Posted inإنتربرايز تشرح

نوسترو وفوسترو.. ما هي آليات عمل نظام المراسلة المصرفية؟

🏦 الوسيط الأمريكي في كل معاملة: في النظام المصرفي العالمي، تمر كل معاملة بالدولار يرسلها أي بنك إلى الخارج تقريبا عبر حساب في الولايات المتحدة، التي تتمتع بسلطة تحديد من يحق له الاحتفاظ بهذا الحساب وكأنها وسيط أو حلقة وصل تتحكم في مسار العملية. هذا هو التوجه الذي اتخذته شبكة مكافحة الجرائم المالية (فينسين) التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية في أواخر أغسطس الماضي، عندما اقترحت حظر تعامل حسابات المراسلة المصرفية الأمريكية مع فروع بنك مصر الخمسة في الإمارات.

تذكر — زعمت فينسين أن فروع البنك المصري عالجت معاملات بقيمة 1.8 مليار دولار تقريبا في الفترة من يناير 2024 إلى يونيو 2026 لصالح 103 شركات يشتبه في ارتباطها بشبكات مصرفية خفية تابعة لإيران. وفي أواخر سبتمبر الماضي، ذكرت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني العالمية أن القيود الأمريكية المقترحة على فروع بنك مصر في الإمارات سيكون لها تأثير محدود على التصنيف الائتماني للبنك، نظرا لأن هذه الفروع لا تمثل سوى أقل من 5% من أصول بنك مصر وصافي دخله.

تفكيك المفهوم

ما هي المراسلة المصرفية تحديدا؟ ببساطة، في ترتيبات المراسلة المصرفية، يحتفظ بنك ما (البنك المراسل) بودائع تعود لبنوك أخرى (البنوك المستجيبة) ويتولى إدارة المدفوعات والخدمات الأخرى نيابة عنها، وفقا لتعريف بنك التسويات الدولية. لتسوية هذه المعاملات عبر الحدود، تفتح البنوك حسابات دفترية ثنائية.

وجهان لعملة واحدة: يحتفظ البنك المستجيب بحساب نوسترو (حسابنا لديكم) لدى البنك المراسل، في حين يحتفظ البنك المراسل بحساب فوسترو (حسابكم لدينا) لصالح البنك المستجيب. فعندما يحتفظ بنك مصري مثلا بدولارات لدى بنك في نيويورك، فإنه يسجل هذا الرصيد كحساب نوسترو الخاص به، في حين يسجل البنك الأمريكي نفس المبلغ في حساب فوسترو الخاص به. عندما يدفع عميل البنك في القاهرة لجهة توريد بالدولار، يخصم بنك نيويورك من هذا الحساب ويرسل الأموال.

لماذا نيويورك؟ تسوى المعاملات بالدولار في النهاية في دفاتر البنوك الأمريكية، لذا فإن أي بنك غير أمريكي يرغب في تسوية معاملات ما بالدولار يحتاج إلى حساب هناك. وإقليميا يصعب تجنب التعامل بالدولار نظرا لكونه أكثر العملات استخداما في معاملات الصرف الأجنبي والمدفوعات عبر الحدود، وفقا للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. ويضع مؤشر الفيدرالي للاستخدام الدولي للعملات الدولار عند 64.9 نقطة، مقابل 23.9 نقطة لليورو و3.1 نقطة لليوان الصيني.

مثال عملي: إذا قام مستورد مصري بالدفع لجهة توريد في دولة ما بالدولار، فإن هذه المدفوعات يجب أن تمر عبر بنك مراسل يعتمد الدولار كوسيط، ما يضيف تكاليف وتأخيرات، وهي العقبات التي يحاول البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (أفريكسيم بنك) تجنبها من خلال خطط ربط نظامه الأفريقي للمدفوعات والتسوية بمصر عبر تطبيق إنستاباي.

هل تتراجع المراسلة المصرفية؟ انخفضت علاقات المراسلة المصرفية عبر الحدود بنحو الخمس على مدار العقد الماضي، وفقا لبنك التسويات الدولية، فيما يعرف باسم "تقليص المخاطر". ورغم استمرار نمو المدفوعات عبر الحدود، تتركز العلاقات الآن بين عدد أقل من البنوك العالمية المتخصصة في المعاملات، والسبب؟ قوانين مكافحة غسل الأموال وتطبيق العقوبات، إذ دفعت الحملات التنظيمية والغرامات التي فرضتها الولايات المتحدة بمليارات الدولارات البنوك العالمية إلى رفع مستوى معايير الامتثال.

تعد فروع بنك مصر في الإمارات أول هدف معلن للقطاع المالي ضمن عملية "المنبوذ الاقتصادي"، وهي حملة شنتها واشنطن لتضييق الخناق على إيران ماليا. وتعتبر أداة وزارة الخزانة — المتمثلة في المادة 311 من قانون باتريوت — واحدة من أكثر الأدوات نفوذا ضد التمويل الأجنبي غير المشروع، فعند اتخاذ قرار بموجبها ضد مؤسسة مالية أجنبية، يترتب على ذلك تدابير قد تشمل وقف التعامل بالدولار وهو الإجراء الأكثر صرامة.

شوكة في حلق أي بنك: عندما اقترحت فينسين الإجراء ذاته ضد بنك "إيه بي إل في" اللاتفي عام 2018، أثار ذلك موجة مفاجئة من سحب الودائع، وفقا لمجلس القرار الموحد التابع للاتحاد الأوروبي، وفي غضون 10 أيام فقط من الإقتراح، أعلن البنك المركزي الأوروبي أن البنك يواجه مخاطر التعثر بقوة.

ما يعنيه الاقتراح لفروع بنك مصر في الإمارات؟ عند تفعيل الإجراء، ستلزم فينسين المؤسسات المالية الأمريكية بإنهاء علاقات المراسلة المصرفية الخاصة بفروع بنك مصر في الإمارات. كما سيطلب من البنوك الأمريكية إجراء العناية الواجبة المشددة وإخطار أصحاب حسابات المراسلة الأجنبية رسميا بعدم قدرتهم على تمرير أي معاملات خاصة بفروع بنك مصر في الإمارات عبر قنوات المقاصة الأمريكية، ما يؤدي فعليا إلى إغلاق الوصول إلى التسوية العالمية بالدولار.

💡 يستثنى مقترح فينسين المقر الرئيسي لبنك مصر في القاهرة وعملياته في مصر والأماكن الأخرى من هذا الإجراء.

طوق النجاة؟ في أواخر سبتمبر الماضي، حصل البنك الأهلي المصري على موافقة مبدئية من مصرف الإمارات المركزي للاستحواذ على فروع بنك مصر في الإمارات. ورغم عدم الإشارة صراحة إلى الإجراء الأمريكي، اعتبر كثيرون هذه الخطوة بمثابة مسار فعال للخروج من الأزمة "ربما يكون الوحيد المتاح حاليا"، فيما نظر إليها البعض باعتبارها حلا سياسيا بحتا.

في مصر.. أصبحت قواعد مكافحة غسل الأموال أكثر صرامة: بعد أسابيع من مقترح فينسين، أصدرت وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب التابعة للبنك المركزي المصري إرشادات محدثة للعناية الواجبة بعملاء البنوك العاملة في مصر وفروعها الأجنبية. ويدمج الإطار رسميا الممارسات المصرفية الجديدة التي ظهرت منذ تعديلات عام 2020 على قانون مكافحة غسل الأموال، بما في ذلك إجراءات التعرف إلكترونيا على هوية العملاء. كما قننت القواعد أيضا سياسات قبول العملاء القائمة على المخاطر، والقواعد العامة لفتح الحسابات، واستخدام وكلاء مصرفيين من أطراف ثالثة لإجراء العناية الواجبة بالعملاء.

ماذا بعد؟ رغم إغلاق نافذة التعليقات في الأول من أكتوبر، لم تصدر فينسين حتى الآن قرارا نهائيا، فيما لم يُتخذ أي قرار حتى وقت النشر.