Posted inمحور العدد

مصر تعرف نفسها كمركز للطاقة.. فما الذي تقصده فعليا؟

ما الذي تحتاجه مصر لتصبح مركزا إقليميا للطاقة؟ أمضت مصر سنوات في إنشاء البنية التحتية اللازمة لنقل نفط وغاز الدول الأخرى وتخزينهما ومعالجتهما، لكن السؤال المطروح هو ما إذا كان ذلك يجعلها مركزا للطاقة أم مجرد ممر شديد الازدحام. وقد تناولنا في العددين الأولين من نشرة طاقات كيف تلبي مصر احتياجاتها من الطاقة، والتغيرات الحالية في منظومتها. أما في هذا العدد فنركز على طموحاتها الخارجية ونسأل: هل يمكن للبنية التحتية التي تدعم الاقتصاد المصري أن تتيح للدولة تقديم خدمات لا غنى عنه للاقتصادات المحيطة؟

المقصود بمراكز الطاقة هو تلك المناطق التي تلتقي فيها الإمدادات والبنية التحتية والعملاء، بما يتيح لها نقل الطاقة أو تخزينها أو معالجتها أو تداولها. ويساعد في ذلك أن تكون الدولة نفسها قادرة على إنتاج كميات وفيرة من الطاقة، لكن السؤال الأهم يتعلق بالأسباب التي قد تدفع الأطراف الأخرى للاعتماد على منظومتها. وعن ذلك يقول سيريل ويدرشوفن، كبير المستشارين في شركة بلو ووتر ستراتيجي، إن "الجغرافيا تتيح الفرصة، لكن القدرة على التنفيذ على نحو موثوق هي ما يحول هذه الفرصة إلى نشاط تجاري".

لكن مفهوم مراكز الطاقة تندرج تحته ثلاثة أنشطة مختلفة كثيرا ما يجري الخلط بينها: نقل الطاقة بين الأسواق، وتوفير البنية التحتية لتقديم خدمات إضافية مثل التخزين والمعالجة والربط بالموردين أو الوجهات المختلفة، والتداول عن طريق توفير سوق يتعامل فيها البائعون والمشترون بانتظام، وتشهد نشاط كافيا لتعزيز شفافية التسعير، وتتضمن أدوات لإدارة مخاطر الأسعار.

وتتداخل هذه الأنشطة عبر مختلف السلع؛ إذ يجني مشغلو البنية التحتية رسوم الخدمات، بينما تجني مصافي التكرير هوامش الفرق بين تكاليف مستلزمات الإنتاج وقيمة المنتجات النهائية، أما التجار فيمتلكون الشحنات ويسعون لتحقيق العوائد من الأسواق وفترات التسليم المختلفة، حسبما أوضح لنا بيتر ستيفنسون، محرر شؤون شرق المتوسط في نشرة ميدل إيست إيكونوميك سيرفي. ولا توجد قاعدة ثابتة تقضي بأن تقتصر العوائد بقطاع الغاز على رسوم العبور بينما تقتصر العوائد بقطاع النفط والمنتجات البترولية على هوامش التداول؛ وإنما يمكن لكل سلعة أن تدعم عدة أنشطة تجارية في الوقت ذاته.

تحصيل رسوم العبور

جني الأرباح من نقل نفط المنتجين الآخرين: يقول ستيفنسون إن خط سوميد وفر منذ فترة طويلة مسارا لوصول النفط الخام الخليجي إلى أسواق البحر المتوسط، وهو بالتالي نموذج لبنية تحتية تحقق أرباحا من سلعة لا يملكها مشغل تلك البنية. ويمكن لخط سوميد نقل 2.5 مليون برميل يوميا بين العين السخنة وسيدي كرير، في حين بلغت صادرات النفط الخام من سيدي كرير نحو 2.3 مليون برميل يوميا في أغسطس الماضي، ارتفاعا من نحو مليون برميل يوميا في يوليو، وشكل النفط السعودي معظم هذه الزيادة.

ويمكن للشركات تحصيل رسوم من العملاء مقابل تخزين النفط الخام أو تداول المنتجات البترولية أو معالجة الغاز أو إسالته لشحنه، لتحقق بذلك دخلا يمكن توقعه نسبيا، دون أن يتعرض المشغل بالضرورة لتقلبات الأسعار العالمية، وفقا لستيفنسون. وتمثل هنا السعة التعاقدية عامل الجذب بالنسبة للمستثمرين في البنية التحتية، إذ تسهل تلك العوائد المتوقعة تمويل الأصول دون أن يضطر مشغلوها لشراء الشحنات، وفق ما قاله استشاري الطاقة والخدمات اللوجستية حمدي فراج في تعليقاته لنشرة إنتربرايز.

من يجني الأرباح؟ أحيانا يكون مشغل البنية التحتية، ومالك الشحنة، والشركة المسؤولة عن تسويق المنتج النهائي كيانات منفصلة. ولذلك، فإن العائد الذي تحققه مصر يتوقف على طبيعة الخدمات المقدمة والحصص التي تملكها في الأصول، وليس على القيمة الإجمالية للشحنات التي تصدرها المحطات المصرية.

وامتلاك الشحنات ليس بالضرورة أفضل نموذج للأعمال؛ إذ يمكن لمصر تحصيل رسوم البنية التحتية دون تمويل شراء كل شحنة تمر عبر منشآتها. وفي ظل القيود على النقد الأجنبي والضغوط المالية على شركات الطاقة الحكومية، يحذر ستيفنسون من افتراض أن امتلاك الشحنات أفضل بالضرورة من الدخل المستقر المحقق من الخدمات، قائلا إنه "لا يوجد ما يمنع أن تكون مصر مركزا للمعالجة والخدمات اللوجستية فقط. فهذا نشاط تجاري جذاب في حد ذاته، دون أن تضطر مصر بالضرورة إلى التحول إلى تاجر دولي ضخم للسلع".

القيمة المضافة

التسييل خدمة يصعب على المنتجين الإقليميين توفيرها: يقول ستيفنسون إن محطتي إدكو ودمياط توفران بنية تحتية قائمة لتسييل الغاز بالقرب من اكتشافات شرق المتوسط، ما قد يتيح للمنتجين الوصول إلى الأسواق العالمية بسرعة وبتكلفة أقل مقارنة بإنشاء سلاسل تصدير جديدة من الصفر. وتبلغ الطاقة الاسمية للمحطتين معا ما يعادل 16.7 مليار متر مكعب سنويا، في حين قد يستغرق بناء محطة مماثلة لمحطة إدكو ما بين 7 و10 سنوات وسيتطلب مليارات الدولارات.

لكن يوضح ستيفنسون أن "الأقدام المكعبة الواردة إلى مصر لا تتاح كلها للتصدير". فبعض الكميات تحل محل واردات الغاز الطبيعي المسال مرتفعة التكلفة، بينما يحقق بعضها الآخر عائدات من رسوم معالجة صادرات المنتجين الآخرين، ولكلا الفئتين قيمة اقتصادية. ويندرج الغاز الإسرائيلي في الغالب ضمن النوع الأول، إذ يلبي معظمه الطلب المحلي، فعادة ما تكون الواردات عبر خطوط الأنابيب أرخص من الكميات المعادلة من الغاز الطبيعي المسال، ومن ثم، تتمثل القيمة الاقتصادية الأساسية لهذه الإمدادات في تجنب التكلفة الأعلى للواردات البديلة. أما الغاز القبرصي فيمثل النوع الثاني، إذ تصدر قبرص الغاز المستخرج من حقلي أفروديت وكرونوس في صورة غاز طبيعي مسال عبر محطة دمياط، وتتولى الشركات الشريكة في الحقول تسويق الشحنات. وفي المقابل، تستفيد مصر من المشاركة بجزء من مسار التصدير، إلى جانب حصص شركاتها الحكومية في ملكية المحطة.

بهذا يمكن لمصر الجمع بين الاستيراد والتصدير، بشرط وضوح الترتيبات التعاقدية. فيقول ويدرشوفن إن المنتج الذي يبيع الغاز لمصر يحتاج إلى ضمانات بأنه سيحصل على مستحقاته، بينما تحتاج الشركة التي تصدر عبر مصر إلى التأكد من وصول الغاز إلى المشتري المتفق عليه. ويقتضي ذلك حسم حقوق شراء الغاز للاستهلاك المحلي، والتزامات التصدير، وآليات التسعير، وإجراءات التعامل مع انقطاع الإمدادات قبل أن تختبر أوقات الشح مرونة هذه الاتفاقات. فعندما يحتاج المشتري إلى الغاز بصورة عاجلة، تتراجع قدرته على التفاوض. ويوضح ويدرشوفن أنه عندما تكون هناك حاجة ماسة إلى الغاز في عمليات التصنيع وتوليد الكهرباء، تقل قدرة الدولة على الانتظار أو رفض العروض باهظة التكلفة أو ضمان المرونة. ورغم ذلك، لدى المنتجين الإقليميين أسباب تدفعهم للتعاون، لأن مصر توفر قاعدة عملاء ضخمة وبنية تحتية تجنبهم التكلفة الباهظة لبناء مرافق تصدير مستقلة.

وينطبق الوضع ذاته على عمليات تكرير المنتجات البترولية. فيقول ستيفنسون إن شركة ميدور تنتج الوقود بالفعل للاستخدام المحلي والتصدير، بما في ذلك وقود الطائرات، وقد يتيح ربطها بميناء الحمراء البترولي الجمع بين عمليات التكرير والتخزين الساحلي والتسليم اللاحق. ويقوم خط الأنابيب المقترح بين طبرق والإسكندرية على الفكرة ذاتها، لكن باستخدام النفط الخام الليبي. ويمكن لتلك المشروعات أن تخدم مشتري السولار ووقود الطائرات في أوروبا والأسواق المعتمدة على الاستيراد في منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا، لكن قرار هؤلاء سيتوقف على التكلفة الإجمالية للشحن والتخزين والتكرير والتسليم.

ومن منظور أوسع، فإن زيادة الصادرات وحدها لا تكفي لحسم الجدوى الاقتصادية لتلك المشروعات. إذ يشير ستيفنسون إلى أن السوق المحلية تستهلك تلك المنتجات كذلك، ونقص الإمدادات بها قد يجعلها تستحوذ على كميات ربما كانت لتُصدر لولا ذلك. ويضيف ويدرشوفن أن تصدير الوقود لن يعزز بالضرورة مكانة مصر في قطاع التكرير إذا اضطرت بعد ذلك لاستيراد كميات بديلة بتكلفة أعلى عند التسليم.

بناء السوق

الاختبار الأصعب هو ما إذا كانت الشركات ستختار مصر مكانا لإبرام صفقاتها التجارية، وليس مجرد محطة لتمرير شحناتها. إذ يصف ستيفنسون مصر بأنها تمتلك "بنية تحتية كبيرة ضخمة للطاقة، لكنها ليست مركز تداول ناضج". فأي سوق ناضجة تحتاج إلى نشاط تجاري مستدام، وإلى جذب عدد كبير من البائعين والمشترين بفضل جدواها الاقتصادية. كما أن مثل هذه السوق تكون لديها آليات لإدارة التوقيت والمخاطر، وتقدم قيمة مضافة تتجاوز نقل الشحنات، تتمثل في إدارة المخزون والوجهات وتوفير الائتمان والحماية من تقلبات الأسعار، وفقا لويدرشوفن، وهو ما يتطلب الشفافية في إتاحة البنية التحتية، وإمكانية توقع الرسوم، والقدرة على تنفيذ العقود وضمان التسويات، إلى جانب وجود عدد كاف من المشاركين.

يعد مشروع الفجيرة العلمين بمثابة اختبار حقيقي لذلك النموذج، فيرى ستيفنسون أن هذه الشراكة ستضيف إلى مشروع ميناء الحمراء الخبرات اللازمة لتشغيل المراكز الدولية لتخزين النفط وتداوله. غير أن تأسيس المشروع وتطوير المنشآت ليس سوى البداية، فالدليل الأقوى سيكون استمرار المعاملات مع الأطراف الأخرى، بدلا من أن يصبح المشروع مجرد بنية تحتية تخدم في الأساس احتياجات الإمدادات المصرية.

والفوائد ينبغي أن تكون قابلة للقياس: يقول ويدرشوفن إن إثبات القيمة التجارية لتلك المشاريع يعتمد على خفض تكاليف المناولة، والربط بين المحطات والمصافي، وتكرار المعاملات مع العملاء، مع توفر شروط أساسية تشمل تنوع الإمدادات ووجود سعة احتياطية، وإمكانية تلبية الطلب قصير الأجل عبر ترتيبات موثوقة. ويحذر ويدرشوفن من اعتبار السعة المخصصة للإمدادات المحلية أو الاحتياجات الاستراتيجية متاحة تلقائيا للتجار الدوليين. كما يفضل فراج تخصيص السعة عبر المزادات، ما يقلل الاعتماد على المفاوضات الفردية.

أما الأسعار المرجعية فتنتج عن نشاط التداول، وليس العكس. إذ يرى ويدرشوفن أن المؤشرات المرجعية للتسعير تظهر بعد أن يحظى السوق بثقة العملاء وتصير هناك منافسة على التداول فيه، وليس بالإعلان عن إنشاء بورصة. ويمكن تحقيق عوائد مستدامة من خدمات المعالجة والإسالة والتخزين، إلى جانب إتاحة خدمات التداول على نحو انتقائي، وذلك دون أن تتحمل الدولة المخاطر المالية ومخاطر الإمدادات المرتبطة بعمليات التداول واسعة النطاق.

الخلاصة

إذن ما نوع مركز الطاقة الذي تمثله مصر؟ تعد مصر مركزا لتحصيل رسوم العبور ومركزا للمعالجة ولخدمات البنية التحتية، في حين لا يزال عليها إثبات جدارتها فيما يتعلق بأنشطة التداول. والفارق هنا هو بين أن تكون ممرا لعبور الطاقة، وأن تكون سوقا تختاره الشركات لممارسة أعمالها.

وبالتالي فإن المؤشرات التي ينبغي متابعتها تتمثل في العقود المبرمة، وما إذا كان العملاء سيجددونها حين تتوفر أمامهم خيارات أكثر. ويرى ويدرشوفن أن الالتزامات طويلة الأجل وتكرار التعاقدات وتجديدها في ظل ظروف السوق الطبيعية تمثل دليلا أقوى على القدرة التنافسية المستدامة لمصر في مجال الطاقة، مضيفا أن "الاضطرابات الإقليمية قد تؤدي إلى توجيه الأعمال نحو البنية التحتية المصرية، لكن الأداء التجاري الموثوق هو ما سيضمن بقاءها هنا".