Posted inتجارة

صادرات الصناعات الغذائية تسجل وتيرة قياسية في عام 2026 حتى مع تزايد الاعتماد على قمح البحر الأسود

حققت صادرات مصر من الصناعات الغذائية مستوى قياسيا بلغ 6.8 مليار دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 12% على أساس سنوي، لتمثل حاليا 14% من إجمالي الصادرات غير البترولية للبلاد، وفقا للمجلس التصديري للصناعات الغذائية. ويبدو أن عام 2026 سيسجل أداء أقوى.

فقد استمر هذا الزخم خلال عام 2026. إذ حقق القطاع أقوى أداء له على الإطلاق خلال فترة الأشهر السبعة الأولى من العام، مسجلا 4.473 مليار دولار، بزيادة نسبتها 10.7% مقارنة بنحو 4.040 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام الماضي. وبلغت قيمة الصادرات في الربع الثاني وحده 2.054 مليار دولار، أو ما يعادل 46% من إجمالي مبيعات الأشهر السبعة، مع تحقيق نمو في 114 سوقا خلال الفترة بأكملها، بحسب المجلس. ويقع هذا القطاع في صميم مساعي الدولة للوصول بإجمالي الصادرات إلى 145 مليار دولار بحلول عام 2030.

ما سر هذا النجاح الاقتصادي؟ أوضح أحمد السباعي، مدير عام المجموعة المصرية السويسرية، في حديثه إلى إنتربرايز أن المنتجات الغذائية المصرية تتمتع بميزة تنافسية سعرية جيدة في الأسواق الخارجية بفضل مجموعة من العوامل، مشيرا إلى أن سعر الصرف يمثل السبب الأبرز؛ إذ يحصل المنتجون على إيرادات بالعملة الصعبة في حين يسددون التكاليف بالجنيه. ويضيف السباعي أن تكلفة الشحن تسهم بدور أيضا؛ إذ توفر خطوط الشحن أسعارا مخفضة لنقل البضائع في الحاويات الفارغة العائدة إلى الصين، مما يتيح نقل البضائع المصرية بتكلفة زهيدة على مسارات العودة إلى آسيا. كذلك تسهم اتفاقيات التجارة التفضيلية في تعزيز هذه الميزة، مثل اتفاقية الكوميسا، التي تتيح دخول البضائع دون رسوم جمركية إلى شرق أفريقيا. وقد دفع شح النقد الأجنبي محليا المصنعين في البداية نحو التصدير بهدف التحوط، لا سيما في قطاع يعتمد بكثافة على استيراد القمح. أما اليوم، أصبح انخفاض قيمة الجنيه نفسه عاملا يعزز تنافسية المنتجات المصرية في الخارج.

المصرية السويسرية نموذج مصغر للقطاع: تُصدّر المجموعة المصرية السويسرية بالفعل كميات ضخمة لتكتسب مكانة بارزة في القطاع بمصر، إذ بلغ نصيبها 15% من إجمالي الكميات التي صدرتها الدولة من الدقيق و10% من صادراتها من المعكرونة خلال النصف الأول من عام 2026، بحسب الشركة. وقبل خمس سنوات، كانت المجموعة تبيع 70% من إنتاجها محليا، أما اليوم فهي تصدر نحو 80% منه إلى أكثر من 50 سوقا في أربع قارات. ويقول السباعي إن "التصدير يتيح للشركات مصدرا مرنا للدخل بالعملة الصعبة، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لنا نظرا إلى أننا نستورد القمح".

الصين هي السوق التالية المستهدفة: ترجح المجموعة توقيع أول عقودها في الصين قبل نهاية العام الجاري، مستهدفة تصدير المعكرونة الجافة ودقيق القمح. وتعمل الشركة على تمهيد الطريق لهذه الخطوة منذ عام 2024 من خلال التسجيل في الإدارة العامة للجمارك الصينية ونظام تسجيل الشركات المصنعة للأغذية المستوردة، وتوفير ملصقات المنتجات باللغة الصينية، والحصول على موافقة الهيئة القومية لسلامة الغذاء، بالإضافة إلى تأسيس فريق تجاري داخلي يتحدث أعضاؤه الصينية. وفي حين يركز السباعي استراتيجيته على مكانة الصين، كونها مستوردا للمعكرونة طالما اعتمد على إيطاليا وتركيا لاستيرادها، تُظهر قواعد بيانات التجارة العالمية الرسمية صورة أكثر تعقيدا؛ فالصين تسجل فائضا كبيرا في صادراتها من مختلف أصناف المعكرونة المدرجة ضمن البند الجمركي HS 1902، فقد صدرت منتجات بقيمة تجاوزت 1.4 مليار دولار كان معظمها ضمن فئة "عجائن غذائية أخرى"، مقابل واردات بلغت 590 مليون دولار في عام 2025. لكن الشريحة المستهدفة بالنسبة للشركة تركز تحديدا على السوق العالمية للمعكرونة الجافة، التي تهيمن إيطاليا وتركيا بكثافة على إنتاجها وتوريدها.

ويرى السباعي أن أطر الإعفاء الجمركي في الأسواق الأفريقية تتيح فرصة واضحة لدخول منتجات قادرة على المنافسة السعرية. وتؤكد المجموعة أن هيكلها المتكامل يتيح لها التفوق سعريا على الشركات الكبرى القائمة بالفعل، من خلال طحن الدقيق الخاص بها، وتشغيل مصانع متكاملة منخفضة التكاليف العامة، والشحن بتكلفة زهيدة عبر الخطوط المتجهة إلى الصين.

ومع ذلك، يظل قمح البحر الأسود الركيزة الأساسية، ومكمن الخطر في آن واحد. فما زالت روسيا وأوكرانيا هما الموردين الرئيسيين لمصر بفضل السعر والجودة والقرب الجغرافي، إذ شكلتا معا نحو 84% من واردات مصر من القمح خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 (بواقع 58.6% لروسيا و25.1% لأوكرانيا)، وفقا لبيانات شاركها هشام سليمان، تاجر الحبوب في القطاع الخاص. أما القمح القادم من الأرجنتين والبرازيل وكازاخستان ورومانيا، الذي اتجهت مصر لاستيراده مع بداية تداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فظل مجرد خيار احتياطي. واستوردت مصر 8.7 طن خلال الفترة من يناير إلى أغسطس، بزيادة بلغت نحو 28% على أساس سنوي، وفقا لحسابات سليمان.

بيد أن هذا النمط من قَصْر الاعتماد على مصدر أو مصدرين هو مكمن الخطر الرئيسي؛ إذ إن الاضطرابات نفسها في منطقة البحر الأسود، التي تعيد تشكيل تدفقات التجارة الإقليمية، تؤثر أيضا على منابع مصانع الأغذية المصرية. فقد انخفضت شحنات القمح الوافدة بنحو 41% على أساس سنوي في أغسطس 2026 لتصل إلى 0.65 طن، وفق بيانات شاركها هشام سليمان. ويجسد هذا تذكيرا بأن التحوط عبر العملة الصعبة يظل فعالا ما دامت إمدادات القمح مستمرة في الوصول. أما الاختبار الأقرب في هذا السياق فسيكون اختبارا تجاريا، وهو ما إذا كان أول عقد صيني سيُوقع قبل نهاية العام، وحجم الكميات التي سيتضمنها.