🌳 فقرة فاتورة الشهر — مساحة شهرية نخصصها في إنتربرايز ويك إند، نسلط فيها الضوء على ما وراء إنفاقنا على المطاعم والمقاهي ومتاجر الملابس والمساكن وغيرها، لنحلل ديناميكيات السوق ونماذج الأعمال والعوامل الاقتصادية التي تحركها. في عدد اليوم، نستعرض مفهوم الضيافة المستدامة، التي أضحت استراتيجية فعالة تحقق مكاسب مزدوجة للفنادق والمنتجعات، إذ تدفعهم إلى تبني ممارسات أكثر مراعاة للبيئة، وفي الوقت ذاته تمنحها ميزة تسويقية تزداد أهميتها في جذب النزلاء وتعزيز ولائهم.
ماذا تقول الأرقام؟ أفاد 36% من المسافرين بأنهم يفضلون الإقامة في منشآت حاصلة على شهادات بيئية، بينما قال 41% إن توفير معلومات أوضح بشأن الخيارات المستدامة سيشجعهم على اختيارها. فيما يمثل السفر المستدام بالنسبة لـ 83% من المسافرين أمرا ضروريا، وفقا لتقرير منصة بوكينج دوت كوم لعام 2026. وفي العام الماضي وحده، حجزت أكثر من 100 مليون غرفة حول العالم في منشآت حاصلة على شهادات بيئية، مع نمو المعروض من أماكن الإقامة المستدامة على المنصة بنسبة 22% على أساس سنوي، بحسب التقرير.
في الوقت الذي يهتم فيه الأفراد بخيارات الإقامة المستدامة، أصبح الاعتمادات البيئية مطلبا أساسيا لأبرز الأسواق السياحية: "يطلب منظمو الرحلات السياحية حول العالم حاليا من الفنادق أن تكون معتمدة كفنادق خضراء"، حسبما قال مدير برنامج شهادة النجمة الخضراء أحمد خالد (لينكد إن)، لإنتربرايز. "يشجع هذا التوجه الفنادق على الحصول على الشهادة لرفع كفاءة استهلاك الموارد والحد من الهدر، إلى جانب تحقيق المزيد من الوفورات المالية".
معنى ذلك؟ يمكن أن تمثل تصنيفات النجمة الخضراء قيمة هامة لشركات الضيافة، إذ توفر دليلا واضحا على تبني ممارسات موثوقة وتحقيق أداء مستدام، نظرا لكونها ملموسة ومرئية وقابلة للقياس، بما يساعد على بناء الثقة وتعزيز الطلب، بحسب شركة الضيافة الفرنسية أكور.
.. لكن كيف يبدو المشهد في مصر؟ يحدد القانون رقم 8 لسنة 2022 بشأن المنشآت الفندقية والسياحية المتطلبات الأساسية لترخيص المنشآت، بما يشمل جوانب مثل الصحة والسلامة والدفاع المدني والأثر البيئي. وهنا يأتي السؤال: إلى أي مدى يواكب القطاع المصري هذا الاتجاه؟
متطلبات الحصول على الشهادة
تروج وزارة السياحة المصرية إلى برنامج النجمة الخضراء، وهو الإطار الوطني المعتمد لمنح شهادات الاستدامة للمنشآت الفندقية. ومع تزايد ارتباط معايير البيئة والمجتمع والحوكمة الأوروبية بمتطلبات الشركات الدولية وشركاء السياحة، يمكن لشهادات الاستدامة أن تكتسب أهمية تتجاوز السوق المحلية.
أهمية خاصة: بالنسبة إلى الفنادق والمنتجعات المصرية التي تسعى للحفاظ على علاقاتها مع شركات تنظيم الرحلات الأوروبية، تمثل شهادة النجمة الخضراء مؤشرا قويا على معاييرها البيئية وعلامة موثوقة في سوق يولي اهتماما كبيرا بعنصر الاستدامة. يمنح برنامج النجمة الخضراء حاليا شهادته لأكثر من 200 منشأة فندقية في أنحاء مصر، مع حضور ملحوظ لمنشآت الجونة والغردقة. كما تحمل بعض الفنادق شهادات استدامة إضافية من برامج أخرى، من بينها ترافيل لايف وجرين جلوب وإيرث تشيك وجرين كي.
أما معايير الحصول على النجمة الخضراء، هناك 11 معيارا أساسيا منها:
- إدارة الطاقة: استخدام إضاءة الليد والتحكم الآلي في أنظمة التكييف والتهوية وإجراء صيانة دورية للمعدات.
- ترشيد استهلاك المياه: تركيب عدادات فرعية ذكية وتركيبات التدفق المنخفض ومعالجة المياه الرمادية لإعادة استخدامها في الري.
- إدارة النفايات وإعادة التدوير: فرز النفايات في الموقع وتحويل المخلفات العضوية إلى سماد والحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام.
- الصحة والسلامة والرفاهية المهنية: توفير أنظمة للاستجابة للطوارئ وتدابير لحماية العاملين.
- المسؤولية الاجتماعية: المشاركة المجتمعية وإقامة شراكات مع المؤسسات الخيرية وإعطاء الأولوية للتوظيف المحلي.
- تقييم الأثر البيئي: المراقبة المستمرة للآثار البيئية وتنظيم حملات توعية للنزلاء والموظفين.
- الإدارة المستدامة للموارد البشرية: دمج مبادئ الاستدامة في الوصف الوظيفي وعمليات التوظيف والتدريب وتقييم الأداء والمكافآت.
"تندرج تحت كل معيار من هذه المعايير معايير فرعية، بعضها إلزامي والآخر اختياري لكي يحصل الفندق على شهادتنا"، بحسب ما قال خالد، مضيفا أن بإمكان الفندق حصد 30 نقطة على الأقل من المعايير الاختيارية ليتمكن من الوصول إلى تصنيف 3 نجوم خضراء، وهو المستوى الأدنى للتصنيف.
تمنح الشهادة بمستويات مختلفة وفقا لمدى الالتزام بمعايير النجمة الخضراء وممارسات الحوكمة البيئية والاجتماعي، إذ يحصل الفندق على المستوى الفضي أو ثلاثة نجوم خضراء عند تطبيق المعايير البيئية الأساسية وتحقيق مستوى جيد من الأداء، بينما يعكس المستوى الذهبي أو أربعة نجوم خضراء التزاما متقدما بمعايير السياحة المستدامة. أما مستوى الماس أو الخمسة نجوم، فيمنح للفنادق التي تطبق جميع المعايير بفاعلية وتتبنى ممارسات مبتكرة في مجال الاستدامة.
العائد العالمي: يتيح الحصول على شهادة النجمة الخضراء مواءمة ممارسات المنشآت مع معايير المجلس العالمي للسياحة المستدامة، الذي يعترف ببرنامج النجمة الخضراء. ويمكن لهذا الارتباط أن يدعم حضور المنشآت في الأسواق الدولية ويعزز موقعها لدى الشركاء والمسافرين.
لا يتطلب الحصول على الاعتماد إنفاق الكثير من الأموال دفعة واحدة، بل تتسم التكلفة الفعلية للامتثال بالمرونة: "تعتمد التكلفة على المجالات التي يرغب الفندق في الاستثمار بها وحجم هذا الاستثمار. فهناك إجراءات منخفضة التكلفة يمكن للفندق من خلالها الحصول على تصنيف 3 نجوم. أما إذا كان يطمح للوصول إلى تصنيف 5 نجوم، فقد يستثمر الملايين في أعمال مثل تركيب الألواح والسخانات التي تعمل بالطاقة الشمسية وغيرها"، بحسب خالد.
أيضا — تشير معايير الاعتماد البيئي في مالطا — المدعومة من هيئة السياحة المالطية والمجلس العالمي للسياحة المستدامة — إلى أن بعض إجراءات الاستدامة لا تتطلب أي استثمار لوضع سياسة للاستدامة وتحديد أهداف بيئية وتعيين منسق بيئي والمشاركة في الدورات التدريبية وتعريف النزلاء ببرنامج الإدارة البيئية للفندق.
ما العائد على الاستثمار؟
هل تحقق الممارسات المستدامة بالفعل عوائد ملموسة على الشركات؟ قطعا نعم، إذ قد تبدأ بعض هذه العوائد في الظهور خلال سنوات قليلة. في الولايات المتحدة مثلا، تحقق الشركات التي تتفوق على منافسيها في الأداء البيئي عائدا أعلى بمتوسط 3% على حقوق الملكية مقارنة بنظيراتها، بحسب دراسة أجرتها منظمة جست كابيتال.
كما يمكن أن تساعد الكفاءة في خفض التكاليف: رغم تفاوت حجم الاستثمار المطلوب بحسب معيار الشهادة والإجراء المتبع، تعوض العديد من هذه التدابير تكاليفها بمرور الوقت. فعلى سبيل المثال، يمكن للاستثمارات الصغيرة في إضاءة الليد وأجهزة استشعار الحركة وأنظمة إدارة الطاقة الآلية خفض التكاليف التشغيلية، بينما قد تحقق الاستثمارات الأكبر مثل تحسين العزل وتركيب أنظمة تكييف وتهوية ذكية والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، مكاسب في الكفاءة على المدى الطويل.
يمكن لإدارة الطاقة أن تحقق وفورات بمتوسط يصل إلى 20% كبداية، في حين قد يؤدي ترشيد استهلاك المياه إلى تحقيق وفورات تتراوح بين 20% و25%، وفقا لخالد. وبالنسبة للنزلاء، قد تساعد هذه الوفورات التشغيلية في الحفاظ على تنافسية أسعار الحجوزات، وهي ميزة إضافية للمسافرين الذين يفضلون بالأساس الشركات التي تضع كفاءة استهلاك الطاقة على رأس أولوياتها.
يقدم أحد المنتجعات في شرم الشيخ، مثالا واضحا على ذلك: في خلال خمسة أشهر من تطبيق معايير النجمة الخضراء والعمل على الحصول على الشهادة البيئية، خفض المنتجع استهلاك الطاقة بنسبة 18% واستهلاك المياه بنسبة 20%، بفضل تدابير شملت إعادة استخدام المياه الرمادية وتحديث إضاءة الليد، كما ارتفع تقييم المنتجع على مواقع الحجز بمقدار 0.7 نقطة، فيما زادت حجوزاته خلال الصيف بنسبة 12%، وفقا لتقرير مؤسسة أو إس إس الشرق الأوسط للاعتماد.
يمثل الموظفون جزءا مهما من هذه المعادلة أيضا، إذ أكدت دراسة نشرتها مجلة ساستنبيلتي عام 2022 على أهمية الإدارة المستدامة للموارد البشرية، إذ شملت 26 فندقا في الجونة والغردقة وأكثر من 240 مدققا لفنادق حاصلة على شهادات خضراء. ارتبطت ممارسات الموارد البشرية المستدامة والاستراتيجيات البيئية بشكل ملحوظ بتراجع التكاليف التشغيلية وتحقيق نتائج أعمال أعلى بما فيها تحسين إدارة النفايات وتقليل شكاوى النزلاء في 83.4% من الحالات التي شملتها الدراسة.