تتجه الحكومة نحو المراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج صندوق النقد الدولي البالغة قيمته 8 مليارات دولار، مدعومة بالتقدم الذي أحرزته في ملف التخارج من الأصول الحكومية جنبا إلى جنب مع تعزيز الحصيلة الضريبية نتيجة للإصلاحات والتسهيلات التي أتاحتها وزارة المالية خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، لا تزال عقبات أخرى تتعلق بهيكلة دعم الطاقة والضريبة المؤجلة على المناطق الحرة تعرقل مسارها، وفق ما صرح به ثلاثة مسؤولون حكوميون لنشرة إنتربرايز. وتتوقع المصادر وصول بعثة الصندوق في النصف الثاني من نوفمبر، في ظل سعي الجانبين لحسم المراجعة قبل انتهاء البرنامج منتصف ديسمبر المقبل. وتأتي هذه التطورات وسط تقارب في وجهات النظر بين المسؤولين المصريين وممثلي الصندوق حول القضايا العالقة، على هامش الاجتماعات السنوية للصندوق في بانكوك.
ومن شأن اجتياز هذه المراجعة أن يمهد الطريق أمام صرف الشريحة الأخيرة من التمويل؛ التي تشمل نحو 1.5 مليار دولار ضمن تسهيل الصندوق الممدد، ونحو 800 مليون دولار من تسهيل الصلابة والاستدامة المعني بالمناخ، حسبما صرح به مدير بعثة الصندوق لمصر أمين ماطي لإنتربرايز في أغسطس الماضي. فضلا عن أن اجتياز مصر هذه المراجعة، سيمنحها شهادة ثقة من الصندوق، وهو سيشكل على الأرجح رؤية المستثمرين تجاه الاقتصاد المصري خلال السنوات التالية لنهاية البرنامج.
عوامل داعمة
يرجح المسؤولون أن يشكل برنامج التخارج من أصول الدولة الحجة الأقوى لترجيح كفة الحكومة في هذه المراجعة، إذ تمضي الحكومة قدما في طرح حصص في بنك القاهرة وشركة مصر لتأمينات الحياة قبيل انتهاء البرنامج. ويشترط صندوق النقد جمع 1.5 مليار دولار من عائدات التخارج قبل نهاية البرنامج، على أن تُوجه بالكامل لخفض الدين العام، بحسب بيانات الصندوق. وقد نجحت الحكومة بحلول يوليو الماضي من جمع نحو 526.3 مليون دولار، وفق أحدث تقرير لخبراء الصندوق (بي دي إف)، جاء نحو 420 مليون دولار منها من صفقة بيع محطة جبل الزيت لطاقة الرياح، فيما جاءت القيمة المتبقية (نحو 106 ملايين دولار) عبر بيع وزارة المالية حصص في بعض الشركات المدرجة بالبورصة.
وتعني هذه الأرقام أن الحكومة في حاجة إلى جمع نحو مليار دولار. وفي غضون ذلك، أكد أحد المسؤولين التزام الحكومة بتحقيق هذا الهدف قبل حسم المراجعة. الأرجح أن الطرح العام الأولي لبنك القاهرة سيغطي الجانب الأكبر من هذا المبلغ؛ فربما يتجه بنك مصر لبيع نحو 45% من بنك القاهرة، وفق ما صرح به مسؤول حكومي لإنتربرايز هذا الأسبوع، بدلا من الحصة المعلن عنها في نشرة نية الطرح، البالغة 30%. وبرغم هذه الاحتمالات، لا تزال الحصة البالغة 30% من بنك القاهرة هي الأساس المعتمد حاليا. أما إذا اتجهت النية إلى رفع الحصة، فسيخضع هذا القرار إلى موافقة بنك مصر، المالك لبنك القاهرة، وموافقة البنك المركزي أيضا. ووفقا لحساباتنا المبنية على القيمة العادلة في سبتمبر، تُقدر قيمة الحصة البالغة 45% بنحو 36 مليار جنيه (نحو 690 مليون دولار)، مقارنة بنحو 24 مليار جنيه في حال طرح 30%. وكان من المخطط أيضا أن تكون يمثل طرح مصر لتأمينات الحياة الخطوة التالية في خطة الطروحات الحكومية، إذ استهدفت الحكومة جمع عائدات من بيع 20% من الشركة بنهاية أغسطس الماضي. ولا تزال هذه الصفقة قيد التنفيذ، بعائدات متوقعة تصل إلى نحو 14 مليار جنيه (نحو 261 مليون دولار). ومن شأن إتمام الصفقتين معا أن يوفر تقريبا المليار دولار المطلوبة لاستكمال المستهدف.
ويرى أحد المسؤولين أن هذه الطروحات تندرج ضمن رؤية أشمل. إذ تعتمد الخطة على الطروحات العامة الأولية لتعميق سوق الأوراق المالية وتوجيه جزء من الحصيلة لخفض الدين العام. كما ترتبط بتحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة 2026-2030، التي يصفها صندوق النقد بأنها "تحديث كبير"؛ فهي تتجاوز مجرد عرض القطاعات التي تنوي الدولة التخارج منها، لتؤسس إطارا متكاملا لإدارة محفظتها الاستثمارية، يتضمن قواعد أكثر صرامة للحوكمة والمنافسة العادلة مع القطاع الخاص.
كذلك أشار المسؤولون إلى أن الحصيلة الضريبية ستكون داعما إضافيا لموقف الحكومة، لا سيما أن وزارة المالية تستهدف جمع حصيلة ضريبية قياسية تبلغ 3.5 تريليون جنيه خلال العام المالي الجاري، بزيادة تقدر بنحو 30% على أساس سنوي مقارنة بـ 2.7 مليار جنيه في العام المالي الماضي. وتتضمن الأولويات الضريبية الأخرى للبرنامج تقليص إعفاءات ضريبة القيمة المضافة، وتحسين الامتثال الضريبي عبر الميكنة، وتطوير آليات إدارة المخاطر.
تحديات قائمة
بيد أن ثمة إجراء ضريبيا لا يزال عالقا. إذ يطالب صندوق النقد بفرض ضريبة مقطوعة بواقع 4% على مبيعات شركات المناطق الحرة للسوق المحلية. ويمثل هذا الإجراء أحد المعايير الهيكلية للبرنامج (وهي بعبارة أخرى المحطات الإصلاحية التي يُقيم البرنامج بناء عليها) والتي لم يقرها البرلمان العام الماضي، وكان من المقرر نشرها في الجريدة الرسمية بنهاية نوفمبر، وفقا لتقرير خبراء الصندوق. صحيح أن الحكومة أبلغت الصندوق باعتزامها إقرار التعديل التشريعي خلال نوفمبر، لكن مسؤولا في مصلحة الضرائب صرح لإنتربرايز بأن الجدل لا يزال مستمرا وسط مخاوف من تأثير الضريبة سلبا على الاستثمارات وزيادة الأسعار، مؤكدا أنه لا يتوقع إجراء أي تعديل في الوقت الراهن. وأوضح المسؤول أن مصانع المناطق الحرة توفر السلع للسوق المحلية بأسعار أقل من نظيرتها المستوردة رغم سداد الرسوم الجمركية، فضلا عن انتفاء تكاليف الشحن البحري وتأخيرات التسليم، إلى جانب مساهمتها في تعزيز الصادرات. ولذا فإن هذا الموقف يضع أحد المعايير الهيكلية في مهب الريح قبل أسابيع من المراجعة، رغم أن الضريبة ذاتها لن تدر سوى نحو 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويبرز ملف الطاقة ضمن أبرز التحديات التي تواجه المالية العامة في المراجعة الثامنة، وفق ما صرح به أحد المسؤولين. ففي ظل الأوضاع الراهنة التي تؤثر على أسواق الطاقة، تتجاوز أسعار النفط بكثير التقديرات التي بُنيت عليها الموازنة العامة، في حين تستمر الحاجة إلى التمويلات الضخمة من جانب الهيئة المصرية العامة للبترول، التي يصفها الصندوق بـ "المصدر الرئيسي للمخاطر المالية". فعلى الرغم من وصول أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة منذ أشهر، قررت الحكومة تثبيت أسعار الوقود حتى نهاية ديسمبر خلال المراجعة الربع سنوية الأولى منذ عودة لجنة التسعير التلقائي، إذ فضلت التركيز بدلا من ذلك على زيادة معدلات الإنتاج وترشيد الاستهلاك، بحسب المسؤول.
وأوضح المسؤول أن قرار رفع الأسعار محفوف بالمخاطر؛ فأي زيادة في أسعار الطاقة ستنعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج، مما يدفع معدلات التضخم للارتفاع. ولكن على الجانب الآخر، سيؤدي إرجاء خطط الإصلاح إلى صعوبة في تحقيق المستهدفات المالية المتفق عليها مع الصندوق. ويحذر مسؤول آخر من أن ارتفاع التضخم بوتيرة متسارعة مما قد يضطر البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة مجددا، وهو ما سيزيد أعباء تكلفة التمويل وخدمة الدين العام. وفي هذا السياق، أكد أحد المسؤولين أن الموازنة بين التداعيات الاقتصادية والاجتماعية هي التي ستحدد مسار إعادة هيكلة الدعم بغية تخفيف الضغوط المستقبلية على الموازنة العامة.
وينطبق النهج ذاته على قطاع الكهرباء؛ إذ يرجح المسؤولون أن تستقر أسعار الكهرباء المنزلية دون تغيير حتى نهاية العام المالي الجاري في يونيو، اعتمادا على الوفورات التي ستحققها الدولة من مشروعات الطاقة المتجددة، وذلك بعد الزيادة التي شهدتها مطلع أغسطس الماضي بمتوسط 12%. ووفقا للمسؤولين، نجحت وزارة الكهرباء في توفير 40 مليار جنيه خلال العام المالي الماضي بفضل إضافة 2 جيجاوات من قدرات الطاقة المتجددة للشبكة القومية.
ما بعد البرنامج
ولن تقتصر المراجعة على الأرقام الحالية فحسب، بل ستمتد لتشمل أيضا ضمان استمرارية التدفقات النقدية المستقرة لاقتصاد البلاد، بالإضافة إلى تقييم الصندوق خطة الحكومة لمرحلة ما بعد البرنامج، بحسب المسؤولين. وفي هذا الصدد، أشار أحدهم إلى أن "استدامة معدلات النمو، وخفض الدين العام بصورة منتظمة من حصيلة الطروحات الحكومية، وخلق حيز مالي مستقر لدعم الخطط المرتبطة بالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية"، تُعد من أبرز المؤشرات المستهدفة مع اقتراب البرنامج من نهايته. في حين لفت مسؤول آخر إلى أن التحول لنظام الدعم النقدي، المقرر تفعيله في يناير المقبل، سيتصدر الملفات المطروحة على طاولة المراجعة.
ماذا عن الترتيبات التالية لمراجعة ديسمبر؟ لا تبدو الحكومة متحمسة للانخراط في برنامج تمويلي جديد مع الصندوق خلال الفترة الراهنة، وفق ما ذكره أحد المسؤولين. وأوضح المسؤول أن التزام مصر بسداد أقساط قروضها يمنحها الحق في طلب تمويل إضافي مستقبلا، لكن هذا الخيار غير مطروح حاليا. وبدلا من ذلك، تعتزم الحكومة الاستفادة من الدعم الفني الذي يقدمه الصندوق لتنفيذ خطتها الخاصة بمرحلة ما بعد البرنامج.
ماذا ننتظر خلال الفترة المقبلة؟ من المرتقب وصول بعثة صندوق النقد الدولي في النصف الثاني من نوفمبر المقبل. وبموجب ترتيبات البرنامج، يُفترض نشر تعديل ضريبة المناطق الحرة بالجريدة الرسمية بنهاية نوفمبر، في حين ينتهي البرنامج رسميا في 15 ديسمبر.