Posted inإنتربرايز تشرح

ما بين التنمية ورهان الاستدامة.. نظرة على اقتصاد مصر الأزرق

🛳️ تمتلك مصر قاعدة واسعة من الموارد والأنشطة البحرية والمائية، تتنوع بين قناة السويس والموانئ والنقل البحري والصيد والاستزراع السمكي والسياحة الساحلية، فضلا عن تحلية المياه والطاقات المتجددة وحماية النظم البيئية. ورغم الأهمية الاقتصادية لهذه الأنشطة، إلا أنها ظلت لسنوات تدار وتقاس كقطاعات منفصلة، دون دمجها ضمن منظومة اقتصادية شاملة.

في هذا السياق، تتجه الحكومة حاليا إلى بناء إطار مؤسسي أكثر تكاملا للاقتصاد الأزرق، بالتعاون مع البنك الدولي وشركاء دوليين، بالتوازي مع إعداد استراتيجية وطنية شاملة للقطاع، وإجراء دراسات دقيقة لقياس مدى مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.

ما هو الاقتصاد الأزرق؟

يمثل الاقتصاد الأزرق الاستغلال المستدام للموارد البحرية والمائية بهدف تحفيز النمو الاقتصادي، وتحسين سبل العيش وتوفير فرص العمل، بالتوازي مع صون سلامة النظم البيئية البحري. ورغم غياب تعريف عالمي موحد يحصر كافة القطاعات التي يغطيها هذا المفهوم، يمكن تلخيصه في معادلة واحدة: الموازنة بين التعظيم الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية.

تعكس القيمة الاقتصادية للموارد والأنشطة المرتبطة بالمحيطات والسواحل عالميا حجم هذا القطاع، إذ يساهم الاقتصاد القائم على المحيطات بنحو 1.5 تريليون دولار سنويا في الاقتصاد العالمي، وفق تقديرات الأمم المتحدة، مع توقعات بارتفاعها تلك المساهمة إلى نحو 3 تريليونات دولار بحلول 2030.

محليا.. يتجاوز هذا المفهوم البحار والمناطق الساحلية ويشمل الموارد المائية الداخلية، إذ تتنوع قطاعات الاقتصاد الأزرق المصري بين:

  • قطاعات رئيسية: تشمل الصيد البحري والاستزراع السمكي والنقل البحري والموانئ وقناة السويس والسياحة الساحلية.
  • قطاعات مكملة: تضم الخدمات اللوجستية وصناعة وصيانة السفن والنقل النهري.
  • قطاعات مستقبلية: تشمل التكنولوجيا الحيوية البحرية والطاقة المتجددة وتحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف.

يكتسب هذا التنوع أهمية خاصة بالنسبة لنا، إذ تتوزع عوائد الاقتصاد الأزرق بين إيرادات قناة السويس ودعم الأمن الغذائي من خلال الاستزراع السمكي وتوفير النقد الأجنبي وفرص العمل عبر السياحة الساحلية وتحلية المياه. وفي المقابل، تظل استدامة هذه العوائد مرهونة بالكامل بالحفاظ على سلامة الشعاب المرجانية والمصايد والشواطئ وجودة البيئة المائية.

بالأرقام

رغم عدم وجود تقديرات رسمية لمساهمة الاقتصاد الأزرق في الناتج المحلي الإجمالي حتى الآن، يمكن تقدير القيمة الاقتصادية للقطاع الأزرق عبر تفكيك ركائزه ومكوناته.

تعد قناة السويس المثال الأوضح على المورد المائي عندما يتحول إلى أصل اقتصادي مباشر، إذ بلغت إيراداتها نحو 4.8 مليار دولار في العام المالي 2025/2026، بزيادة 23% عن العام السابق الذي سجلت فيه نحو 3.6 مليار دولار. كما حققت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أعلى إيرادات في تاريخها بنحو 15.9 مليار جنيه في 2025/2026.

في قطاع الأسماك، بلغ إنتاج مصر نحو مليوني طن سنويا عام 2025، منها بينها 1.6 مليون طن من الاستزراع السمكي بما يقارب 80% من الإجمالي، في مقابل 426 ألف طن من المصايد الطبيعية (نحو 20%). وقدرت وزارة الزراعة نسبة الاكتفاء الذاتي من الأسماك بنحو 93.5%.

وفي قطاع السياحة، استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح خلال عام 2025 بزيادة 21% عن العام السابق، وإيرادات قاربت 18.5 مليار دولار. وواصلت الأرقام ارتفاعها في 2026، إذ بلغ عدد السياح 12.7 مليون خلال الفترة من يناير إلى أغسطس بإيرادات بلغت نحو 12 مليار دولار. وتشكل السياحة الشاطئية وحدها أكثر من 90% من الأنشطة السياحية.

تحلية المياه: شهدت مصر قفزة نوعية في هذا المجال، إذ ارتفعت الطاقة الإنتاجية المحققة من نحو 84 ألف متر مكعب يوميا عام 2014 لتتجاوز مليون متر مكعب يوميا في 2026. وتعكف الدولة على تنفيذ 14 مشروعا جديدا بالشراكة مع القطاع الخاص بقدرة إجمالية تبلغ 2.36 مليون متر مكعب يوميا، استهدافا لرفع الإنتاج تدريجيا.

مع التوسع تأتي التحديات: لا يقترن استغلال الموارد المائية بالضرورة بالممارسات المستدامة أو منخفضة التكلفة، إذ تتطلب تحلية المياه كميات كبيرة من الطاقة، كما يفرض التخلص من المياه شديدة الملوحة الناتجة عنها المعروفة بالرجيع الملحي تحديات بيئية أخرى. لذلك، ترتبط الجدوى الاقتصادية والبيئية للتوسع في التحلية بتطوير تقنيات أكثر كفاءة، والاعتماد على مصادر طاقة منخفضة التكلفة والانبعاثات وإدارة الرجيع الملحي بطرق أكثر استدامة.

الطاقة والموانئ والخدمات البحرية: تشكل الطاقة المتجددة إحدى أبرز ركائز التوسع في الاقتصاد الأزرق، سواء من خلال إقامة مزارع الرياح في المناطق الساحلية، أو الاستثمار في إنتاج الهيدروجين الأخضر المرتبط بالموانئ ومراكز التصدير الاستراتيجية. وتعمل الحكومة على تحديث البنية التحتية للموانئ وربطها بالمناطق اللوجستية والصناعية، لتتحول الموانئ من مجرد منافذ ترانزيت للبضائع إلى مراكز متكاملة تقدم خدمات التخزين والصناعات التكميلية والصيانة والنقل متعدد الوسائط.

البيئة كأداة للقياس الاقتصادي

ماذا يحدث إذا تدهورت الموارد التي يقوم عليها هذا النشاط؟ لا ينفصل المسار البيئي عن الاقتصاد الأزرق، بل يرتبط مباشرة بقدرته على الاستمرار والتطور. وتواجه المناطق الساحلية المصرية ضغوطا متزايدة بفعل التوسع العمراني والسياحي والصناعي وأنشطة الموانئ والنقل البحري والاستزراع السمكي، ما يجعل الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية ضرورة للحد من هذه الضغوط.

كما يضيف تغير المناخ وتآكل السواحل وما يترتب عليهما، من أضرار للشواطئ والبنية التحتية والمناطق السكنية والزراعية الساحلية ضغوطا إضافية. لذلك، لا تقاس قيمة الاقتصاد الأزرق بحجم الإيرادات التي تحققها الأنشطة المرتبطة بالمياه فحسب، بل أيضا بتكلفة الحفاظ على الموارد والنظم البيئية التي تعتمد عليها هذه الأنشطة.

لم يعد التحول نحو الاقتصاد الأزرق في مصر رفاهية تنموية أو خيارا أكاديميا، بل استراتيجية حتمية تفرضها التحديات البيئية والاقتصادية، إذ يبقى الرهان الحقيقي متمثلا في الاستدامة والنجاح في تحويل هذا المفهوم إلى واقع يعتمد بالأساس على تحقيق التوازن بين زيادة العوائد الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية.