يُقدر حجم المنتجات التي تصنعها شركة جورميه في مصنعها بنحو 40% من إجمالي مبيعاتها، غير أن الشركة تسعى لزيادة هذه النسبة إلى 60%، وفقا لرئيسة قطاع الابتكار داليا سلطان. وكشفت سلطان عن هذه النسبة خلال أحدث حلقات بودكاست Making It التي نشرت الأسبوع الماضي، وهو رقم يفسر التطور الذي شهدته أرفف الشركة؛ إذ تحولت جورميه من مجرد متجر بقالة وحيد اُفتتح في حي المعادي عام 2008 لبيع اللحوم والجبن وزيت الزيتون المستورد، إلى كيان له نشاط تصنيعي كبير.
السياق: أدرجت جورميه أسهمها في البورصة في فبراير عبر طرح ثانوي بالكامل؛ إذ باعت شركة "بي إنفستمنتس" وأربعة مساهمين أفراد 190.5 مليون سهم، بواقع 47.6% من أسهم الشركة، لتجمع ما يقرب من 1.3 مليار جنيه خلال الطرخ الذي شهد تقييم الشركة بحوالي 2.8 مليار جنيه. وأغلق السهم أولى جلسات تداوله مرتفعا بالحد الأقصى المسموح به رقابيا والبالغ 40%. ومنذ ذلك الحين، خفضت "بي إنفستمنتس" حصتها مجددا، من خلال بيع 6.5% أخرى في سبتمبر بسعر 16 جنيها للسهم، أي بأكثر من ضعف سعر الطرح البالغ 6.90 جنيه، لتصل حصتها الحالية إلى 33.5%.
كان الزبادي اليوناني هو المنتج الذي جعل التصنيع المحلي فرصة استراتيجية وليس مجرد ضرورة تشغيلية. إذ توضح سلطان أن مصر لم يكن فيها أحد يصنع هذا الزبادي، ولم يكن من الممكن استيراده بسعر معقول بسبب قصر مدة صلاحيته وارتفاع تكلفة الشحن، ولذلك أمكن بيعه بسعر مميز ليحقق هامش ربح يبرر إنتاجه محليا. أما الطماطم المعلبة فقد استغرقت وقتا أطول؛ إذ لم تتمكن جورميه من إنتاجها بتكلفة أقل من الواردات الإيطالية إلا في الآونة الأخيرة. وتضيف سلطان أن جودة الموتزاريلا المحلية تحسنت بالطريقة ذاتها حالما تمكن المنتجون من دفع المزيد مقابل مستلزمات الإنتاج مع الحفاظ على أسعار أقل من المنتجات المستوردة.
وتكمن الميزة التنافسية للشركة في الحفاظ على ثبات مستوى الجودة، وهو ما يتحقق بفضل غرفتين أساسيتين: الأولى هي غرفة الوزن، التي تحدد مقادير كل وصفة بدقة شديدة دون أي زيادة؛ فإذا كان المطلوب مئة عبوة من الحمص مثلا، يُوزن الحمص الجاف والليمون وحتى الملح لمئة عبوة بالضبط. أما الثانية فهي غرفة الفرز، التي تستبعد المكونات غير المطابقة للمواصفات قبل وصولها إلى خط الإنتاج. وتؤكد سلطان أنه بمجرد اعتماد الوصفة، لا يُسمح بتعديلها، مع تطبيق قواعد صارمة على المخالفين قد تصل إلى الفصل أو النقل إلى قسم آخر. وترى سلطان أن طبيعة العمالة هنا تتسم بالإبداع ولكن دون انضباط، وهو ما "قد يسفر في النهاية عن نتائج غير مرغوب فيها إطلاقا".
يظل التوسع هو التحدي التالي أمام الشركة، وهو تحدٍ يتعلق بالكوادر البشرية بقدر ما يتعلق بالنفقات الرأسمالية. إذ تقول سلطان إن كل من يؤسس مشروعا في قطاع الأغذية بمصر يستقطب موظفين من جورميه، مما يضع الشركة أمام حتمية تدريب كوادر جديدة بقطاع الجودة لمواكبة نمو عملياتها. ثم تأتي زيادة الطاقة الإنتاجية كخطوة تالية؛ إذ توضح سلطان أن الشركة تعمل على زيادتها حاليا، ربما عبر إضافة خط إنتاج جديد أو بناء مصنع جديد بالكامل. وتسمح الميزانية العمومية للشركة بهذا التوسع؛ فقد دخلت جورميه البورصة بسيولة نقدية تبلغ 274 مليون جنيه مقابل ديون بقيمة 29 مليون جنيه. كما أن هذه الخطط تتزامن مع استراتيجية التوسع في شبكة المتاجر؛ إذ تعتزم الشركة افتتاح متجرين إلى ثلاثة متاجر جديدة سنويا، لتضاف إلى متاجرها الحالية البالغ عددها 22 حتى شهر يونيو الماضي، بهدف زيادة مبيعاتها إلى أكثر من 9 مليارات جنيه بحلول عام 2030، مقارنة بإيرادات مستقلة بلغت 2.7 مليار جنيه في عام 2025.
أما القاعدة التنظيمية الوحيدة التي تطمح سلطان لتغييرها فتتعلق بفترات الصلاحية؛ إذ تُلزم الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة الشركات بألا تتجاوز صلاحية المنتجات المجمدة التي تحتوي على دواجن أو لحوم 3 أشهر، في حين تؤكد سلطان أن هذه المنتجات صالحة فعليا لمدة تتراوح بين 6 إلى 10 أشهر، بينما تُمنح المنتجات المستوردة التي تصل بصلاحية 12 شهرا فترة صلاحية تبلغ 6 أشهر في السوق المحلية. وترى سلطان أن مبرر الجهات الرقابية في ذلك هو عدم القدرة على ضمان سلامة سلسلة التبريد، التي ما زالت تمثل نقطة الضعف الرئيسية في القطاع اللوجستي للأغذية في مصر، كما أظهرت تغطيتنا السابقة لسلاسل التبريد.
الوجهة التالية: يأتي الخليج قبل أوروبا في خطط التوسع لدى الشركة؛ إذ تشير سلطان إلى أن قطاع الأغذية والمشروبات هناك ما زال يعاني "فجوات كثيرة"، وتتمثل خطة الشركة في نقل تجربة متاجر جورميه المتكاملة إلى الخارج بالتعاون مع شريك محلي، رغم عدم الاستقرار على موقع محدد حتى الآن.