ما زال القطاع المالي في مصر يتريث في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي لحين صياغة الأطر التنظيمية، بحسب ما صرح به مسؤولون تنفيذيون خلال منتدى إنتربرايز مصر يوم الاثنين. إذ أوضح الرئيس التنفيذي لبنك "إتش إس بي سي مصر" تود ويلكوك أن استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي المصري ما زال "في مهده" نظرا إلى استمرار تحديد الإطار التنظيمي والقانوني"، مضيفا أن "الجميع يمر بمرحلة تريث مؤقت"، وهو ما يدفع البنك إلى الاكتفاء حاليا بتجربة هذه التقنيات في مشروعات صغيرة فقط.
أبرز العوائق
العائق التنظيمي: تفرض القواعد الحالية عدم إمكانية "استضافة بيانات العملاء على الخوادم السحابية العامة" وحتمية الاحتفاظ بها داخل البنوك أو على خوادم سحابية محلية نظرا إلى حساسيتها، وفق ما أشار إليه الرئيس التنفيذي للأسواق المحلية والإقليمية في بلتون القابضة خليل البواب خلال مشاركته في المنتدى. ومن جانبها، أوضحت ميرنا عارف المديرة العامة لأسواق النمو بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا لدى مايكروسوفت أن الشركات المستعدة للتحول الرقمي "ترغب في المضي قدما، غير أن القواعد التنظيمية تقف عائقا أمامها". وأضافت أن معالجة هذا الأمر تتطلب المضي قدما بالتوازي في وضع السياسات، وتدريب العاملين بالقطاع، ورفع جاهزية الكوادر، على أن تصبح القواعد التنظيمية هي "المحرك الفعلي للتحول". وفي المقابل، يرى البواب "فرصة" لتأسيس بنية تحتية متوافقة مع الاشتراطات منذ البداية، مؤكدا أن الجهات الرقابية "منفتحة للغاية تجاه هذه التطورات".
العائق الهيكلي: وحتى لو تلاشت العوائق التنظيمية غدا، سيصطدم القطاع بعائق هيكلي آخر يتمثل في اعتماد غالبية البنوك على أنظمة تقنية متهالكة تتنوع مشكلاتها بين عدم اتساق البيانات والشفرات البرمجية غير الموثقة والمنصات المتقادمة. ويرى الرئيس التنفيذي لشركة كابجميني مصر حسام سيف الدين أن تبني الذكاء الاصطناعي عبر هذه المنصات أمر غير ممكن دون بناء أساس متين أولا، وهو ما يتطلب وقتا واستثمارات لم تلتزم بهما سوى عدد قليل من المؤسسات حتى الآن.
عوائق المسؤولية والمحاسبة: عندما تشارك أداة ذكاء اصطناعي في اتخاذ قرار مالي، فإن تحديد المسؤول عن تبعاته ليس مجرد مسألة نظرية. وفي هذا الصدد، تساءل البواب قائلا: "من الذي سيتعرض للمقاضاة؟ إنه العضو المنتدب أو الرئيس التنفيذي للشركة، وليس الآلة". واتفق معه ويلكوك، موضحا أن الذكاء الاصطناعي لا يعالج قصور الحوكمة، إذ إن "غياب الحوكمة والمساءلة لا ينتج عنه سوى تعجيل الوقوع في القرارات الخاطئة".
غير أن هذا التحول يجري بالفعل سواء أقرته البنوك رسميا أم لا، بحسب ما يراه الشريك الإداري في ألجبرا فينتشرز عمر خشبة، الذي أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي بات "يتخذ قرارات" داخل بعض المؤسسات اليوم. وأضاف أن الشركات التي تنجح في استخلاص طريقة الحكم التقديري البشري (أي الذاكرة المؤسسية لدوافع اتخاذ القرارات المختلفة) ستحظى بميزة تنافسية مستدامة مع زيادة انتشار نماذج الذكاء الاصطناعي. إلا أن كل ذلك لا يغير من حقيقة المسؤول النهائي، إذ يشدد خشبة على أن "المسؤولية تقع بالكامل على عاتق العنصر البشري بنسبة 100%".
تكلفة التأخير
كما أن التباطؤ في التحرك ينطوي على مخاطر لا تقل جسامة؛ إذ عقد ويلكوك مقارنة بمرحلة تحول تكنولوجي سابقة، حين كان المصرفيون يعتمدون على جداول ورقية لحساب التمويل العقاري، وعندما ظهرت الآلات الحاسبة المالية "عجز نصف المصرفيين عن التكيف واستكمال المسيرة". وحذر ويلكوك قائلا: إن لم تكن قادرا على مواكبة التطور والتعلم، فستتخلف عن الركب.
السياق: بالتوازي مع فترة الانتظار التي تمر بها البنوك، يبرز تطوران مهمان؛ الأول يحمل تحذيرا عالميا، إذ نبهت وكالة موديز في أغسطس إلى أن اندفاع البنوك نحو الذكاء الاصطناعي يهدد بخلل يتمثل في "الاعتماد المفرط" على عدد محدود من مزودي الخدمات السحابية الذين يتكبدون خسائر مستمرة في وادي السيليكون، وهي مخاطر تعكس مخاوف الحوكمة التي أثارها المتحدثون في المنتدى. أما التطور الثاني، فيتمثل في أن الجهات الرقابية المصرية لا تقف مكتوفة الأيدي على صعيد التحول الرقمي الشامل؛ إذ اعتمد البنك المركزي المصري في الشهر ذاته قواعد جديدة للتحقق من هوية العملاء عبر الإنترنت، مما أتاح للبنوك التحقق من هوية العملاء بالكامل عبر الإنترنت، إلى جانب إصدار تراخيص لبنوك رقمية وإتاحة البيئة التنظيمية التجريبية لدعم الابتكار في الخدمات المالية.. وإجمالا، تتواصل عملية بناء الإطار الرقمي الأوسع، في حين تظل قواعد الذكاء الاصطناعي هي الجزء الذي لا يزال قيد الدراسة.