من الهندسة إلى تمكين المجتمع: بدأت رحلة المهندسة منال صالح بعد تخرجها في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، فرغم عملها في المجال الهندسي لفترة قصيرة، إلا أن الشغف الأكبر وجهها نحو القطاع التنموي والأهلي، قبل أن تشارك في تأسيس ثلاث من أكبر المؤسسات الأهلية في مصر: بنك الطعام المصري وبنك الشفاء المصري وبنك الكساء المصري. تحدثنا إلى صالح (لينكد إن)، الشريكة المؤسسة لبنك الكساء المصري وعلامة الأزياء المستدامة ألما لنلقي نظرة على تأسيسها لعلامة تجارية محلية فرضت نفسها بقوة.
"أنا مهندسة متخرجة في هندسة القاهرة، عملت في مجال الهندسة لفترة قصيرة، لكن معظم حياتي كانت في المجال الخيري وتوليت دورا تنفيذيا في بنك الكساء منذ 10 سنوات، ومنذ حينها وأنا متفرغة تماما لإدارة الجوانب التشغيلية"، حسبما صرحت صالح لإنتربرايز.
تتجاوز الفلسفة التشغيلية لبنك الكساء مفهوم الإغاثة المباشرة وتقديم أغطية التدفئة إلى تقديم ما تطلق عليه منال "الملابس التنموية"، التي تشمل الزي الموحد للمدارس والملابس المهنية الرسمية لدعم الراغبين في دخول سوق العمل. لتوفير هذه الاحتياجات، تعتمد المؤسسة على خطوط إمداد متنوعة تشمل تبرعات الأفراد من المنازل والمصانع وتجار التجزئة والمستوردين والمصدرين.
مع تعمق ثقة المتبرعين واستهداف الفئات الاجتماعية ذات القوة الشرائية العالية، بدأ الأفراد في استخراج قطع فريدة ومخزونات تاريخية عائلية نادرة تعود للخمسينات والستينات: "وصلتنا قطع قماشية وملابس قديمة ذات طابع كلاسيكي فريد وخامات ممتازة، لكنها بطبيعة تصميماتها لا تلبي الاحتياجات الأساسية واليومية للأسر الأكثر احتياجا ورأينا أن إعادة تدويرها وصياغتها كقطع فنية سيوفر عوائد مالية تتيح لنا كسوة عدد أكبر بكثير من الأطفال بملابس جديدة وعملية"، وفقا لصالح.
جلس الفريق مع مسؤولة التسويق لمناقشة كيفية تحويل هذه الأصول المهدرة إلى قيمة مضافة، فنبتت فكرة تحويل الأقمشة إلى أزياء معاصرة عبر تقنيات إعادة التدوير المبتكر والحفاظ على التراث القماشي. أرادت المؤسسة من خلال ذلك تعظيم المردود المالي وتوجيه أرباح المشروع بالكامل لدعم بنك الكساء وتوفير ملابس جديدة للأطفال.
من هنا جاءت ألما: لتطوير هذه الفكرة، استعانت المؤسسة بوكالة متخصصة لبناء الهوية التجارية، ووقع الاختيار على اسم ألما المستوحى من دلالة الماء في الطبيعة التي تتحول وتأخذ أشكالا مختلفة، بحسب صالح. تأكدت هذه الفلسفة بانضمام يسر عبد القادر كمديرة إبداعية بخلفيتها الأكاديمية في دراسة الأزياء والاستدامة والتصميم متعدد الاستخدامات.
تتميز ألما بتقديم قطع فريدة تحمل موقفا بيئيا وأخلاقيا صريحا يدعم الأزياء المستدامة: "أول ميزة هي أنها قطعة فريدة جدا، تمثل قيما معينة لدى الشخص الذي يرتديها ورغبته في الشراء المستدام واستخدام المواد المتروكة دون الإضرار بالبيئة. من يرتدي ألما يظهر بوضوح أنه يرتدي ألما"، وفقا لصالح.
إبداع بالعكس
عن التصميم العكسي: تعتمد العلامة على عملية غير تقليدية في التصميم، فبدلا من رسم التصميم أولا ثم شراء الأقمشة، تبدأ العملية بفرز دقيق وفحص شامل للمخزون المتاح، ثم تصنيف الأقمشة حسب الألوان وعائلات الخامات وأنواع الأنسجة والنقوش: "نعمل بطريقة مختلفة تماما، إذ نطلع على ما هو موجود في مخزوننا أولا ونبدأ بتصنيفه، وبعد التصنيف نبدأ في التصميم والتنفيذ"، بحسب ما قالته عبد القادر لإنتربرايز.
ينطوي هذا المسار على تحديات تقنية معقدة مقارنة بالتصنيع التقليدي: "التحدي الأكبر هو أن نصمم من موارد وخامات موجودة بالفعل، لأننا في بعض الأحيان لا نعرف المصدر الدقيق للخامة، والنقطة الثانية هي تكرار التصميم، أي كيف نجعل المنتجات متسقة حتى ننتج منها بطريقة منتظمة"، وفقا لعبد القادر.
الخامات غير التقليدية صعبة أيضا: "نحن لا نصمم فحسب، بل نعمل بخامات غير تقليدية، فمثلا قد نحتاج إلى الجمع بين ثلاث أو أربع بلوزات لصنع فستان سهرة، وهذا أمر لم يتعلم أي مصمم القيام به، فالعملية تتطلب تفكيكا وإعادة بناء شاقة جدا"، بحسب صالح.
عن التحول في سلوك المستهلك، شهدت السوق تغيرات مجتمعية متتابعة منذ جائحة كورونا: تقبل الأفراد فكرة إعادة استخدام الموارد المنزلية، وتزايد الإقبال على سوق المستعمل وانتشرت ثقافة الشراء المستدام، مع الانخفاض المتتالي في القيمة الشرائية للعملة وحركات المقاطعة للأزياء السريعة، إذ أدرك المستهلك قيمة هذا الاتجاه من التسوق، وفقا لعبد القادر.
واجهت العلامة تحديا كبيرا في تقبل الجمهور في بداياتها: "في عامي 2019 و2020، كان من الصعب إقناع أحد بشراء قطعة مصنوعة من ملابس قديمة بسعر مرتفع، لكن مع التحول الفكري الجمعي المشهود حاليا، تغير الوضع كثيرا، فيقبل من رفضوا شراء المستعمل في الماضي على إقتناء منتجاتنا الآن" بحسب ما أكدته صالح، خاصة بعد مشاركة العلامة في برنامج شارك تانك عام 2023. "لم يقتنع المستثمرون بالفكرة، فأخذت أنا ويسر التحدي على عاتقنا لنثبت إمكانية تحقيق الإنتاج الكمي في إعادة التدوير".
لتجاوز هذا العائق، ابتكر الفريق هيكلا إنتاجيا مقسما إلى 3 مستويات:
1#- المجموعات الموسمية: وتضم مجموعتين في السنة (ربيع وصيف + خريف وشتاء)، وتتكون كل مجموعة من 6 تصميمات عالية المستوى تركز على إبراز الجمالية الفائقة للأزياء المعاد تدويرها.
2#- خط الملابس اليومية السريعة: يعتمد على اختيار قطع متكررة وشائعة في المخزون (مثل القمصان والبليزرات والتنانير)، وتطبيق تغييرات تصميمية سريعة ومحدودة عليها.
3#- خط الإكسسوارات: يخصص لاستيعاب الهوالك وقصاقيص الأقمشة الصغيرة الناتجة من إنتاج الخطوط السابقة، لتحويل كل مادة متبقية إلى منتج نفعي وضمان عدم الهدر مطلقا.
أما فيما يخص التسعير المعقد والتعامل مع الخامات المجهولة، أدمجت الشركة الحلول التكنولوجية والذكاء الاصطناعي في دورة العمل: "تتطلب عملية التصميم حلولا تكنولوجية وتوظيف لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ونعمل هذا العام على إدراج نماذج تعلم الآلة للتعرف على نوع القماش وتحديد نسبته من القطن أو الكتان وهل له قيمة حقيقية أم من المنتجات رديئة الصنع التي تخدع المستهلك"، وفقا لصالح. ومع تطور حجم الإنتاج بشكل كبير منذ الانطلاقة الأولى، ورغم اقتصار التواجد الخارجي حاليا على معارض إقليمية ودولية في فنلندا والسعودية للالتزام بالدورة الإدارية للمؤسسات الخيرية، تضع الشركة التصدير ضمن خططها المستقبلية.