Posted inإنتربرايز تشرح

بين رحى الدين والتضخم.. كيف تؤثر الهيمنة المالية على ديناميكيات الاقتصاد؟

🏦 ماذا يحدث عندما تضغط الديون السيادية على قرارات السياسة النقدية؟ هذا ما يحاول مفهوم الهيمنة المالية الإجابة عنه، إذ يعبر عن الحالة التي تحد فيها الضغوط المالية من قدرة البنك المركزي على منح الأولوية لاستقرار الأسعار. فمع ارتفاع الدين وعجز الموازنة، قد تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة صعبة بين كبح التضخم والحفاظ على تكاليف الاقتراض الحكومي عند مستويات يمكن تحملها.

من المقرر أن تجتمع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري بعد غد الخميس لاتخاذ قرار بشأن تثبيت أسعار الفائدة أو استئناف مسار الخفض. وأيا كان الاتجاه، سيتأثر القرار حتما باحتياجات الدولة التمويلية تماما كما يتأثر بمعدلات التضخم. فما طبيعة هذا الوضع بالنسبة إلى مصر؟ وما الخطوات التي يمكن اتخاذها لكبح تأثير الضغوط المالية على السياسة النقدية؟

من النقدية إلى المالية

نظريا: في عالم مثالي أكاديمي، يفترض أن تعمل السياسة النقدية وقرارات البنك المركزي بمعزل عن الحوكمة المالية، إذ تمنح البنوك المركزية الأولوية لاستقرار الأسعار والاقتصاد، من خلال تعديل أسعار الفائدة لإبقاء التضخم تحت السيطرة وتوجيه الاقتصاد نحو مسار مستدام. في المقابل، تتولى السلطات المالية مسؤولية إدارة الموازنة عبر سياسات الضرائب والإنفاق المصممة للحفاظ على استدامة المالية العامة والدين.

رغم أنه لا ينبغي لأي من السياستين أن تتعدى على الهدف الأساسي للأخرى، فإنهما تتداخلان بطبيعة الحال، إذ تترتب على السياسة النقدية آثار مالية، كما أن التضخم لا تحدده السياسة النقدية وحدها، بل يتأثر أيضا بمجموعة من العوامل، تتضمن تفاعل السياسة النقدية مع السياسة المالية. وبينما يظل استقرار الأسعار ضمن اختصاص المركزي، تقع على عاتق السلطات المالية مسؤولية الحفاظ على سياسة مالية سليمة، بما يضمن استدامة المالية العامة وتجنب استمرار العجز لفترات طويلة.

إجرائيا: كيف يبدو هذا التفاعل؟ الترتيب الملائم هو أن يكون البنك المركزي نشطا، بينما تتسم السياسة المالية بالحياد أو المرونة، إذ يحدد البنك المركزي النشط أسعار الفائدة المستهدفة بما يحقق استقرار الأسعار والأهداف الاقتصادية الكلية الأوسع. وفي مصر، يتجسد ذلك عبر نظام آلية أسعار الفائدة (الكوريدور) الذي يستخدمه البنك المركزي لتوجيه سعر الفائدة على التعاملات بين البنوك لليلة واحدة.

بذلك تتحكم البنوك المركزية جوهريا في مخرجات التضخم، وعلى العكس، يتحول البنك المركزي إلى القوائم السلبية عندما تبدأ السياسة النقدية في التكيف مع الاحتياجات المالية للحكومة، مثل إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات أقل من اللازم للمساعدة في إدارة أدوات الدين الحكومي القائمة.

أما بالنسبة للسلطات المالية، فإن اتباع نهج مرن يعني زيادة الضرائب وتحقيق فائض أولي وتقليص الإنفاق حسب الحاجة للحفاظ على استدامة الدين العام. وحين تتحول السياسة المالية إلى نهج نشط بدلا من ذلك، يمكن للإنفاق المستمر أو غير المستدام أن يخل بالتوازن بين السياستين النقدية والمالية، ما يضع ضغوطا محتملة على البنك المركزي لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية، وهو ما يعرف بالهيمنة المالية.

تطبيق الهيمنة المالية

في الأنظمة التي تخضع للهيمنة المالية، تتكيف السياسة النقدية فعليا مع تفاقم الدين الحكومي، إذ تتركز قرارات الفائدة على منع تكاليف خدمة الدين من زيادة عبء الدين الإجمالي. وإلى جانب إبقاء أسعار الفائدة منخفضة، قد يتعرض المركزي لضغوط لدعم سوق السندات الحكومية وضمان استمرار الوصول إلى تمويل بتكلفة معقولة. ما يعني تحولا واضحا في دور كل من السياستين، إذ تصبح السياسة المالية المحرك الرئيسي للتضخم، بينما يقتصر دور البنك المركزي إلى حد كبير على الاستجابة للقرارات المالية.

هنا تبدأ دائرة يصعب كسرها، إذ يمكن أن تنشأ مواجهة بين السلطتين عندما تحاول كل منهما دفع الأخرى إلى التكيف مع سياساتها، عندما يقاوم البنك المركزي تمويل العجز والتوسع في طباعة النقود، بينما ترفض الخزانة العامة خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب. وفي النهاية، لا يرغب أي من الطرفين في الوصول إلى انهيار اقتصادي أو التعثر عن سداد الديون السيادية.

بيد أنه عندما تتجاوز الديون العامة وتكاليف خدمتها حدا معينا، تصبح مواجهة التضخم عبر رفع أسعار الفائدة إجراء غير مجد، إذ يؤدي رفع أسعار الفائدة إلى زيادة فاتورة الفوائد التي تتحملها الحكومة، وبالتالي اتساع العجز المالي. وفي حال استجابت السياسة النقدية لهذه الضغوط المالية من خلال تمويل العجز بطبع مزيد من النقود، فإن الضغوط التضخمية الناتجة قد تعيد تغذية الدورة نفسها، لتخلق الظروف ذاتها التي تجعل السيطرة على الدين أكثر صعوبة.

ماذا عن مصر؟

تبدو الحالة المصرية أكثر تعقيدا: تاريخيا، سجلت البلاد عجزا متواصلا في الموازنة العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لدراسة نشرتها مجلة البحوث القانونية والاقتصادية المصرية في يوليو 2026. واعتمدت الحكومة في بعض الفترات على تمويل البنك المركزي لتلبية احتياجاتها التمويلية، ما أثار مخاوف بشأن فترات من الهيمنة المالية. كما ارتبط التضخم ارتباطا وثيقا بالضغوط المالية على مدى العقود الماضية، إلا أن المشهد تحسن تدريجيا خلال السنوات الأخيرة.

جدير بالذكر أن الإطار التشريعي المحلي حاليا لا يحظر تمويل البنك المركزي للعجز الحكومي، إذ يجوز للمركزي تقديم تمويل للحكومة لتغطية العجز الموسمي في الموازنة، بموجب المادة 47 من القانون رقم 194 لسنة 2020 المنظم للبنك المركزي والجهاز المصرفي. ويخضع هذا التمويل لشروط صارمة، إذ يجب ألا يتجاوز 10% من متوسط إيرادات الموازنة العامة للدولة خلال السنوات المالية الثلاث السابقة، كما يجب سداد المبلغ بالكامل خلال 12 شهرا من تاريخ منحه.

تشير التجربة المصرية خلال فترات الضغوط الاقتصادية منذ عام 2017 إلى أن السياستين النقدية والمالية عملتا بالتوازي دون تعدي إحداهما على اختصاصات الأخرى، مدعومتين بإصلاحات هيكلية شملت فرض قيود على التمويل المباشر من البنك المركزي، وإدارة الدين بناء على آليات السوق.

كما تظهر السلطات المالية والنقدية في مصر مستوى متوسطا من التنسيق، مقارنة بالأدلة الملموسة على الهيمنة المالية خلال الفترة من 1980 إلى 2017، إذ يمكن وصف الهيمنة المالية في مصر اليوم يالمعتدلة، كونها لم تعد العائق الرئيسي كما في السابق، إلا أنها لا تزال عاملا مؤثرا في صياغة مخرجات السياسة النقدية، بحسب الدراسة.

وخلال السنوات الأخيرة، حافظ البنك المركزي على موقف صارم في مواجهة التضخم، مستخدما رفع أسعار الفائدة عند الحاجة، بينما ركزت السياسة المالية على تقديم دعم مستهدف. ويعكس هذا التنسيق أهمية استقلالية البنك المركزي في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.