Posted inبنية تحتية

لهذا السبب قد تنقطع الكهرباء عن غرفة معيشتك عند نقص الغاز

حين تنقطع الكهرباء يفكر جميعنا في التفسير المعتاد: لا يوجد ما يكفي من الغاز. بالتأكيد سمعت هذا التبرير مرارا وتكرارا لدرجة أن العلاقة بين الأمرين لم تعد بحاجة إلى شرح. لكن خلال انتظارك عودة الكهرباء لشحن هاتفك وإعادة تشغيل مكيف الهواء، ربما تكون قد سألت نفسك: كيف أصبح الغاز هو الوقود الذي يعتمد عليه الجزء الأكبر من شبكة الكهرباء في البلاد، ولماذا لا يمكننا ببساطة حرق نوع آخر من الوقود؟

تتبع مسار الكهرباء عبر الكابلات لتصل إلى ذلك القرار الذي اتخذته مصر قبل عقود: أن تبني شبكة الكهرباء اعتمادا على الوقود القابع تحت أراضيها وقاع بحارها. وبدت هذه فكرة منطقية إلى أن كشف تراجع الإمدادات عن مدى سهولة انقطاع الكهرباء عن المنازل بسبب أي أزمة في حقول الغاز.

يعود ذلك إلى أن محطات الكهرباء أصول باهظة التكلفة لا ينبغي تركها متعطشة للوقود. فرغم امتلاك مصر قدرات توليد مركبة تبلغ نحو 59.7 جيجاوات في يونيو 2024، ظلت الأسر ترتب أيامها حينها وفقا لجداول انقطاع التيار الكهربائي. وفي ذلك الشهر، قدرت الحكومة تكلفة واردات الغاز والمازوت اللازمة للتوقف عن تخفيف الأحمال بنحو 1.18 مليار دولار. وأكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي امتلاك مصر ما يكفي من قدرات التوليد ومرافق البنية التحتية بالشبكة، إلا أنها تفتقر للوقود اللازم لتلبية الطلب.

يأتي أربعة أخماس الوقود الذي تحتاجه إمدادات الكهرباء من نوع واحد فقط. إذ أسهم الغاز الطبيعي بنسبة 79.1% من الوقود الذي استهلكته محطات الكهرباء المشمولة في تقرير الشركة القابضة لكهرباء مصر للعام المالي 2024-2025، عند قياس الكميات بوحدة الطن من الوقود المعادل، ويمثل هذا انخفاضا عن نسبة الغاز الطبيعي في العام المالي 2023-2024.

السياق: شكل الاستهلاك المنزلي 38.9% من الكهرباء المستهلكة في شهر مايو، تلاه القطاع الصناعي بنسبة 27.3%، وفقا لنشرة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (بي دي إف). ويستحوذ القطاعان معا على حوالي ثلثي استهلاك الكهرباء، ما يضع المنازل والمصانع في صدارة احتياجات البلاد من الطاقة.

كيف هيمن الغاز على المشهد؟

حدث ذلك قبل اكتشاف حقل ظهر بسنوات طويلة؛ فاكتشافات التسعينيات وأوائل القرن الحالي شجعت الحكومة على التوسع في استخدام الغاز المحلي، إلى جانب تطوير خطوط الأنابيب والعمل على تصدير الغاز الطبيعي المسال، وفقا للبنك الدولي. وبحلول عام 2014، كان توليد الكهرباء يستحوذ على نسبة 57% من استهلاك الغاز المحلي، بينما كان الغاز يمثل نحو ثلاثة أرباع احتياطيات مصر البترولية المؤكدة عند قياس الكميات بوحدة الوقود المعادل. واتجاه الدولة إلى بناء منظومة الطاقة اعتمادا على الغاز المحلي وفر لها وسيلة لتحويل هذا المورد إلى كهرباء، وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.

السر يكمن في حرق الغاز ذاته مرتين؛ فقد شكلت محطات الدورة المركبة نحو 53% من قدرات التوليد المركبة في البلاد بنهاية يونيو 2025، لكنها وفرت قرابة 67% من الكهرباء خلال العام المالي، وفقا للشركة القابضة لكهرباء مصر. تحرق هذه المحطات الغاز لتشغيل توربين، ثم تستخدم حرارة العوادم الناتجة لإنتاج البخار وتشغيل توربين آخر، لتولد بذلك كهرباء إضافية من حرارة كانت ستُهدر لولا ذلك.

ومن المرجح أن الكهرباء التي تستهلكها اليوم وفرتها لك واحدة من المحطات الثلاث التي طورتها شركة سيمنز وشركاؤها عام 2018، وهي محطات بني سويف والبرلس والعاصمة الإدارية الجديدة، التي يبلغ إجمالي قدراتها 14.4 جيجاوات، وتصل نسبة كفاءتها إلى أكثر من 60%. هذه الكفاءة في التوليد تعني الحاجة إلى كميات أقل من الوقود لكل وحدة من الكهرباء، وهو استثمار مفيد في بلد مثل مصر، يكافح بالفعل لضمان إمداد محطات الكهرباء بالوقود. وهذه المحطات الثلاث وحدها وفرت نحو ثلث احتياجات مصر من الكهرباء في العام المالي 2024-2025.

التوقيت مهم: وُقعت الاتفاقية الرئيسية مع سيمنز في يونيو 2015، أي قبل قرابة ثلاثة أشهر من إعلان شركة إيني عن اكتشاف حقل ظهر. وبدأ الحقل إنتاجه في ديسمبر 2017، قبل فترة وجيزة من اكتمال المحطات الثلاث. بهذا غذى حقل ظهر تلك المنظومة المتنامية، لكنه لم يكن السبب وراء اتخاذ قرار بناء تلك المحطات.

وتتغذى هذه المحطات الآن على الواردات. فيقول جيه بي لاكوتور، المحلل لدى كبلر، في تعليقاته لنشرة إنتربرايز: "رغم أن مصر ستضطر بذلك على الأرجح إلى شراء المزيد من الغاز الطبيعي المسال خلال الصيف مقارنة بالشتاء ومواسم اعتدال الطلب، فإنها ستستمر في استخدام الغاز الطبيعي المسال لتوليد الأحمال الأساسية في المستقبل المنظور"، موضحا أن استخدام الغاز الطبيعي المسال في قطاع الكهرباء يتيح لمصر الاعتماد بشكل أكبر على توربينات الغاز ذات الدورة المركبة الأحدث والأكثر كفاءة، بدلا من استخدام المازوت والسولار في المحطات الأقل كفاءة. ولهذا فربما يكون مصدر الوقود نفسه قد تغير، لكن المعدات القائمة عليه ما زالت هي نفسها.

للكهرباء الرخيصة ثمن كذلك

لم تكن الكهرباء التي تستهلكها في الماضي رخيصة أبدا. إذ تشير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى أن مصر استخدمت دعم الطاقة لعقود كشكل من أشكال الحماية الاجتماعية وتقاسم الثروة. لكن هذه الأسعار شجعت أيضا على الاستهلاك وزادت من العبء المالي؛ فالكهرباء الرخيصة بالنسبة للمستهلك لم تكن رخيصة بالنسبة للدولة. وتوثق الشركة القابضة لكهرباء مصر التأجيلات المتكررة للزيادات المقررة في تعريفة الكهرباء بهدف تخفيف العبء الاقتصادي عن كاهل المواطنين.

وقد كانت هناك مؤشرات واضحة قبل أزمات نقص الطاقة الأخيرة؛ فيحدد تقرير الوكالة نقص الوقود كأحد أسباب انقطاع التيار الكهربائي في عام 2014، إلى جانب قيود البنية التحتية والطلب المتزايد. وشملت استجابة الحكومة وقتها استئجار محطات عائمة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، فضلا عن إضافة قدرات توليد جديدة. ثم تراجع إنتاج مصر من الغاز من ذروته في عام 2021، مما أدى لزيادة الاعتماد على الواردات.

لكن الغاز قبل أن يصل إلى مقابس الكهرباء في منزلك يعبر المحيط في صورة سائلة. والاعتماد على الاستيراد له سلسلة توريد مادية وأخرى مالية. إذ يجب أن تنتقل شحنة الغاز من الناقلة إلى محطة التغويز، ثم إلى شبكة الغاز، لتصل أخيرا لمحطة الكهرباء، وتوفر محطات التغويز العائمة الأربع في مصر حلقة الوصل بين الغاز الطبيعي المسال المستورد ومنظومة الكهرباء المحلية. أما على الصعيد المالي، فأرجعت الشركة القابضة لكهرباء مصر ارتفاع نسبة المطلوبات إلى حقوق الملكية في العام المالي 2024-2025 إلى تزايد التزاماتها، لا سيما المبالغ المستحقة لموردي المواد البترولية.

لماذا لا نحرق المازوت فحسب؟

مصر تقوم بذلك بالفعل: استهلكت محطات الكهرباء في مصر 7.49 مليون طن من المازوت في العام المالي 2024-2025، بزيادة تقارب 30% على أساس سنوي، مقارنة بنحو 5.74 مليون طن في العالم السابق له. كما قفز استهلاك السولار بنحو 152% ليصل إلى 253 ألف طن. هذا يعني أن الشبكة باتت تحرق كميات أكبر بكثير من المازوت، لكن يظل الغاز هو الوقود المهيمن.

هذا التحول كان خطوة متعمدة لجني أرباح التصدير؛ ففي عام 2022، زادت الحكومة من استخدام المازوت لتوفير المزيد من الغاز للتصدير، في الوقت الذي كانت تسعى فيه أوروبا لإيجاد بدائل للإمدادات الروسية. ورجحت الكفة الاقتصادية خيار حرق المازوت الأرخص محليا وبيع الغاز في الخارج، مما ساعد في جني العملة الصعبة الشحيحة. وبالتالي، يعد المازوت أكثر من مجرد خيار احتياطي لحالات الطوارئ، كما أن الغاز ليس دائما الخيار الأرخص.

💡 تشبه التوربينات السيارة أكثر مما تشبه الموقد؛ فهي تعمل بالوقود الذي صُممت لاستخدامه. وأنواع الوقود لا يمكن التبديل فيما بينها بسهولة؛ فالمازوت والسولار والنفط الخام كلها لها خصائص مختلفة، وقدرة أي محطة على حرق أحدها لا تعني بالضرورة قدرتها على حرق الأنواع الأخرى.

ويُعد النفط الخام الأقل فائدة من بين الأنواع الثلاثة. فبالنسبة للمحطات التي تستخدم المنتجات البترولية المكررة، يجب أولا تحويل أي كميات إضافية من النفط الخام إلى الوقود المناسب، ثم نقلها إلى محطة مجهزة لحرقها. ولا تمتلك مصر احتياطيات غير محدودة من النفط على أي حال؛ إذ تحولت إلى مستورد للنفط الخام في عام 2020. فإن الاستعاضة عن نقص الغاز بزيادة استهلاك السولار أو المازوت لا تلغي الحاجة إلى الاستيراد، بل تغير متطلباته فقط.

كيف يؤثر عجز الوقود على الكهرباء في منزلك

لا تمتلك شبكة الكهرباء مستودعات للتخزين. فالكهرباء التي تستهلكها يجب أن تُولد في اللحظة ذاتها. ويتحول نقص الوقود إلى نقص في الكهرباء عندما تعجز الشبكة عن سد هذه الفجوة. إذ يجب أن تواكب إمدادات الكهرباء الطلب للحفاظ على استقرار الشبكة. وإذا كان نقص الوقود يعني تراجع قدرات التوليد، وعجزت الإمدادات البديلة عن تعويض هذا النقص، فيجب أن ينخفض الطلب، سواء طواعية أو عبر قطع التيار الكهربائي. ولا يمكن لمعدات التوليد الاحتياطية أن تعالج هذا النقص دون وجود وقود لتشغيلها.

كما أن القدرات الاحتياطية نفسها أقل بكثير مما تبدو عليه. إذ أفادت الشركة القابضة لكهرباء مصر بأن إجمالي القدرات المركبة بلغ 60.8 جيجاوات في العام المالي 2024-2025، بينما بلغت ذروة الأحمال 38 جيجاوات. وصحيح أن إجمالي القدرات المركبة يقيس إجمالي ناتج محطات التوليد، لكن ما يمكن توليده فعليا يعتمد على إمدادات الوقود ومدى جاهزية المعدات. وفي أغسطس الماضي، تجاوزت ذروة الأحمال 40 جيجاوات، محققة زيادة بلغت نحو 2 جيجاوات عن ذروة العام المالي 2024-2025.

لكل هذا فإن الخطوة التالية تتمثل في خفض احتياجات الغاز اللازمة لتوفير نفس القدر من إمدادات الكهرباء. ويهدف برنامج مصري جديد مدعوم من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى الاستغناء عن 5 جيجاوات من قدرات التوليد غير الفعالة العاملة بالوقود الأحفوري، ودعم تركيب 10 جيجاوات من قدرات الطاقة المتجددة بحلول عام 2028، إلى جانب الاستثمار في الشبكة القومية. ويعالج هذا النهج مشكلة استهلاك الوقود ويرفع حجم قدرات التوليد في آن واحد. ويمكن لمزيد من مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية أن تقلص من كميات الغاز التي تحتاج الدولة إلى شرائها وحرقها، بينما تساهم عمليات تحديث الشبكة ومرونتها في استيعاب إنتاج تلك المشروعات.

تُقاس كفاءة أي منظومة للكهرباء بأدائها تحت أسوأ الظروف، وليس أفضلها. والخلاصة هي أن رهان مصر على الغاز وفر لها قدرات توليد ضخمة وعالية الكفاءة. إلا أن نقطة ضعف هذا الرهان تكمن في الالتزام المستمر بتوفير الوقود اللازم لتشغيل المنظومة. فالمقياس الحقيقي لأمن منظومة الطاقة يكمن في كمية إمدادات الكهرباء المستقرة والموثوقة التي يمكنها توفيرها عندما يتراجع الإنتاج المحلي للوقود، أو تنغلق مسارات الاستيراد، أو تقفز فاتورة واردات الطاقة.