامر هو كيف ستوازن عزيزة بين الأثر الاجتماعي والنمو السريع للإيرادات، موضحة أن "مستثمري رأس المال المغامر يريدون نموا سريعا في الإيرادات يتراوح بين 7 و10 أمثال. وهذه أرقام طموحة للغاية بالنسبة لأي شركة ناشئة، فما بالك بشركة ناشئة تقودها امرأة وتعمل في مجال صحة المرأة، في سوق تحيط به وصمة اجتماعية كبيرة". وتضيف أن صاحبات المشاريع في قطاع التكنولوجيا النسائية يواجهن فجوات موثقة في جمع التمويل، وترجع ذلك إلى تقييمات المستثمرين للمخاطر وطريقة عرض النساء لأرقامهن. وتقر أمين بأنه من غير المعتاد أن يعرض أحدهم تطبيقا مجانيا على مستثمري رأس المال المغامر، لذا فهي تعول على مستثمري الأثر الاجتماعي والمستثمرين الاستراتيجيين لتمويل الجولة.

تسعى أمين إلى زيادة عدد المستخدمات النشطات لتطبيق عزيزة في مصر من 170 ألفا حاليا إلى مليون مستخدمة بحلول أوائل 2028. وتتمحور خططها للمنتج حول الذكاء الاصطناعي المطور باللغة العربية من الأساس، إذ تقول إن "قواعد البيانات الصحية العالمية يغلب عليها الطابع الغربي بشدة"، مؤكدة أن البيانات المحلية لعزيزة يمكنها أن تقدم للنساء في مصر والمنطقة إرشادات تلائمهن أكثر من تلك الواردة من الخارج.

العلامات: