🔪 متى أصبحت التراجيديا مادة للاستمتاع؟ في أواخر يوليو الماضي أصدرت نتفليكس مسلسلها الوثائقي الجديد The Idaho Murders: College Nightmare، وقبل أسابيع قليلة، صدر عن منصة شاهد أول أجزاء مسلسل القصة الكاملة تحت عنوان لعبة جهنم. المشترك بين العملين هو ردود الأفعال التي تبعت عرضهما، إذ أعادا سرد جرائم حقيقية وقعت منذ أقل من عامين.
تصدر محرك البحث جوجل في مصر كلمات مثل "لعبة جهنم" و"القصة الكاملة"، إذ ازداد الاهتمام بحكاية الجريمة المروعة التي راح ضحيتها طفل صغير فيما أعدم منفذها وحكم على المحرض إليها بالسجن 15 عاما. ما لفت الانتباه لم يكن جودة العمل الدرامي بقدر بشاعة الجريمة المرتكبة، التي أعادت إلى الساحة جدالا أدبيا برز بشكل خاص على منصات التواصل التي انتقد فيها البعض تجسيد القصة وإيذاء أهل الضحية مجددا، ليتجلى التساؤل: لماذا نستمتع بمشاهدة تلك الأعمال؟ وما هو تأثيرها الحقيقي علينا؟
لماذا تثيرنا قصص الجرائم الحقيقية؟
لدينا صديق يتلذذ حق التلذذ عندما يتناول وجبة حارة للغاية، فتحمر عيناه ويتصبب عرقا وتلازمه الكحة لفترة طويلة بعد الانتهاء من تناول الطعام، بينما نعرف شخصا آخر يستمتع تماما بالاستغراق في حلقات بودكاست ما يتناول أبشع الجرائم الحقيقية التي وقعت في مصر. في الحقيقة يثير سلوك هذين الفردين تساؤلنا كل مرة: لم يفعلان ذلك بنفسيهما؟ هل يتلذذان بتعذيبها؟ لم يكن هذا التساؤل وليد ملاحظاتنا نحن فقط، بل شغل عقول العلماء لفترة، وهو ما فسره عالم النفس الأمريكي بول روزين تحت مسمى المازوخية الحميدة أو المخاطرة الآمنة.
"أعتقد أن الفضول البشري تجاه الخطر أمر طبيعي"، حسبما قالت الأخصائية النفسية السريرية منة عبد الوهاب (ليكند إن) لإنتربرايز، مؤكدة أننا نميل بطبيعتنا إلى فهم التهديدات، خاصة عندما تتاح لنا فرصة استكشافها من موقع آمن نسبيا. من هنا، قد تمنح أعمال الجريمة الحقيقية مشاهديها شعورا بأنهم يتعلمون المزيد عن المخاطر أو يحاولون فهم الدوافع البشرية أو حتى استيعاب بعض الظواهر المخيفة.
لذة المخاطرة الآمنة: يستند رأي عبد الوهاب إلى العلم، إذ تمنح نظرية روزين الخاصة بإقبال البعض على التجارب المؤلمة نفسيا أو جسديا مبررا لاستمتاع الآلاف بهذا النوع من الأعمال، إذ تصف هذه الظاهرة حالة نفسية متناقضة يستمتع من خلالها المرء بتجارب منفرة ومخيفة تولد بداخله مشاعر الخوف والقلق والانزعاج العاطفي، بيد أنه مستمتع بها لإدراكه أنه بعيد عنها تماما وفي مأمن كامل من أي خطر حقيقي، حسبما جاء في دراسة صادرة عن جامعة كامبريدج عام 2023.
عندما يمر المرء بتجربة سلبية عمدا، فإن العقل يخدع الجسد نوعا ما، فلا يوجد خطر حقيقي وبالتالي يفسر الشعور بالمتعة بضحكة انتصار يصدرها العقل على الجسد، بحسب الدراسة. لا تقتصر هذه التجارب السلبية فقط على قصص الجرائم أو الرعب الحقيقية، بل تمتد إلى الاستماع عمدا إلى الأغنيات الحزينة والدخول في حالة شجن، أو حتى تناول وجبة حارة للغاية.
نظرية العملية المعاكسة: عندما يمر الإنسان بتجربة غامرة بالمشاعر السلبية الحادة مثل الفزع أو الاشمئزاز أو التوتر، فإنها تثير تلقائيا استجابة عاطفية ثانوية معاكسة تتمثل في الراحة والطمأنينة التي يشعر بها العقل والجسد بمجرد انتهاء التجربة، فيما يعرف بنظرية العملية المعاكسة، والتي أشار إليها عالمان من جامعتي براون وبنسلفانيا في دراسة نشرت بمجلة سايكولوجيكال ريفيو في السبعينات. ومع تكرار تعرض المرء لمثل تلك المثيرات، تضعف المشاعر السلبية تدريجيا في حين تقوى المشاعر الإيجابية اللاحقة، ما يدفع المشاهدين إلى استهلاك هذه الأفلام والمسلسلات بشكل متواصل.
تلبي أعمال الجريمة الحقيقية احتياجات نفسية أصيلة، مثل الفهم والسيطرة والتنظيم الانفعالي من خلال ألغاز الجرائم التي يفتش المشاهد من خلالها عن الأنماط والدوافع والنهايات، إلى جانب أيضا كونها مساحة يوجه فيها مشاعر الغضب والخوف في إطار آمن وبيئة متحكم فيها. كما توفر أيضا مساحة للهروب من الواقع، تشبه في تأثيرها ركوب الألعاب في الملاهي، إذ يميل الأفراد إلى مشاهدة تلك الأعمال ما دامت لم تمسهم أو تهددهم شخصيا.
ترفيه أم هوس؟
"لا يمكن تشخيص شخص بوجود خلل نفسي لمجرد استمتاعه بمشاهدة هذا النوع من المحتوى"، حسبما قالت عبد الوهاب، مشيرة أن السؤال الأهم من الناحية العلاجية هو: ما هو التأثير الفعلي لهذا المحتوى على المشاهد؟ فمن يتابع هذه الأعمال بين الحين والآخر فيجدها مثيرة للاهتمام، ثم يكمل حياته المعتادة، يختلف تماما عمن يشعر برغبة قهرية في مشاهدة محتوى مزعج وعنيف بشكل لا يستطيع التوقف عنه أو عندما يصل به الأمر إلى حد التأثير السلبي على نومه وعلاقاته وأدائه اليومي.
من الذي يشاهد؟ تمثل النساء نحو 73% من إجمالي جمهور بودكاست الجرائم الحقيقية، بحسب دراسة شملت أكثر من 300 شخص وصدرت عن مجلة الراديو والإعلام المسموع الأمريكية عام 2018. ورغم تنوع الدوافع لثلاثة رئيسية هي التفاعل الاجتماعي والهروب من الواقع والفضول، إلا أن تقرير سايكولوجي توداي يكشف أن استهلاك النساء يرتبط باحتمالية تعرضهن لعنف أعلى، لذا فإن استهلاكهن لمحتوى الجرائم الحقيقية قد يمثل نوعا من الاستعداد النفسي لقراءة العلامات التحذيرية والريد فلاجز ومواجهة المخاطر المحتملة مستقبل.
يرتبط هذا السلوك بمتلازمة العالم الشرير، والتي تعني انحيازا في رؤية العالم يتشكل لدى المرء عقب استهلاكه للكثير من المحتوى العنيف والأخبار السلبية وغيرها، ما يضخم لديه الشعور بالخطر والتهديد الشخصي. في حالة النساء، فإنهن يندفعن تدريجيا إلى بناء سيناريوهات ذهنية تستهدف تدريب العقل على كيفية التصرف في حالة الخطر.
بالنسبة لعبد الوهاب، يبدأ القلق الفعلي عندما يترك هذا الاستهلاك أثرا ملموسا على الصحة النفسية للشخص. على سبيل المثال، قد يدق ناقوس الخطر إذا استمر شخص ما في مشاهدة المحتوى المزعج رغم إدراكه أنه يسبب له القلق، أو إذا فقد قدرته على النوم بسبب التفكير المستمر في تفاصيل القضايا، أو أصبح يعاني من نوبات شك أو خوف متزايد من الآخرين، أو بدأ يتجنب الأنشطة اليومية العادية لاعتقاده أن العالم مكان خطير، أو أخذ يتخيل وقوع الجريمة حقا، أو أصبح يستخدم هذا المحتوى بشكل متكرر ليطمئن نفسه بأنه في أمان، حسبما قالت.
صدمات قديمة
بالنسبة لمن مروا بتجارب عنيفة أو صادمة، قد يتحول المحتوى المشابه إلى محفز يذكرهم بتلك الصدمة، فقد يؤدي صوت أو صورة أو تسلسل أحداث أو موقع جغرافي أو حتى تفصيلة معينة، إلى استدعاء يعيد الذكريات والاستجابات الفسيولوجية المرتبطة بالتجربة الأصلية، حسبما أضافت.
قد يظن البعض أن التعرض لهذا المحتوى قد يعد محاولة للعلاج بالصدمة، بينما أكدت عبد الوهاب أن التعرض العلاجي يكون منظما وتدريجيا وينفذ داخل إطار علاجي منهجي، لذا فإن مشاهدة تجسيد درامي لحدث يشبه صدمة المتفرج الشخصية لا يمثل علاجا بالتعرض بشكل تلقائي، فالمقياس الحقيقي يكمن في استجابة الفرد بعدها، هل حفز تعرضه لهذا المحتوى الشعور بالتوتر والخوف، كأنه عالق في التجربة من جديد أم شعر أنه قد تمكن أخيرا من تجاوز تلك الصدمة؟
هناك أعراض يجب أخذها بجدية عند تعرض أصحاب الصدمات السابقة لهذا المحتوى، مثل إذا كان الشخص يعاني من كوابيس أو ذكريات اقتحامية أو نوبات هلع فسيولوجية أو رغبة في التجنب والعزلة أو اضطرابات في النوم أو زيادة ملحوظة في مستويات التوتر، إذ شددت عبد الوهاب على ضرورة التعامل مع هذه العلامات التحذيرية بحرص بدلا من افتراض أن تكرار مشاهدة المحتوى سيساعد في تجاوز الصدمة. "لا ينبغي أن ننسى أبدا أنه رغم كون هذه الأحداث مجرد قصة بالنسبة للمشاهد، فهي واقع مأساوي وحياة حقيقية لعائلة الضحية أو لمن مر بتجربة صادمة مشابهة".
ماذا تفعل إن كنت عالقا؟
"إن تملك الفرد شعور بالقلق من الانغماس في هذا المحتوى، يجب تقليل المشاهدة تدريجيا"، حسبما نصحت عبد الوهاب. "أقترح البدء بأخذ استراحة متعمدة خاصة قبل النوم، وملاحظة تأثير ذلك على مستويات القلق وجودة النوم، مع ضرورة استبدال هذا المحتوى بمواد أخرى إيجابية أو محايدة عاطفيا".
من الضروري أيضا أن يراقب الشخص نمط مشاهدته، ليعرف ما إذا كان يتابعها بدافع الاستمتاع الحقيقي، أم لشعوره بالحاجة الملحة لمعرفة ما حدث. في حال الشعور بنوبات هلع أو خوف ملحوظ أو استمرار القلق لفترة بعد مشاهدة المحتوى، فتوصي عبد الوهاب بالتحدث إلى مختص في الصحة النفسية. "أحيانا تكون الاستجابة الأصح لأي مادة إعلامية هي ببساطة إدراك أنها لا تناسبك في هذه المرحلة المحددة من حياتك".