Posted inاختبار الإجهاد

مصر لم تضطر للجوء لتخفيف الأحمال هذا الصيف.. والسر في توجه راهنت عليه من قبل اندلاع الحرب

لاحظت بالتأكيد أن الكهرباء لم تنقطع في منزلك هذا الصيف؛ لكن هذه لم تكن مجرد صدفة. فنقص إمدادات الغاز ما زال مستمرا، نظرا إلى تراجع الإنتاج المحلي تزامنا مع زيادة الطلب على الكهرباء، إلى جانب تعطل المسارات المعتادة لإمدادات الطاقة بالمنطقة في ظل الحرب الإقليمية الجارية. ما تغير هو أن مصر استطاعت الحفاظ على تدفق الغاز إليها؛ فتمكنت من تأمين شحنات الغاز الطبيعي المسال قبل وصول الطلب إلى ذروته، واعتمدت على الشحنات الأمريكية التي لا تمر عبر مضيق هرمز، ورفعت طاقة التغويز إلى أقصى حد ممكن، وأبقت مسارات الوقود البديلة مفتوحة.

تمكنت مصر بذلك من تجاوز ذروة الطلب الصيفي على الغاز الطبيعي والكهرباء دون العودة إلى تدابير تخفيف الأحمال، بعدما جمعت الحكومة بين عدة حلول منها زيادة واردات الغاز المسال، ورفع إمدادات الغاز عبر الأنابيب من إسرائيل، وتأمين كميات إضافية احتياطية من الوقود لمحطات توليد الكهرباء، وفقا لما صرحت به 3 مصادر حكومية لنشرة إنتربرايز.

الفجوة التي اضطرت مصر لسدها من قبل اندلاع الحرب

اعتمد تشغيلك لمكيفات الهواء في الصيف على قرار اتُخذ في الربيع؛ فمصر لم تتصرف بعشوائية حينها، وإنما عملت على توسيع نظام بنته على مدار سنوات. فمع تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الطلب على الكهرباء، لم تعد مصر تستورد الغاز المسال عَرَضيا، وإنما صارت تعتمد اعتمادا هيكليا على الغاز المستورد، لتصبح من كبار المشترين لشحناته قبل فترة طويلة من اضطرابات العام الجاري. وفي هذا الصدد، علق لنشرتنا جيه بي لاكوتور، المحلل لدى شركة كبلر، بأن "حجم واردات مصر هذا الصيف يظهر مدى شح إمدادات الغاز الطبيعي لديها فعليا".

بالأرقام: استوردت مصر نحو 7.94 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، مقارنة بنحو 3.4 مليون طن خلال الفترة ذاتها من العام الماضي، ما يمثل زيادة بنسبة 133%. وارتفعت الواردات إلى نحو 1.33 مليون طن في يونيو، و1.68 مليون طن في يوليو، ثم تراجعت إلى قرابة 1.4 مليون طن في أغسطس، وفقا لحسابات المصادر الحكومية. ورغم أن هذه الواردات حافظت على تدفق الغاز، فإنها لم تحل مشكلة العجز الأساسية؛ إذ كان على مصر مواصلة تأمين الشحنات وقدرات التغويز والحفاظ على استقرار إمدادات شبكة الكهرباء بينما يشهد السوق حولها شحا في العرض.

ولن يتوقف شراء الغاز بانتهاء موجة الحر؛ إذ تتوقع شركة وود ماكنزي أن يظل الغاز الطبيعي المسال المصدر الرئيسي لإمدادات الطاقة، في ظل ارتباط مصر بعقود استئجار طويلة الأجل لوحدات التغويز العائمة، وخوضها لمفاوضات لاستيراد الغاز لمدد تتراوح بين 3 و5 سنوات، مما يشير إلى استمرار اعتمادها على الغاز المستورد. كما أن مستويات الطلب على الغاز ستظل مرتفعة حتى ما بعد ذروة الصيف؛ إذ توقعت مصادر أن تصل واردات الغاز المسال إلى نحو 1.7 مليون طن في سبتمبر، رغم انخفاض استهلاك قطاع الكهرباء، وذلك بسبب زيادة الطلب من قطاع الصناعة.

وبالنسبة لخط الأنابيب القادم من إسرائيل فله حد أقصى لتدفقات الغاز، واقتربت مصر من بلوغه بالفعل. فيشير لاكوتور إلى أنه "بينما ستسمح زيادة سعة خط الأنابيب الإسرائيلي لمصر باستيراد المزيد من الغاز الأرخص من جارتها، إلا أن حجم التراجع في الإنتاج والزيادة السنوية في الطلب على الكهرباء سيتطلبان في النهاية من مصر أن تستمر في استيراد كميات كبيرة من الغاز المسال". ويوضح إيمير شيهان، كبير محللي الاستكشاف والإنتاج في شمال أفريقيا لدى وود ماكنزي، أن التخلي عن الغاز الوارد عبر الأنابيب والاعتماد بدلا منه على الغاز المسال في وقت قصير يعد أمرا صعبا ومكلفا، بالنظر إلى سعة الاستيراد الاحتياطية المحدودة لدى مصر.

وقد وسعت مصر خريطة مصادرها من الغاز هذا العام؛ إذ أوضح لنا كريم شعبان، المؤسس والعضو المنتدب لشركة روزيتا إنرجي، ذراع الغاز المسال لشركة طاقة عربية، وعضو اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للغاز: "لاحظنا أيضا زيادة التنويع في واردات الغاز المسال لمصر، إذ حصلت على شحنات من محطات الغاز المسال في غرب أفريقيا، ما وفر لنا خيارات إمداد أكثر تنوعا". وأضاف أن الدولة تدير عمليات النقل والتوزيع بالكامل، بدءا من استيراد الغاز المسال وحتى تزويد الشبكة المحلية، حيث تُدمج الشحنات المستوردة مع الغاز المنتج محليا والواردات عبر الأنابيب من إسرائيل.

تكمن أهمية ذلك في أن حوالي نصف الغاز الذي يحول دون انقطاع الكهرباء في أوقات الذروة صار يأتي من الواردات. ففي البداية أدت الاضطرابات في واردات الغاز الإسرائيلي عبر الأنابيب وتضاؤل الإنتاج المحلي إلى دفع مصر نحو سوق الغاز المسال، ثم رفعت أزمة مضيق هرمز كلفة استبدال هذا الغاز، حسبما أوضح شيهان. وبهذا تحول الغاز المستورد من مجرد حل عرضي لسد العجز إلى الركيزة الأساسية لقطاع الكهرباء.

ثم تحولت تلك المشتريات الروتينية للغاز الطبيعي المسال إلى السبب الرئيسي لعدم انقطاع الكهرباء مع اندلاع الحرب الإقليمية؛ ففي أبريل، بعد شهرين من بدء الحرب، تعاقدت الحكومة على 40 شحنة غاز مسال لشهري مايو ويونيو، على أن تأتي معظم الكميات من موردين أمريكيين. وبحلول يونيو، كانت مصر قد صارت أكبر مستورد بين الدول للغاز المسال الأمريكي، إذ استوردت نحو 86 مليار قدم مكعب، أي أكثر من 3 أمثال ما استوردته في العام السابق، وحوالي 16.5% من إجمالي صادرات الغاز المسال الأمريكي في ذلك الشهر، وفقا لتقرير وزارة الطاقة الأمريكية.

ونتيجة أسعار الشحن المرتفعة امتدت أزمة الخليج إلى أسواق الأطلسي؛ فأوضح شعبان أن "الغاز المسال القطري كان يخدم الأسواق الآسيوية بالأساس، لكن مع الانخفاض الكبير في تكاليف استئجار ناقلات الغاز المسال، أصبحت هناك جدوى اقتصادية أكبر لتصدير المزيد من الغاز الأمريكي على سبيل المثال إلى الأسواق الآسيوية الأبعد". وهذا يفسر كيف يمكن لنقطة اختناق تبعد ألفي كيلومتر عن مصر أن تحدد السعر الذي تدفعه من أجل الحصول على الغاز عبر التأثير في ديناميكيات العرض والطلب. وقد احتمت مصر من تأثير تلك الأزمة حتى الآن بفضل الاتفاقات التي وقعتها قبل الحرب، بحسب لاكوتور، لكن هذه الحماية ستتلاشى في الأشهر الأخيرة من العام مع انتهاء تلك الاتفاقيات، واضطرار مصر للجوء إلى السوق الفورية.

منظومة صامدة رغم الاختبارات

ضربت طائرة مسيرة إحدى محطات الاستيراد الأربع في مصر خلال ذروة الصيف، ومع ذلك صمدت الشبكة. إذ تعرضت وحدة التغويز العائمة إنرجوس وينتر لهجوم في ميناء دمياط خلال شهر يوليو، مما أدى إلى تعطل جزء من قدرات التغويز في مصر خلال ذروة الطلب الصيفي. لكن الحكومة نسقت مع الأردن لاستيراد الغاز عبر وحدة التغويز العائمة في العقبة، ورفعت تدفقات خط الأنابيب الإسرائيلي إلى الحد الأقصى، وتحركت سريعا لتأمين شحنات فورية من المازوت، وفقا لمصادر حكومية، مما وفر لمحطات الكهرباء وقودا بديلا، وحال دون تحول العطل إلى نقص في الإمدادات خلال ذروة الطلب على الكهرباء. وقد غادرت إنرجوس وينتر منذ ذلك الحين لإجراء إصلاحات في إسبانيا، ومن المتوقع عودتها إلى دمياط بحلول نهاية أكتوبر.

كما أن مصر كانت لديها بدائل نظرا لعدم تركز محطاتها في مكان واحد؛ إذ تتوزع وحدات التغويز العائمة الأربع على مواقع مختلفة في البحرين المتوسط والأحمر، وهو ما يقلل من مخاطر التركز حسبما يرى شعبان. وأضاف أن "الحل الأساسي لتقليل تلك المخاطر على المدى الطويل يكمن في زيادة الاستثمارات بمشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو ما شهدنا توجها قويا نحوه في الأشهر الأخيرة"، كما أن محطة الضبعة النووية ستبدأ عملياتها قريبا لتشكل جانبا آخر من استراتيجية التحوط.

وبعد ثلاثة أسابيع جاء الاختبار الثاني؛ إذ دفع الأسبوع الأشد سخونة في العام شبكة الكهرباء لتسجيل مستوى قياسي جديد من الأحمال، فوصلت ذروتها إلى 40.2 جيجاوات يوم 12 أغسطس، ارتفاعا من 39.8 جيجاوات في العام السابق. وأدارت وزارة الكهرباء ذروة الطلب من خلال مزيج من مصادر الطاقة المتجددة والبطاريات وقدرات التوليد الاحتياطية، إلى جانب تحسين كفاءة المحطات وتغيير أنماط التشغيل لتقليل استهلاك الوقود، لتتمكن مصر حتى الآن خلال الصيف من "ضمان استقرار الإمدادات لمختلف قواعد العملاء والحد من انقطاع التيار الكهربائي"، حسبما أوضح شعبان.

ولتعرف ما كان يمكن أن تواجهه مصر لولا التنويع، يكفيك أن تنظر إلى حالة قطر. لم تشحن الدولة الخليجية سوى 18 شحنة غاز مسال في الأشهر الستة الأولى من الحرب، مقابل 509 شحنات خلال الفترة ذاتها من العام السابق، ما يعني انهيارا بلغت نسبته 96%، لتتكبد خسائر في المبيعات قُدرت بنحو 24 مليار دولار.

أما مصر فتواجه مشكلة مغايرة تتمثل في شح الغاز المحلي، لكن مسارات الإمدادات إليها ما زالت مفتوحة مقارنة بقطر. فمصر لم تكن تعتمد بدرجة كبيرة على تلك البنية التحتية التي تواجه اضطرابات في الوقت الحالي، وهذا يعني أن أزمتها تتعلق أكثر بالمشتريات والتكلفة. ومع استمرار الاضطرابات الراهنة، يتجلى الفارق أكثر بين الحالتين؛ إذ مدت قطر للطاقة إلغاء تسليم شحنات الغاز المسال حتى نوفمبر، في حين يتمثل التحدي الذي تواجهه مصر في مدى قدرتها على تحمل تكلفة الإمدادات البديلة.

هل سيتغير الوضع بالنسبة لمصر إذا أُعيد فتح مضيق هرمز؟

إعادة فتح المضيق ستخفض أسعار الغاز، لكن حجم الإمدادات نفسه لن يتغير؛ فعودة حركة النقل بمضيق هرمز إلى طبيعتها ستغير الحسابات الاقتصادية لاستراتيجية الغاز المصرية، لكنها لن تؤثر في البنية التحتية. ذلك أن فتح المضيق يعني أن مصر ستصبح قادرة مرة أخرى على الحصول على الغاز المسال الخليجي الأرخص، وبالتالي ستواجه ضغوطا أقل للمنافسة على الشحنات القادمة عبر الأطلسي، إلا أن البنية التحتية وعلاقات التوريد التي بنتها مصر على الغاز المسال الأمريكي ستبقى قائمة. وسيتعلق السؤال حينها بما إذا كان انخفاض الأسعار الخليجية كافيا لدفع مصر مجددا نحو مزيج التوريد الذي كانت تعتمد عليه قبل الاضطرابات، أم أن تجربة عام 2026 غيرت نظرتها إلى أهمية التنويع.

وعلى المدى القريب، ستظل واردات الغاز المسال مرتفعة إلى أن يزيد الإنتاج المحلي وترتفع الإمدادات الواردة عبر خطوط الأنابيب، حسبما قال لوكاس شميت، مدير قسم التحليلات قصيرة الأجل للغاز المسال لدى وود ماكنزي. ومن شأن تقليص واردات الغاز المسال أن يخفض فاتورة الطاقة في مصر، لكنها المقابل ستعتمد أكثر على الغاز الوارد من المنطقة عبر خطوط الأنابيب، وبالتالي ستقل درجة التنوع في مزيج إمداداتها.

أما على المدى الطويل، فالحد من اعتماد مصر على واردات الغاز المسال يتطلب وقف التراجع في إنتاج الغاز المحلي، وزيادة استغلال مصادر الطاقة البديلة في كل من قطاعي الكهرباء والصناعة. ويرى شميت أن الطاقة النووية والمتجددة ستلعبان دورا متزايد الأهمية في تلك الجهود.

رأينا

لم تنج مصر ببساطة من حرارة الصيف هذا العام، وإنما أثبتت مرونة إمداداتها من الطاقة، التي صارت تعتمد على منظومة أكبر وأكثر تكلفة مما كان عليه الوضع قبل عامين، تشمل عقود الغاز المسال، والموردين الأمريكيين، والسفن، ووحدات التغويز العائمة، والغاز الوارد عبر الأنابيب، ومحطات التوليد، ومصادر الطاقة المتجددة، وبطاريات تخزين الطاقة، إلى جانب الشبكة التي يجب أن توازن بين كل هذه المدخلات. وقد اجتازت هذه المنظومة أكبر اختباراتها هذا العام، لكن إذا ظل الإنتاج المحلي ضعيفا، سيتطلب الحفاظ على إمدادات الكهرباء الاستمرار في شراء الغاز من الأسواق الدولية، وربما بأسعار أعلى. وبالتالي لم يعد السؤال هنا ما إذا كانت مصر قادرة على إيجاد الغاز عندما تضطرب السوق، بل ما إذا كانت قادرة على تحمل تكلفة تلك المنظومة التي بنتها للحفاظ على تدفقات الغاز. فإذا استعادت مصر إمكانية الحصول على الغاز الخليجي الأرخص، سيتعين عليها أن تقرر مدى قيمة تنويع الموارد بالنسبة لها. وسيكشف الصيف المقبل عما إذا كانت مصر قد بنت منظومة طاقة أكثر مرونة، أم أنها أصبحت ببساطة أكثر قدرة على الدفع للحفاظ على استمرار منظومة هشة.