Posted inقرارات تنظيمية

مع اقتراب السوق من التشبع.. جهاز تنظيم الإعلانات يشدد ضوابط تجديد التراخيص

تتجاذب قوتان سوق إعلانات الطرق في مصر حاليا؛ الأولى تنظيمية تقودها الجهات الرسمية، إذ يعمل الجهاز القومي لتنظيم الإعلانات على الطرق العامة على تشديد الضوابط، ولن يُجدد تراخيص اللوحات الإعلانية القائمة إلا إذا استوفت المواصفات الجديدة المتعلقة بالأحجام، والمسافات البينية، والمواقع، بناء على تصنيف الطريق وسرعته التشغيلية، حسبما صرحت به إيمان نبيل، رئيسة الجهاز القومي لتنظيم الإعلانات لإنتربرايز. وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز السلامة المرورية والحد من التلوث البصري. أما القوة الثانية، فترتبط بآليات السوق ذاتها، إذ تقترب معدلات إشغال اللوحات الإعلانية من مستويات التشبع، لتسجل نحو 87-88%، وفقا لشركة آد مزاد المتخصصة في تجميع بيانات إعلانات الطرق.

بيد أن كلتا القوتين، سواء التوجه التنظيمي أو عوامل السوق، تواجه تحفظات. فقد صرح هيثم عرفان، نائب رئيس غرفة صناعات الدعاية والإعلان باتحاد الصناعات المصرية، لإنتربرايز بأن الجهاز القومي لتنظيم الإعلانات لا يملك سلطة ربط تجديد التراخيص بالالتزام بالدليل الإرشادي، موضحا أنه "ليس الجهة المانحة للتراخيص ولا المستلمة لرسومها". وأضاف أن جميع اللوحات القائمة أُقيمت بناء على تراخيص رسمية ومعاينات ميدانية من الجهات الإدارية صاحبة الولاية، وتُسدد رسوم تجديدها سنويا، مشيرا إلى أن نسبة الإعلانات غير المرخصة تكاد تكون معدومة. كما انتقد عدم مواءمة الضوابط الجديدة مع الواقع المحلي. إذ قال عرفان: "يفترض الدليل الإرشادي أن عرض الرصيف يتراوح بين 6 و8 أمتار، بينما يبلغ العرض المعياري في مصر مترين إلى 3 أمتار فقط". كما أضاف أن تطبيق هذه القواعد بحذافيرها سيؤدي إلى إزالة نحو 80% من اللوحات الإعلانية القائمة.

ماذا تقول الضوابط الجديدة؟

يُعد الدليل الإرشادي للإعلانات على الطرق العامة مرجعا استرشاديا وليس إلزاميا. إذ يضع معايير موحدة لتنظيم مواقع وأحجام اللوحات وفقا لتصنيف الطرق وسرعاتها، ويقدم إرشادات استرشادية (غير إلزامية) للمناطق التراثية والمواقع القريبة من دور العبادة والمباني ذات الطراز المعماري المتميز، بالإضافة إلى تشجيع استخدام الإضاءة الموفرة للطاقة والطاقة الشمسية. وقد وزع جهاز تنظيم الإعلانات هذا الدليل على الجهات الإدارية في المحافظات وأجهزة المدن الجديدة، كما يراجع مخططاتها الإعلانية بناء عليه.

لم يشهد السوق تحولا ملموسا جراء هذه القرارات حتى الآن. في تعليقه لإنتربرايز، قال عاصم ميمن، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة آد مزاد، إن أي تغيير حالي في حجم المعروض يُعزى إلى تفاعلات العرض والطلب، وليس إلى القرارات التنظيمية. تسببت زيادات الأسعار — وليس حجم المعروض المتاح — في زيادة الإنفاق الإعلاني على الطرق بنسبة 60% على أساس سنوي ليسجل 12.7 مليار جنيه خلال عام 2025، في حين ارتفع حجم المعروض بهذه السوق بنسبة 9% فقط. كما بلغ متوسط الإشغال 86% على مدار العام، ليصل إلى ذروته عند 95% على الطريق الدائري، ما دفع تكاليف التأجير والتراخيص إلى الارتفاع بالتوازي. وساهم القطاع العقاري وحده بحوالي 65% من إجمالي الإنفاق الإعلاني خلال العام.

فائض في المعروض

بلغ معدل الإشغال نحو 86% في أغسطس الماضي، بإجمالي إنفاق على الإعلانات الخارجية بنحو 1.6 مليار جنيه خلال الشهر، وفقا لبيانات آد مزاد. وساهم القطاع العقاري بحوالي 78% من هذا الإنفاق، مقارنة بـ 58% قبل عام.

لكن هذه النسبة المرتفعة لمعدلات الإشغال لا تعني بالضرورة ندرة المعروض. إذ يرى ميمن أن السوق يعاني في الواقع من فائض في المعروض، لا سيما في المقاسات الصغيرة مثل اللوحات الإعلانية الطولية بمقاس 3×6 أمتار، التي تمثل نحو 40% من إجمالي اللوحات البالغ عددها نحو 12 ألف لوحة إعلانية في القاهرة الكبرى والإسكندرية والدلتا (بمقاسات 3×6 أمتار فأكثر). وقد بدأت أعداد هذه اللوحات في التراجع مؤخرا ببعض المناطق، مثل القاهرة الجديدة والشروق، ليس بسبب التدخل التنظيمي، بل لأن وفرة المعروض منها جعلت بعضها غير مربح لأصحابها، ومن ثم فضل هؤلاء إزالتها بدلا من تحمل رسوم التراخيص دون تحقيق عائد كافٍ، وفقا لميمن.

تباطؤ القطاع العقاري

يعاني السوق من أزمة تركز هيكلية. إذ يقول ميمن: "توسعت البنية التحتية للإعلانات الخارجية لتلبية احتياجات المطورين العقاريين، ومن ثم فإن أي تباطؤ في مبيعات العقارات أو إعادة توجيه لميزانياتها التسويقية يؤثر فورا وبشدة على القطاع بأكمله". فالمعلنون الآخرون، سواء في قطاعات السلع الاستهلاكية أو الخدمات المالية أو غيرها من القطاعات الأخرى، يتعاملون مع نفقاتهم الإعلانية وفق حسابات أكثر صرامة بشأن العائد على الاستثمار. أما المطورون، فكانوا قادرين في السنوات الماضية على استيعاب الزيادات في أسعار للإعلانات، لكن هذه القدرة تتقلص.

ظهرت هذه المخاطر بوضوح في الربع الرابع من عام 2025، مع تباطؤ وتيرة النمو وتراجع إنفاق المطورين في بعض المناطق. وكشف هذا الوضع عما يصفه ميمن بـ "فجوة الاستدامة"، التي تحدث عندما ترتفع معدلات الإشغال في السوق، في حين تتباطأ وتيرة الطلب الفعلي على الحملات الجديدة والمواد الإعلانية المبتكرة. ويرى عرفان أن هذا الوضع تسبب في سلسلة من التداعيات، فشركات الإعلانات اضطرت لمنح المطورين خصومات كبيرة، بينما لجأ المطورون المتعثرون إلى صفقات التبادل والمقاصة عبر تقديم وحدات عقارية مقابل الفواتير الإعلانية. وتسببت هذه الصفقات في حرمان شركات الإعلانات من السيولة النقدية اللازمة لدفع رسوم التراخيص، ما أدى إلى تراجع ملموس في حجم الحملات الإعلانية. وأكد عرفان أن "قطاع الدعاية والإعلان هو الأكثر تأثرا بالأزمة العقارية".

بلغة الأرقام: هبطت نسبة تغيير محتوى الرسائل الإعلانية لدى آد مزاد إلى نحو 40%، وهو الأدنى منذ ثلاث سنوات رغم معدلات الإشغال القياسية، وفقا لميمن. إذ يرصد هذا المعيار معدل تحديث المادة الإعلانية على اللوحة خلال فترة معينة تُقاس شهريا. ويعني ذلك أن جزءا كبيرا من المساحات مشمول بعقود قائمة، لكن المحتوى الإعلاني نفسه لا يتغير بالسرعة الكافية، وهو دليل مباشر على تباطؤ ضخ الأموال في الحملات الجديدة.

التحول نحو الطاقة المتجددة.. ملف معقد

تدرس الأمانة الفنية للجهاز القومي لتنظيم الإعلانات إعطاء الأولوية في التنافس على المساحات الإعلانية إلى المعلنين الذين يستخدمون الطاقة المتجددة لإنارة اللوحات الإعلانية، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، بحسب ما ذكرته نبيل لإنتربرايز. لكن ميمن يوضح أن المعلن لا يختار مصدر الطاقة، بل تتحكم فيه شركات إدارة الامتيازات. ونظرا إلى أن غالبية اللوحات الكبيرة تعتمد حاليا على مولدات السولار، وتقتصر تجارب الطاقة الشمسية على تشغيل كشافات الإضاءة الخارجية فقط، فإن التحول الشامل نحو الطاقة الشمسية لن يكون قرارا اقتصاديا سهلا في ظل الانخفاض الحالي في العوائد.

ويرى عرفان أن التحول الكامل إلى الطاقة الشمسية غير عملي لاعتبارات فنية وتأمينية. إذ لا تتسع المساحات المتاحة أعلى اللوحات لتركيب ألواح شمسية كافية، كما تتطلب الإضاءة الليلية بطاريات تخزين مكلفة، نظرا إلى أن الألواح تولد الطاقة نهارا بينما تُضاء اللوحات ليلا، فضلا عن أن وضع البطاريات في الشوارع يجعلها عرضة للسرقة دون وجود تأمين لها. وتتركز جهود الشركات بدلا من ذلك على ترشيد الاستهلاك، عبر التخلي عن لمبات الفلورسنت لتحل محلها لمبات ليد (مما وفر نحو 60% من الاستهلاك)، والتحول أيضا إلى شاشات ليد الحديثة التي لا تحتاج إلى أجهزة تبريد داخلية مثل الشاشات القديمة (وهو ما يوفر 70% إضافية)، وفقا لعرفان.

في حين يرى آخرون عدم جدوى إنارة اللوحات من الأساس. فقد صرح أحمد زهران، الرئيس التنفيذي لشركة كرم القابضة، لإنتربرايز بأن القضية ليست كيفية تزويد اللوحات بالكهرباء بل في مدى جدوى إنارتها من الأساس، واصفا استهلاك الكهرباء لإنارة إعلانات الشوارع بأنه هدر لموارد يجب توجيهها للقطاعات الإنتاجية. وقال: "من المؤسف أن تتوفر لدينا مصانع ومزارع ومدن جديدة تضيف قيمة فعلية للاقتصاد وتحتاج للكهرباء والغاز، بينما نوجه هذه الموارد لإعلانات الشوارع التي تتوفر لها بدائل تسويقية رقمية عديدة"، مضيفا أن "حياة المواطنين لن تتغير إطلاقا إذا أُزيلت هذه الإعلانات بالكامل".

إلى أين يتجه السوق؟

يعتقد ميمن أن السوق سيعيد تصحيح مساره ذاتيا. إذ يتوقع أن يؤدي عجز بعض الشركات عن سداد رسوم التراخيص والامتيازات خلال فترات هدوء السوق إلى إنهاء العقود وسحب الامتيازات وإزالة اللوحات غير المربحة، مما يخفض المعروض تلقائيا ويساعد على إعادة التوازن بين الأسعار والطلب. وفي المقابل، تواجه اللوحات المطابقة للمواصفات في المواقع الرئيسية ضغوطا عكسية؛ نظرا إلى أن فرض مسافات بينية أكثر صرامة ومنع استغلال أرصفة المشاة سيؤدي بالتبعية إلى تقليص عدد المواقع المتاحة، ما يرجح ارتفاع الأسعار وزيادة الضغوط على الميزانيات التسويقية للشركات الراغبة في استخدام هذه اللوحات، لا سيما بالنسبة للمطورين العقاريين.

كما تتغير خريطة الطلب خلال هذا الشهر. إذ يتوقع ميمن إعادة توجيه نحو 800 مليون جنيه من الإنفاق الموسمي على الإعلانات، من الطرق الساحلية إلى القاهرة الكبرى في سبتمبر، مع انتهاء عقود موسم الساحل الشمالي، لتتجه الميزانيات نحو مواقع رئيسية مثل المحور والطريق الدائري وطريق السويس.

الخطوة التالية: مع وصول سوق الإعلانات الخارجية إلى مستويات قريبة من التشبع، لن تكون المعركة المقبلة حول عدد اللوحات الإعلانية فحسب، بل ستتركز حول جودة المواقع وقدرتها على تحقيق عائد فعلي للمعلنين. وبعد أن أكد الجهاز القومي لتنظيم الإعلانات أن تجديد التراخيص لن يتم إلا وفق الضوابط الجديدة من الآن فصاعدا، ستكون قرارات التجديد المقبلة أول مؤشر عملي لاختبار كيفية تطبيق هذه الإرشادات على أرض الواقع.