Posted inتدوينة الجمعة

كيف ومتى أصبح كل ما حولنا بيج، رمادي وأبيض؟

في العقد الأخير وربما أكثر من ذلك بقليل.. اختفت الألوان الزاهية تدريجيا من المجال العام بشكل ملحوظ، لتهيمن الألوان المحايدة بدرجاتها على ديكورات المنازل وأثاثها، وتتحول الأفلام إلى صورا أقل تشبعا بالألوان مقارنة بالماضي، وتسيطر الألوان الحيادية على فاترينات الكثير من علامات الموضة المحلية والعالمية.

لست وحدك من لاحظ ذلك، إذ تلاشت الألوان تدريجيا لتطغى درجات الرمادي والأسود على عالمنا المعاصر، حسبما كشفت دراسة أجرتها مجموعة متاحف العلوم البريطانية عام 2020، شملت تحليل أكثر من 7000 أداة من الحياة اليومية تعود لنحو 200 عام مضت. ذلك دفعنا إلى السؤال: هل أصبحت تلك الألوان خيارات آمنة أفقدتنا الجرأة على الخروج عن النمط، أم أنها مقحمة علينا لأسباب أخرى؟

اقتصاد اللون

مع تحول الخامات التي يعتمد عليها المصنعون من الخشب والمعدن إلى البلاستيك والسيليكون، تغيرت ألوان المنتجات تبعا لذلك وتحديدا في قطاع السيارات، بحسب تقرير للمختبر الرقمي لمجموعة متحف العلوم. هذا التغيير لم يكن قطعيا، بل شهد التاريخ عقودا ازدهرت فيها الألوان الزاهية قبل أن تعاود الانحسار مجددا.

الدافع التسويقي: تميل الشركات الكبرى التي تسعى لتعظيم أرباحها وتقليل مخاطرها إلى تبني تصاميم عالمية تناسب جميع الأذواق عبر القارات، فالألوان المحايدة تقلل من مخاطر تراكم المخزون غير المباع، وتجعل المنتجات قابلة للتسويق على نطاق أوسع دون الحاجة لتخصيص مكلف يتناسب مع ثقافات أو تفضيلات محلية معينة.

وبالعودة إلى نموذج عالم السيارات، فالسيارة ذات اللون المحايد أسهل في إعادة البيع مقارنة بنظيرتها ذات الألوان الجريئة، فاللون هنا خيارا اقتصاديا بحتا، يحافظ على قيمة الأصل عند التصرف فيه، هذا ما يفسر تحول ألوان السيارات نحو الدرجات الأحادية الملخصة في الأبيض والأسود والرمادي والفضي، وبحلول عام 2023، ارتفعت نسبة السيارات المباعة بهذه الألوان إلى 80% في الولايات المتحدة فحسب، وفقا لتقرير شركة "بي إيه إس إف" السنوي لاتجاهات الألوان.

المنطق نفسه ينطبق على العمارة والمجال العام، إذ يعد استخدام الدرجات المحايدة لتبييض واجهات المباني أقل تكلفة ومخاطرة وأوسع قبولا لدى شريحة أكبر من المشترين، يصل الأمر حد اختيار ألوان ملابس بعض المهن لأسباب وظيفية ورمزية مثل الإيحاء بالجدية والكفاءة وتقليل لفت الانتباه مثلا.

سيكولوجية اللون

تشكل الانطباعات البصرية نحو 80% من إجمالي الانطباعات الحسية التي يتلقاها الإنسان، ما يجعل الألوان محفزا رئيسيا للدماغ والجسم، فهي موجات ضوئية بأطوال مختلفة تمتلك القدرة على التأثير حتى عندما تغلق عينيك، حسبما جاء في تقرير سايكولوجي توداي لعالمة النفس العصبي الأمريكية باربرا كولتوسكا هاكسن. كما تشير الأبحاث إلى أن منطقة ما تحت المهاد في الدماغ، المسؤولة عن تنظيم حرارة الجسم ومستويات الطاقة ونمط النوم وعمليات التمثيل الغذائي والدافع الجنسي، تنشط وتتأثر بالمحفزات اللونية — نعم، لا ينبغي أن تعرض عينيك إلى ضوء الهاتف ليلا، تماما كما يفضل التعرض لضوء الشمس صباحا — بالتالي فإن الاختيار الواعي لألوان المساحات السكنية ومقرات العمل ينعكس على ضغط الدم ومستويات الطاقة والوظائف الحيوية بوجه عام.

على المستوى المعرفي: تلعب الألوان دورا بارزا في تعزيز الذاكرة البصرية وتعديل مستويات الاستثارة الفسيولوجية، فقد أظهرت الدراسات أن مشاهدة اللون الأحمر تؤدي إلى استثارة فسيولوجية أعلى مقارنة باللون الأخضر، كما تتقاطع الألوان والعواطف والذاكرة، إذ يختلف تأثير العاطفة على القدرة على التذكر بحسب طبيعة اللون المحيط، فمثلا يساعد اللون الأحمر بشكل قوي على تذكر الكلمات ذات الدلالات السلبية، في حين يساهم اللون الأخضر في تعزيز تذكر الكلمات الإيجابية.

تتفاوت الاستجابات النفسية والسلوكية باختلاف درجات الألوان واختياراتها في البيئات المباشرة، فالألوان الدافئة مثل الأصفر والبرتقالي والوردي والأحمر تساعد في تحفيز الجسم وامداده بالنشاط والحيوية، وإن كانت كثافتها العالية قد تسبب الإزعاج أحيانا، بينما تتميز الألوان الباردة كالأزرق والبنفسجي والأخضر بتأثيرها المهدئ.

على الجانب الآخر – فإن الاعتماد الشائع للون الأبيض في المدارس والأماكن العامة قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في زيادة مستويات التوتر وتقليل درجة التركيز، كما أن استخدام اللون الرمادي في بيئات العمل والمناسبات الرسمية قد يبعث على الكآبة والإحباط بصورة أكبر من اللون الأسود.

لماذا نبتعد عن الألوان؟

مع تزايد حدة العناصر البصرية في حياتنا الرقمية، قد يلجأ كثيرون إلى جعل بيوتهم أكثر هدوءا من الناحية البصرية، كملاذ لإراحة أعينهم من كم المثيرات والألوان الهائلة التي يتعرضون إليها يوميا عبر شاشات الهواتف، وذلك حسبما أشار تقرير صادر عن مجموعة كولور ماركتينج جروب العالمية. يأتي التصميم الداخلي ليعكس هذا التوق إلى التوازن، إذ يمنح الدخول إلى غرفة معيشة بألوان هادئة راحة بصرية تشتد الحاجة إليها، بعد قضاء ساعات في التعرض لوابل من الأيقونات الوامضة والصور الساطعة والحيوية.

إلى جانب هذا التفسير، رأي الفنان والكاتب الاسكتلندي ديفيد باتشيلور في كتابه كروموفوبيا أو رهاب اللون، أن الثقافة الغربية همشت الألوان على مدار قرون طويلة، وربطتها بما هو سطحي وبدائي، ما أضاف إلى اللاوعي طبقة من التحيز الموروث جعل كثيرين محايدين في اختياراتهم رغما عنهم، خوفا من التحيزات والأحكام المسبقة.

أعيدوها من جديد

الاتجاه المضاد: مع تجلي غياب الألوان الصريحة، ظهرت حركات مضادة تطالب باستعادتها، فمثلا في عالم الأزياء ظهر مصطلح "دوبامين دريسينج"، وهو اتجاه استهلاكي ونفسي يعتمد على اختيار ملابس بألوان زاهية وتصميمات جريئة كوسيلة لتحسين الحالة المزاجية. اكتسب هذا الاتجاه زخما واسعا في صناعة الأزياء، كما روجت له عالمة نفس الأزياء الأمريكية دون كارين في كتابها الصادر عام 2020.

تلعب المنصات الرقمية دورا محوريا في قيادة هذا التحول العكسي، إذ تنتشر ثقافة التمرد البصري بقوة عبر مقاطع الفيديو القصيرة، لا سيما "ريلز" على منصة إنستجرام، حيث يحتفي الجيل الجديد بالتعبير اللوني الصاخب. وتدفع هذه المقاطع التي تحظى بملايين المشاهدات نحو خلق طلب استهلاكي جديد، يجبر الشركات على إعادة النظر في استراتيجياتها التسويقية التي طالما اعتمدت على الجماليات البسيطة والألوان الباهتة لتجنب المخاطرة.

وفي السوق المصرية، تستغل بعض العلامات التجارية المحلية هذه الفجوة بذكاء، إذ تعمد إلى تموضع علاماتها التجارية بعيدا عن النمطية، عبر طرح منتجات زاهية بتصميمات مبتكرة، تستهدف من سئموا رتابة البيج والرمادي، مثل علامة كين سوكي المتخصصة في أدوات المائدة المبتكرة، وعلامة بالما للملابس التي تعتمد على هوية بصرية ثرية.

يمثل هذا التوجه فرصة لاقتناص حصة سوقية في وقت تسيطر فيه الشركات الكبرى على خيارات الألوان المحدودة، ما يمنح هذه العلامات المحلية ميزة تنافسية وشخصية بصرية مميزة، والأهم من ذلك، منتجا نحن في أمس الحاجة إليه في عالم يزداد قتامة يوما بعد يوم.