Posted inالخبر الأبرز هذا الصباح

ممر العرب والبلقان يمهد طريقا جديدا لتجارة مصر مع أوروبا

تبلورت مساعي مصر للتوسع في أسواق أوروبا الشرقية والبلقان الأسبوع الماضي مع تدشين مبادرة ممر العرب والبلقان، وهو مسار تجاري موحد يدمج بين النقل البحري والسكك الحديدية والطرق البرية، أسسه القطاع الخاص لربط الموانئ المصرية بجنوب وشرق أوروبا. وشهدت الفعالية التي نظمتها شركة "بي دي إس هولدنج بي في" الهولندية واتحاد الغرف العربية في فندق النيل ريتز كارلتون بالقاهرة يومي 29 و30 سبتمبر، حضور وزراء ومسؤولي هيئات الموانئ وممثلي القطاع الخاص لبحث الخطوات اللازمة لبدء تشغيل الممر.

كيف تسير حركة البضائع؟ تبدأ الرحلة بتجمع البضائع في المنافذ المصرية، وبصفة أساسية في بورسعيد والإسكندرية، لتُنقل بحرا إلى ميناء سالونيك في اليونان، ثم تُشحن عن طريق السكك الحديدية عبر الممر الأوروبي العاشر، مرورا بالعاصمة البلغارية صوفيا ومدينة نيش الصربية، وصولا إلى أسواق البلقان والاتحاد الأوروبي.

أهمية الخطوة: رغم تنامي حجم التجارة بين الدول العربية والاتحاد الأوروبي، لا يزال شحن البضائع بين الجانبين أبطأ وأعلى تكلفة مقارنة بالشحن الداخلي بين الدول الأوروبية، بسبب غياب التنسيق بين شركات الشحن وتعقيد التعريفات وتباين الأنظمة الجمركية، وفقا لمنظمي الممر التجاري. ويشير المنظمون إلى ثلاثة تطورات تجعل من هذا المسار المنظم خيارا عمليا في الوقت الراهن؛ يأتي في مقدمتها اتفاقية التجارة الحرة بين مصر وصربيا التي بدأ سريانها في سبتمبر 2025، والتي تعفي ما يقرب من نصف المنتجات الزراعية و30% من السلع الصناعية من الرسوم الجمركية، على أن تتجاوز هذه النسبة أكثر من 90% لكلا القطاعين خلال 10 سنوات. وتكمن أهمية هذه الخطوة في كون صربيا نقطة النهاية لكلا المسارين. أما ثانيها، فيتمثل في ربط ميناء سالونيك بالممر الأوروبي العاشر، فيما يتعلق ثالث هذه التطورات بوضع إطار مؤسسي ورقمي لتنظيم العمل على المسار.

طريق آخر إلى البلقان

طريقان وسوق واحدة: يتصل ممر العرب والبلقان بالممر الأوروبي العاشر من الجنوب عبر مدن سالونيك وصوفيا ونيش. وثمة مسار منفصل قائم على التعاون بين الحكومات، يستهدف الوصول إلى صربيا من الجانب الآخر للبلقان، عبر ميناء بار الرئيسي في مونتينيجرو، وصولا إلى خط السكك الحديدية الرابط بين بلجراد وبار، ليلتقي بالممر العاشر في بلجراد. لكن المشروعين لا يزالان في مرحلتين مختلفتين؛ إذ يقود القطاع الخاص مشروع ممر العرب والبلقان ويدعمه مشغلون تجاريون بخط سير معلن. وفي المقابل، لا يزال المسار المار عبر مونتينيجرو في مرحلة مذكرات التفاهم بين الحكومات، ولم يُحدد بعد اسم شركة الشحن أو يُعلن عن جدول الرحلات البحرية الخاص به.

السياق: وقعت هيئة ميناء الإسكندرية وهيئة موانئ مونتينيجرو في أواخر يوليو مذكرة تفاهم للتعاون في مجالات إدارة الموانئ خلال زيارة رئيس جمهورية الجبل الأسود ياكوف ميلاتوفيتش إلى القاهرة، في أول قمة بين البلدين منذ استقلال مونتينيجرو عام 2006. وشملت الاتفاقية أيضا ملف التحول الرقمي وإنشاء خط ملاحي مباشر بين الإسكندرية وبار، إلى جانب مباحثات لتوسيع التعاون الاقتصادي. وتظهر قاعدة البيانات الإحصائية لتجارة السلع الأساسية أن واردات مصر من مونتينيجرو بلغت 542.9 ألف دولار فقط في عام 2025، وكانت معظمها من الأخشاب.

اتفاق مبدئي وحذر مبرر: صحيح أن وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي ورئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية أحمد الوكيل وصفا اتفاقية الموانئ بأنها بوابة لأسواق شرق ووسط أوروبا، حذر محللو سلاسل التوريد من أن مذكرة التفاهم لا تتضمن أي التزامات من شركات الشحن أو حصص استثمارية فعلية.

في تعليقه لنشرة إنتربرايز الصباحية، قال محلل سلاسل التوريد فولفجانج ليماخر إن "ميناء بار صغير وغير مستغل بالكامل، وتتقاطع فيه بالفعل مصالح أربع أطراف خارجية؛ تتمثل في منح من الاتحاد الأوروبي للسكك الحديدية، وقرض صيني لتمهيد الطريق، وامتياز تركي لتشغيل محطة الحاويات، ومذكرة تفاهم خليجية للتحديث". وأضاف: "مصر هي الطرف الخامس، غير أن مذكرة التفاهم التي وقعتها هي الأقل إلزاما بين الترتيبات الخمس"، لافتا إلى أن الممرات التجارية تُبنى على أساس انتظام وتيرة الرحلات، وسرعة التخليص الجمركي، وحركة قطارات الشحن المتجهة إلى بلجراد، وليس مجرد التوقيع على الاتفاقيات.

منافسة قوية بين الموانئ: يرى لارس ينسن، الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوتشي ماريتايم، أن سوق مونتينيجرو صغيرة جدا لدرجة لا تبرر تدشين مسار تجاري خاص بها، لذا يكمن الرهان في استغلالها للوصول إلى أسواق أوروبية أوسع. وهذا تحديدا هو ما يضع ميناء بار أمام "منافسة شديدة"؛ إذ يتمتع ميناءا بيريوس في اليونان وجويا تاورو في جنوب إيطاليا بمواقع أفضل لإعادة شحن البضائع، في حين يعد ميناءا كوبر في سلوفينيا ورييكا في كرواتيا "بوابتين تجاريتين راسختين وأقرب بكثير إلى أسواق وسط أوروبا". فضلا عن أن خطط ألبانيا لتوسيع ميناء دوريس، الواقع على الساحل بالقرب من بار، ستضيف منافسا آخر إلى الساحة.

تراجع حركة الشحن على خط السكك الحديدية الرئيسي: يعود خط السكك الحديدية الحيوي الرابط بين بلجراد وبار إلى الحقبة اليوغوسلافية، حينما كان ينقل نحو 30% من حركة الحاويات في صربيا، لكنه يشهد حاليا تراجعا في نشاطه. فقد انخفض حجم الشحن بالسكك الحديدية عبر هذا الخط إلى 233 ألف طن في الربع الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 308 آلاف طن في الفترة ذاتها من العام السابق. ويضخ الاتحاد الأوروبي 175.6 مليون يورو — موزعة بين قرض من بنك الاستثمار الأوروبي ومنحة من المفوضية الأوروبية — للمساهمة في مشروع بقيمة 230.8 مليون يورو لتحديث خط السكك الحديدية بين بار وجولوبوفتسي قرب بودجوريتسا، في حين يغطي البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وحكومة مونتينيجرو التكلفة المتبقية. وفي غضون ذلك، قدمت الصين قرضا بقيمة 687 مليون يورو لإنشاء الطريق السريع الرابط بين بار وبولياري، الذي يمتد عبر الممر البري ذاته.

ولفت ليماخر إلى وجود "ثلاثة عوامل قد تجعل من الاعتماد على ميناء بار استثمارا مجديا؛ وهي وجود خط سكك حديدية فعال يربطه ببلجراد، واعتماد الإنتاج الصناعي الصربي على الموانئ المطلة على البحر الأدرياتيكي، واستمرار الاضطرابات في قناة السويس لفترة طويلة". وأضاف: "لا يتحقق أي من هذه الشروط في الوقت الحالي".

لكن تظل أمام ميناء بار فرص لخدمة أسواق البلقان. في تعليقه لإنتربرايز، أشار ينسن إلى أن الميناء "قد يكون خيارا ملائما لبعض دول البلقان، لا سيما صربيا وكوسوفو وألبانيا وأجزاء من البوسنة والهرسك".

تراجع إيرادات السويس يدفع مصر لتنويع مسارات التجارة

يمثل التوسع في أسواق البلقان جزءا من عملية إعادة توجيه استراتيجية أوسع نطاقا تنتهجها مصر منذ أن تلقت إيرادات قناة السويس ضربة قوية؛ في ظل تراجع إيرادات الممر الملاحي من 10.2 مليار دولار في عام 2023 إلى 4 مليارات دولار في عام 2024، قبل أن تتعافى لتصل إلى 4.8 مليار دولار فقط في عام 2025، وهو مستوى يظل أقل من معدلات ما قبل الأزمة. ويوضح ليماخر أن "حركة العبور عبر قناة السويس لا تزال أقل بنحو 40% من مستويات ما قبل الأزمة، مما يدفع مصر للتحول من الاعتماد على رسوم العبور إلى تعزيز قدراتها بوصفها مركزا لوجستيا". وأضاف: "مصر تستثمر في منافذ خارجية وتحافظ على استقرارها في الداخل، ويعد ميناء بار إحدى الخطوات المحدودة ضمن هذه الاستراتيجية، وليس بديلا يعوض خسائر السويس".

تتجسد هذه الاستراتيجية محليا في محطة تحيا مصر بميناء الدخيلة في الإسكندرية، بطاقة استيعابية تبلغ 1.5 مليون حاوية مكافئة، في حين لا تزال الحكومة تسيطر على حصة مجمعة تبلغ 42.9% في مواجهة مساعي مجموعة موانئ أبوظبي للسيطرة على شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع. وتضمن هذه الأصول لمصر الاحتفاظ بقدرات لوجستية تحت سيطرتها لضمان تصدير منتجاتها الصناعية المحلية.

أما على الصعيد الخارجي، فتمتد هذه الاستراتيجية لتشمل مناطق أخرى على طول البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ويتضمن هذا تدشين خط شحن مباشر مع إريتريا، وتأمين موطئ قدم في محطة حاويات دوراليه متعددة الأغراض في جيبوتي، وبحث إنشاء خط ملاحي بين سفاجا ودار السلام لربط الموانئ المصرية بالمسارات البرية الممتدة من تنزانيا إلى زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وبوروندي وأوغندا؛ وهي سوق تضم مجتمعة أكثر من 250 مليون نسمة.