Posted inأدوية

هيئة الدواء تعيد رسم خريطة التسعير لتواكب التكلفة والمنافسة وتوطين الصناعة

وضعت الحكومة نظاما جديدا لتسعير الدواء يعتمد على مجموعة من القواعد؛ إذ ربطت هيئة الدواء المصرية مراجعة الأسعار بمعادلة تشغيلية تراعي تحركات سعر الصرف والتضخم وأسعار الفائدة، وفقا لإطار جديد نُشر في الجريدة الرسمية الأربعاء، وبدأ العمل به اعتبارا من الخميس 24 سبتمبر. وتستحوذ تحركات سعر الصرف على 60% من وزن هذه المعادلة، مقابل 30% لمعدل التضخم في المدن المصرية، و10% للتغير في سعر الفائدة على الودائع لليلة واحدة لدى البنك المركزي المصري، على أن يُعاد احتساب المعادلة كل ستة أشهر، أو في مدى زمني أقل في الظروف الاستثنائية الطارئة التي تستدعي مراجعة الأسعار.

معادلة تحل إشكالية: "الفجوة الزمنية الكبيرة بين حدوث المتغيرات الاقتصادية وبين صدور قرار تحريك الأسعار… كانت تتراوح بين بين 6 إلى 9 أشهر"، حسبما قاله محمد شوقي، مدير علاقات المستثمرين والاتصالات المؤسسية بشركة ابن سينا فارما، خلال حديثه مع إنتربرايز. وأضاف أن "هذه الفجوة تسببت مرارا في أزمات نقص الأدوية بالسوق وشكاوى المرضى". وتابع شوقي أن شركات القطاع الخاص، التي تغطي ما بين 80 و85% من الإنتاج المحلي، لا يمكنها تحمل خسائر مستمرة في ظل التسعير الجبري بينما ترتفع تكاليف المدخلات مع تقلبات السوق، موضحا: "هذه شركات هادفة للربح، ولا يمكنها الاستمرار في الإنتاج في حالة الخسارة".

يمثل الإطار الجديد "تحولا استراتيجيا نحو نظام تسعير أكثر مرونة وقائما على معادلة تشغيلية تراعي أبعاد التكلفة الفعلية"، وفق ما صرحت به شركة سي آي كابيتال لإنتربرايز. إذ يحل هذا النظام محل النهج القديم الذي كان "يعتمد فقط على المراجعات الاستثنائية عقب الصدمات المتتالية لسعر الصرف". وقد لخص تقرير سي آي كابيتال 5 أركان رئيسية للمنظومة، تتمثل في تحركات سعر الصرف بصفته المحرك الرئيسي؛ وتوسيع قاعدة التكلفة المعتمدة لتشمل التعبئة والتغليف والتصنيع والكهرباء والوقود والأجور؛ وتشديد التسعير المرجعي للمستورد؛ ومنح ميزة سعرية هيكلية للمنتج المحلي؛ والشفافية عبر إتاحة التسعير المسبق قبل التسجيل.

أهمية الخطوة: تخضع أدوية السوق المصرية للتسعير الجبري لضمان وصولها للمواطنين بأسعار مناسبة. لكن المشكلة تكمن في تسعير الأدوية بالجنيه، في حين أن أكثر من 90% من المواد الخام تُستورد وتُسعر بالدولار، حسبما أوضحه رئيس هيئة الدواء المصرية علي الغمراوي لإنتربرايز في وقت سابق. وعندما تراجع الجنيه بحدة بين عامي 2022 و2024، قفزت تكاليف المصنعين بينما ظلت أسعار البيع دون تغيير يُذكر، لتصبح الفجوة بين تكلفة الإنتاج والأسعار المعتمدة نقطة الضغط الرئيسية في القطاع.

آلية العمل

كيفية تعديل الأسعار: بموجب الآلية الجديدة، سيُنظر في زيادة سعر المستحضر عندما تنتج المعادلة تغيرا لا يقل عن 10% مع استمرار الظروف الاقتصادية المؤثرة لمدة 45 يوما على الأقل. غير أن الزيادة ليست تلقائية؛ إذ يتعين على صاحب تسجيل المستحضر التقدم بطلب للحصول عليها. وتُطبق المعايير ذاتها في الاتجاه المعاكس أيضا، إذ يحق لهيئة الدواء خفض الأسعار حال أظهرت المعادلة اتجاها تنازليا. كما يُشترط للشركات التي تطلب مراجعة سعر مستحضر محدد مرور 6 أشهر على الأقل من تاريخ آخر إخطار تسعير، مع تقديم البيانات المؤيدة للتكلفة وأسعار تداول المستحضر في الأسواق المرجعية للتسعير، وأيضا دراسات التقييم الاقتصادي.

وتحتفظ هيئة الدواء بحق خفض الأسعار دون التقيد بمدة الإخطار؛ إذ يمكن للهيئة مراجعة سعر أي دواء وتخفيضه استنادا إلى قائمة التكلفة وأسعار التداول في الدول المرجعية والبدائل العلاجية، دون التقيد بمدة صلاحية إخطار التسعير القائم. ويُطبق السعر المخفض على التشغيلات التي تُنتج أو تُستورد بعد صدور إخطار التسعير الجديد. وينطبق القرار على الأدوية التي تُسعر أو يُعاد تسعيرها بعد تاريخ صدوره، ولا يعني ذلك إعادة تسعير كافة الأدوية المتداولة حاليا على أرفف الصيدليات.

موعد وصول الأدوية المسعرة حديثا إلى المستهلكين: "الأثر الفعلي والمنتجات المسجلة وفق النظام الجديد لن تظهر في السوق قبل الربع الأول من عام 2027"، حسبما قال علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية، لإنتربرايز. وأكد عوف عدم وجود أي زيادات في أسعار الأدوية المتداولة حاليا ما دام سعر صرف الدولار دون مستوى 55 جنيها. أما في حالة انخفاض الدولار بنسبة 10% واستقراره عند هذا المستوى لمدة 45 يوما، فقد تتراجع الأسعار بنسبة 10 إلى 12%، وقد تنخفض أسعار بعض الأدوية بنسبة 30 إلى 40% على المدى الطويل مع تراجع تكاليف المواد الخام وتوسع الإنتاج المحلي، وفق ما أوضحه عوف.

دخول السوق والمنافسة

قواعد خاصة للمنتجات الجديدة: تُسعر الأدوية المبتكرة المقدمة للتسعير لأول مرة بناء على أدنى سعر تسليم المصنع بين سلة تضم 15 دولة مرجعية (بولندا، واليونان، والمجر، وإسبانيا، وفنلندا، والنرويج، ورومانيا، وبلجيكا، والنمسا، والمملكة المتحدة، والسويد، والإمارات، وكندا، وألمانيا، والدنمارك)، مع إضافة هوامش ربح الموزع والصيدلي. وتمنح إضافة الإمارات لسلة الدول المرجعية بعدا إقليميا كان يفتقده النظام القديم الذي ضم 35 دولة. أما بالنسبة للأدوية التي يتراوح سعر تسليم المصنع الخارجي لها بين 50 ألفا و500 ألف جنيه، فيمكن تطبيق آلية التسعير القائم على القيمة. وفيما يخص الأدوية التي يتجاوز سعرها 500 ألف جنيه، فيجري تسعيرها وفق أدنى سعر تسليم مصنع خارجي متاح حتى لو كان خارج سلة الدول المرجعية، على أن تُجرى المراجعة الأولى بعد 9 أشهر، وبحد أقصى 3 مراجعات سنويا.

حوافز لتوطين الصناعة: تحظى الأدوية المبتكرة، التي يجري توطين إنتاجها بالكامل داخل مصر، بحماية من تخفيض الأسعار لمدة 5 سنوات من تاريخ طرح عبواتها المصنعة محليا في السوق. ويتماشى هذا مع التوجه الحكومي لتوطين صناعة الأدوية الاستراتيجية — مثل المستحضرات الحيوية المماثلة، والأنسولين، ومشتقات الدم، واللقاحات — إذ يُتوقع أن تتجاوز الاستثمارات المستهدفة لتوطين إنتاج المواد الفعالة وغير الفعالة 500 مليون دولار. وأشارت سي آي كابيتال إلى أن الأدوية المصنعة محليا تُسعر بنسبة تتراوح بين 50 و60% من سعر المنتج المستورد المماثل، ما يمنحها "تنافسية سعرية عالية".

تدرج السلم السعري للمنافسين: في حال عدم وجود منتج مماثل متداول محليا، يُسعّر أول دواء جنيس بنسبة 70% من سعر الدواء الأصلي، والثاني والثالث بنسبة 65%، والرابع والخامس بنسبة 60%، ومن السادس فصاعدا بنسبة 50%. وتأتي المستحضرات الحيوية المماثلة بنسب أعلى، إذ يُسعر المنتج الأول بنسبة 80%، والثاني والثالث بنسبة 75%، والرابع والخامس بنسبة 70%، ومن السادس فصاعدا بنسبة 60%. وفي حالة وجود أدوية منافسة متداولة بالفعل، تعتمد هيئة الدواء على قائمة التكلفة والأسعار السائدة بالسوق. أما في حال تداول 3 أدوية جنيسة بكميات كافية، ينخفض سعر الدواء الأصلي بنسبة 20%، أو إلى أدنى سعر في الدول المرجعية، أو أيهما أقل.

هوامش الربح والتوزيع

شرائح لهوامش ربح الصيدليات والموزعين: تبلغ هوامش ربح الموزع والصيدلي للأدوية الأساسية المصنعة محليا 8% و22% للعبوات التي يقل سعرها عن 500 جنيه، و5.8% و20% للعبوات التي تتجاوز هذا الحد. أما الأدوية غير الأساسية المصنعة محليا، فتبلغ هوامش ربحها 8.5% و27% للعبوات أقل من 500 جنيه، و6% و25% للعبوات الأعلى من ذلك. وفي المقابل، تبلغ هوامش ربح الأدوية المستوردة بالكامل 7.4% و19% للعبوات أقل من 500 جنيه، و4.8% و15% للعبوات أعلى من ذلك. وبالنسبة للأدوية الأغلى ثمنا، يضع الإطار حدا أقصى للهامش النقدي وفق الفئة السعرية، يصل إلى 4 آلاف جنيه للموزع و5 آلاف جنيه للصيدلي للمنتجات التي يتجاوز سعرها 200 ألف جنيه.

هامش الموزعين يحل محل النظام القديم: قال شوقي إن هامش الموزعين البالغ 8% يعوض نظام "الجنيه المقطوع" القديم الملغى ويتجاوز قيمته، إذ كان الموزع "يتقاضاه سابقا كأجر إضافي على كل شريط". وضغط الموزعون لإدراج أسعار الفائدة ضمن المعادلة، نظرا إلى أن رأس المال العامل المطلوب لتمويل التوزيع لكافة صيدليات مصر يجعلهم الحلقة الأكثر عرضة لتقلبات الفائدة. ولفت شوقي الانتباه إلى الدرس القاسي المتمثل في التعثر المالي للشركة المتحدة للتجارة والتوزيع تحت وطأة الديون المتراكمة وفوائدها، بعد أن كانت تستحوذ على 26 إلى 27% من السوق، وذلك عندما اقتصر التمويل الحكومي المدعوم على المصنعين فقط.

التتبع والتظلمات

بدء تطبيق منظومة التتبع الدوائي منتصف أكتوبر: تنطلق المرحلة الأولى من المنظومة الوطنية للتتبع الدوائي في 16 أكتوبر، وفق تقرير سي آي كابيتال. وتغطي المرحلة الأولى نحو 1300 مستحضر طبي مستورد ومورد عبر الهيئة المصرية للشراء الموحد، وهو ما يمثل أقل من 10% من إجمالي الأصناف المتداولة بالسوق. وقد ألزمت هيئة الدواء الشركات بتطبيق نظام باركود قياسي متوافق مع معايير "جي إس 1" لتتبع الدواء من مرحلة التصنيع حتى وصوله للمريض. وتتوقع سي آي كابيتال أن تستغرق التغطية الشاملة للسوق ما بين 6 و12 شهرا، نظرا لتطبيق النظام على التشغيلات الجديدة فقط بعد تصريف المخزون الحالي. وتقدم الهيئة حوافز تشجيعية للمبادرين بالتطبيق بدلا من فرض عقوبات في المرحلة الأولى.

مهل زمنية أضيق للأدوية مرتفعة الثمن والتظلمات: تسري إخطارات التسعير بوجه عام لمدة 5 سنوات، غير أن الأدوية التي يتجاوز سعرها 50 ألف جنيه تحصل على إخطارات مدتها سنتان فقط، إلى جانب قواعد المراجعة الأكثر تكرارا للمستحضرات التي تتجاوز 500 ألف جنيه. ويمكن للشركات التظلم من السعر الذي حددته هيئة الدواء خلال 3 أشهر من تاريخ إخطارها، وتلتزم الهيئة بالبت في التظلم خلال شهرين من تاريخ تقديمه.

تسعير التصدير

فصل تسعير التصدير عن السوق المحلية: تشترط دول الخليج وغيرها من الدول المستوردة الاطلاع على سعر تداول الدواء في بلد المنشأ، حسبما أوضح عوف. ولذا فإن التسعير الجبري المنخفض في مصر تاريخيا بسبب البعد الاجتماعي تسبب في خفض أسعار التصدير مما أفقدها "تنافسيتها الربحية". وأضاف عوف أن آلية التسعير المسبق تتيح للشركات الحصول على تقدير مسبق للسعر قبل استكمال إجراءات التسجيل، ما يفصل مسار التصدير عن السوق المحلية. ويرى شوقي أنه يتعين على المصنعين المصريين المنافسة من حيث الجودة مع الأدوية الفرنسية والأمريكية بدلا من المنافسة السعرية مع المنتجات الهندية والصينية منخفضة التكلفة. ويسعى القطاع لتحقيق صادرات بقيمة 1.6 مليار دولار بنهاية عام 2026، وملياري دولار بحلول 2027، و3 مليارات دولار بحلول 2030، وفقا لعوف.

تذكر: يعد هذا الإطار النسخة النهائية للهيكلة الشاملة التي تناولنا تفاصيلها في وقت سابق من هذا الشهر. وكان الإطار الجديد، الذي كان قيد المناقشة والبحث آنذاك، يركز على نطاق حماية بنسبة 10% لسعر الصرف، وسلة مرجعية أصغر، وميزة سعرية أبسط للأدوية المصنعة محليا. وتأتي المنظومة المعلنة أكثر تفصيلا، إذ حلت المعادلة القائمة على المتغيرات الثلاثة محل نطاق الحماية القائم على تقلبات سعر الصرف، فضلا عن ضمها قواعد منفصلة للأدوية المبتكرة، والجنيسة، والحيوية المماثلة، والعلاجات مرتفعة التكلفة، والمنتجات الموطّنة بالكامل.

السياق: قضت شركات الأدوية معظم هذا العام في المطالبة بنظام تسعير يتجاوب بسرعة أكبر مع عناصر التكاليف الفعلية في منظومتها. وسقط المصنعون بين مطرقة التسعير الجبري بالجنيه وسندان المدخلات المستوردة المعرضة لمخاطر سعر الصرف وتكاليف اللوجستيات، إذ حذر القطاع في مارس الماضي من أن ارتفاع تكاليف الاستيراد يضغط على هوامش الربح واقتصاديات الإنتاج. وانخفضت إيرادات القطاع بنحو 20% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بعد النمو المدفوع بإعادة التسعير، الذي بلغ 25% في عام 2023 وبلغ 40% في عام 2024، بحسب ما صرح به عوف لإنتربرايز في وقت سابق من هذا الشهر.

تعد منظومة الصحة العامة في البلاد المشتري الأكبر للأدوية، إذ تشتري احتياجاتها عبر الهيئة المصرية للشراء الموحد وفق نموذج الشراء المركزي المجمع الذي يهدف للحد من التكاليف. غير أن هذا النموذج خلق اختناقا في سداد المستحقات؛ فعندما واجهت الحكومة ضغوطا في السيولة النقدية، تأخرت المستحقات الموجهة للمصنعين. وقد بدأت الحكومة في حل هذه الأزمة في وقت سابق من هذا العام بسداد 90% من متأخراتها لصالح شركات الأدوية.