Posted inبعد الخامسة

150 وصفة وحكايات لا تنتهي: كيف وثقت هاتان الصديقتان تاريخ مصر وتراثها عبر الطعام؟

🥘 لطالما ارتبط الأكل بشخصية المصري عبر الزمان، فلكل منا حكايات شخصية ووصفات عائلية متوارثة وتجارب إنسانية لا تنسى حول مائدة الطعام، حتى إننا نربط احتفالات وأعياد بعينها بالطعام الذي تمتد أصوله حتى إلى المصريين القدماء. هذا الاختلاف يعني تنويعات ثقافية ثرية، خلقت واقعا غنيا يصعب اختزاله في جملة أو جملتين، بحسب ما رأت سوزان زيدي وروعة بدراوي، مؤلفتي كتاب Egypt: Recipes and Stories from an Ancient Land.

انطلقت الكاتبتان لتوثيق هوية الطعام المصري في مشروع استمر ثلاث سنوات، كانت نتيجته كتاب يضم نحو 150 وصفة توثق التاريخ وتسرد حكايات لا حصر لها، لتذكرنا بأن هناك عالما واسعا يستحق الاستكشاف والتخليد والاحتفاء.

"من الصعب وصف إحساس الفخر بإطلاق الكتاب لأول مرة في حضرة تمثال رمسيس وقناع توت عنخ آمون"، حسبما قالت زيدي تعليقا على حفل الإطلاق يوم الجمعة الماضي 25 سبتمبر في المتحف المصري الكبير. "لا تحظى الكتب دائما بالاحتفاء والحب الذي تستحقه، خاصة تلك التي تتناول الثقافة والتاريخ والطعام، لكن هذه كانت إحدى المرات التي شعرنا فيها بالاحتفاء. فهناك شيء ما في كتابنا، في رسالته ومحتواه، يتناسب تماما مع طبيعة المتحف الكبير"، بحسب بدراوي.

تزامن حفل الإطلاق مع النسخة الرابعة من أسبوع القاهرة للطعام، وقد أقيم معرض خاص ضمن فعالية موائد القاهرة التابعة للأسبوع، تضمن أعمالا فنية للمهندسة المعمارية شهيرة فهمي والمصممة إيما جيمس والفنان لويس بارتيليمي الذي رسم الرسوم التوضيحية للكتاب والمصور محمد مهدي، وكلها مستوحاة من فصول الكتاب: البحر والصحراء والنهر والجبل والقاهرة.

وثيقة ثقافية

أحد العوامل التي دفعت إلى تأليف الكتاب كان المفهوم الخاطئ بأن مصر ليست مشهورة بطعامها: "أثار هذا الاعتقاد الجاهل حول تراث المطبخ المصري الغني شغفنا لإثبات مدى خطأه"، بحسب الزيدي، في حين أكدت بدراوي أن هذا الاعتقاد لا يأتي من الغرب فحسب، بل من العرب غير المصريين أيضا، ما حفزهم لحسم هذا الجدل عبر الكتاب بالأدلة.

ولأن الطعام المصري الأصيل غالبا ما يعد في المنزل، عرقل ذلك انتشاره على مستوى العالم مقارنة بمدى انتشار طعام الثقافات الأخرى. فقد تجد صعوبة في العثور على مطعم مصري أصيل بعيدا عن وجبات الشارع السريعة وعربات الكشري، ليس فقط في العواصم الأوروبية وأمريكا الشمالية، ولكن حتى هنا في مصر. بيد أن ذلك لم يعرقل زيدي وبدراوي عن هدفهما، إذ قررتا السفر إلى المحافظات والدخول مباشرة إلى منازل ساكنيها بحثا عن وصفاتهم الأصيلة.

الكاتبتان وصديقتا الطفولة لهما مؤلفات منشورة بالفعل: درست بدراوي الاقتصاد والتاريخ في جامعة جورج تاون، وكتبت يوميات سفر عن واحة سيوة عام 2011. في حين تعد زيدي طاهية محترفة وصاحبة مجموعة من أبرز المطاعم والمقاهي في القاهرة مثل سيلانترو ولا بوديجا وكايرو كيتشن، كما ألفت كتاب طبخ بعنوان كايرو كيتشن في عام 2014.

بدأ العمل على الكتاب قبل ثلاث سنوات في مدينتين مختلفتين، إذ كانت بدراوي حينذاك في لندن، وزيدي في برلين. تبادلتا الأفكار عبر تطبيق زووم إلى جانب عدد من الزيارات المتكررة حتى اكتملت المرحلة الأولية من العمل. "كنا نريد التركيز على مصر بأكملها، وأردنا جعل السردية بمثابة رحلة. كان تنظيم الكتاب في أقسام تقليدية للمقبلات والأطباق الرئيسية والحلويات بمثابة مسلكا مملا، لن يمنح القاريء زاوية السفر والتاريخ التي نشعر نحن الاثنتين بشغف كبير تجاهها"، وفقا لزيدي.

قررت زيدي وبدراوي السفر عبر المحافظات لتجربة الطعام وتعلم الوصفات والاستماع إلى القصص الإنسانية التي شكلتها: "مكننا تقسيم الكتاب جغرافيا من سرد جميع أنواع القصص: التاريخية والأنثروبولوجية إلى جانب حكايات الطعام. كما سمح لنا بإحياء التجربة بصريا من خلال الصور الفوتوغرافية والرسوم التوضيحية"، بحسب زيدي.

الوصفات

جزء من مهمة الكتاب هو توثيق ما بدأ يندثر: "تتناقل الوصفات في مصر شفهيا، ويمكن للأفراد أن يبدأوا في النسيان"، بحسب زيدي. من هنا بدأت عملية الكتابة بالكثير من البحث، الذي تضمن قراءة أوراق أكاديمية والتحدث مع خبراء في الثقافات والمناطق التي كانتا خططت الكاتبتان لزيارتها.

تستهل الكاتبتان كل وصفة بنبذة تاريخية صغيرة: "أينما ذهبنا، كنا نتعامل مع عائلة أو شخص يعمل في حرفة معينة، فإذا كان هناك حفل زفاف مثلا كنا نحضره بصحبة العائلة ونأكل الطعام ونشاركهم الحدث من أجل استيعاب أكبر قدر ممكن من الثقافة المحلية".

بعد ذلك تعود زيدي إلى المنزل، وتختبر الوصفات وتعيد كتابة كل واحدة منها مع التأكد من أن تنفيذها سهل بما يكفي لغير المحترفين. "أنا طاهية منزلية، لذا جربت العديد من هذه الوصفات علي"، بحسب بدراوي، في حين تعتقد زيدي أن هناك وصفتان فقط صعبتان حقا، هما الفطير المشلتت من كفر الشيخ وملبن الحبل من دمياط، إلا أنها لم تقاوم ضمهما إلى الكتاب.

من أين تبدأ؟ كان اختيار زيدي وصفة فخدة الضاني المشوي ببطء من مرسى مطروح: "إنه مقتبس من المندي البدوي التقليدي حيث تغطى ماعز كاملة بالتوابل، وتلف وتشوى ببطء تحت الأرض حتى يذوب اللحم عن العظم، وقد عدلنا الوصفة إلى الشواء البطيء لمدة ست ساعات في الفرن ولكنها لا تزال لذيذة وطرية بنفس القدر". أما اختيار بدراوي فكان القلقاس من المنيا: "لطالما لعب القلقاس دورا ثانويا بعد الملوخية وقد حان الوقت ليأخذ حقه، كما أن الطائفة القبطية في مصر تتناوله تقليديا في عيد الغطاس".

صناعة الكتب الطموحة

قلق الناشرون من أن الاعتماد على الصور لتوثيق رحلة الكتاب سيضيف كثيرا إلى التكلفة: استغرق العثور على ناشر نحو 6 أشهر، قبل أن تكسب شركة نوريش — الناشر المتخصص في الطعام والتابعة لشركة واتكينز ميديا في لندن — ثقة الكاتبتين من خلال منحهما القدرة على اتخاذ القرارات الإبداعية بأريحية. صدرت أول طبعة بإجمالي 5000 نسخة في أوائل سبتمبر، إلا أنه بحلول الأسبوع الأول، كان الناشر قد وافق بالفعل على طبعة ثانية.

تتولى دار بينجوين راندوم هاوس التوزيع في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، وفقا لبدراوي. كما أن الكتاب متاح في أمازون وووترستونز وبارنز أند نوبل، ومحليا في مكتبات ديوان فضلا عن متجر الهدايا بالمتحف المصري الكبير، كما أنه متاح في متجر متحف دي يونج في سان فرانسيسكو. تستمر الجولة الترويجية للكتاب في المملكة المتحدة حتى شهر ديسمبر، تليها ما وصفته بدراوي بجولة ضخمة في الولايات المتحدة في أبريل ومايو. الخطوة التالية؟ إصدار نسخة عربية تليها أخرى فرنسية.

تغير مشهد الطعام المحلي كثيرا في الآونة الأخيرة، حسبما رأت زيدي: "لقد أصبح أكثر طموحا وبميزانيات أعلى بكثير مما كان عليه في أيامنا. أحب قطاع الضيافة لكنه يستحوذ على كل وقتي، ولست متأكدة من أنني سأعود إليه. بدأت عندما كنت في السادسة والعشرين من عمري، حينها كان بإمكاني العمل في شركة تصنيع الأغذية التابعة لعائلتي حتى الساعة 3 أو 4 مساء، ثم الذهاب إلى مطعمي حتى الساعة 2 صباحا، أما الآن، فلا أعتقد أنني مستعدة لخوض هذا النوع من الضغط. أود أن أشارك في شيء يتعلق بالطعام، لست متأكدة ما هو، لكنه لن يكون مطعما تقليديا".

"أعتقد أن هذا الكتاب كائن حي يتنفس"، وفقا لما قالته بدراوي، مضيفة أنه سيفتح لهما آفاقا جديدة تأخذهم إلى أماكن مختلفة بطريقته الخاصة، فهو مجرد نقطة البداية.