🍎 في أواخر أبريل الماضي، عثر على ضياء العوضي ميتا إثر سكتة قلبية في غرفته الفندقية بدبي، مع تأكيد وزارة الخارجية عدم وجود شبهة جنائية. انتشرت نظريات المؤامرة على ألسنة محبيه في مجموعات فيسبوك المخصصة له، مؤكدين أن شركات الأدوية الكبرى قد استهدفته لأنه تجرأ و"كشفهم على حقيقتهم". كان الأمر جنونيا برمته، ولم تمر أيام حتى حظر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام نشر وتداول أي محتوى أو فيديوهات للطبيب الراحل، باعتبارها مضرة بالصحة العامة وخطر على حياة المواطنين.
ترك العوضي إرث "الطيبات" وراءه مقسما الأطعمة إلى فئتين: الطيبات والخبيثات: تندرج الخضروات والبقوليات ومعظم الفواكه والبيض والدواجن ومنتجات الألبان تحت فئة الخبائث، في حين وضع العوضي السكر والعيش الأبيض والنوتيلا والبطاطس والشيبسي ضمن فئة الطيبات، مع توجيه أتباعه بتناول ما شاؤوا من قائمة المسموحات والتوقف عن حساب السعرات الحرارية، والأخطر من ذلك التوقف عن تناول أي أدوية يمكن الاستعاضة عنها عبر النظام الغذائي، بما في ذلك الأنسولين.
اعتمد العوضي في حجته على أن عملية الهضم تستهلك نحو 10% من طاقة الجسم، وأن الألياف والبقوليات والأطعمة المعقدة تتطلب جهدا متواصلا من الأمعاء والميكروبيوم، وهي الأطعمة التي بإقصائها يعيد الجسم توجيه طاقته نحو الأمور الأهم مثل التعافي من الأمراض.
حسنا.. دعونا نأكد أن مثل هذا النظام الغذائي بكل أبعاده يمثل ضربا من الجنون، وقد حاورت نشرة إنتربرايز استشاري علاج نفسي وأخصائية تغذية واضطرابات أكل، لفهم أسباب الانتشار الواسع لنظام الطيبات وكيف تحول المشككون إلى مؤمنين به وكيف ساهمت أساليب العوضي نفسه في ترويج النظام وكذلك ما الذي يحدث لجسم الإنسان عند اتباعه.
لماذا انتشر نظام الطيبات؟
لفهم كيف جذب نظام غذائي معتل كل هؤلاء المريدين، ينبغي النظر إلى شخصية الطبيب المروج له أولا: لطالما افتقرت الفئة البسيطة من الشعب إلى مروجي الأنظمة الغذائية الصحية، حسبما قال استشاري العلاج النفسي خالد صلاح الدين (لينكد إن) لإنتربرايز. استمر ذلك حتى جاء العوضي وتحدث مع تلك الفئة بلغة عامية بسيطة تفهمها على لسان رجل يبدو وكأنه ينتمي لنفس بيئة جمهوره، طالبا منها التخلص من عناصر غذائية معينة بدلا من إدخال بدائل باهظة الثمن: "هذا الأسلوب في عرض الفكرة كان له تأثيرا كبيرا".
نظام يتماشى مع الوضع الاقتصادي؟ يبدو تفسير صلاح الدين منطقيا، فمعظم الأنظمة الغذائية تروج لقوائم لا تنتهي من المكملات الغذائية والمنتجات العضوية واشتراكات الجيم والاستشارات الطبية، تجعل من أبسط رغبة في تبني نظام حياة صحي رفاهية يتمتع بها فئة قادرة على الإنفاق. في المقابل، منح نظام الطيبات أتباعه الأمل المخلص الذي لم يحثهم على إنفاق الأموال فحسب، بل دفعهم إلى إنفاق الأقل من خلال منع العديد من المنتجات، داعيا إياهم إلى التشكيك في المؤسسات التي تدفعهم لمزيد من الإنفاق.
بالنسبة لفئة مستهدفة ترزح يوميا تحت وطأة التضخم المستمر والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة والرعاية الصحية، يمثل الطيبات طوق نجاة. ومع وضع القليل من نظرية المؤامرة — التي تصور شركات الأدوية كعدو والعوضي كحامل لواء الحقيقة — تحول النظام من مجرد خيار غذائي إلى ما يشبه الولاء الأيديولوجي والفكرة التي تتجاوز صاحبها.
لا يصدقه عقل: راقبت أخصائية التغذية واضطرابات الأكل سهيلة حسن (إنستجرام) هذا التوجه المنتشر من خلال عيادتها الخاصة، وفي البداية وجدت صعوبة في أخذ الأمر على محمل الجد: "ظننت أنها مزحة، لم أصدق حقا أن هذا نظام غذائي يمكن للأفراد اتباعه، لأنه، في رأيي، أسوأ الأنظمة الغذائية على الإطلاق".
وما غير نظرتها للأمر هو نوعية العملاء الذين بدأوا في التوافد عليها: بعد محاولات عديدة، بدأ عدد من المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة وأمراض مناعة ذاتية مثل هاشيموتو وغيرها في فقدان الأمل تماما في المسار الطبي التقليدي، ليجدوا في العوضي أملا ربما يحمل الحل الذي أرهقوا واستنفذت طاقتهم وجيوبهم في البحث عنه. تمتع العوضي بخفة الظل والعفوية التي جعلته أقرب إلى قلوب المرضى اليائسين معتقدين فعلا أنه فاهم لما يقوله: "إنها حقا لعبة نفسية"، حسبما أضافت حسن.
عن العلم وغيابه
هناك ذرة من المنطق الطبي السليم مدفونة داخل نظام الطيبات، بحسب حسن. في حالات الإصابة الشديدة بأمراض الأمعاء مثل متلازمة القولون العصبي أو فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة أو مرض كرون، يصف الأطباء أحيانا حميات إقصاء قصيرة الأجل تقلل من الألياف وتحد من الفواكه والخضروات وتسمح بأطعمة مثل البطاطس والعصائر التي عادة ما ينصح بالاعتدال فيها. والهدف من ذلك هو منح الجهاز الهضمي راحة مؤقتة خلال فترات تهيج المرض.
"نلجأ لحمية الإقصاء لفترة قصيرة لإراحة الجهاز الهضمي، ثم نعيد إدخال الأطعمة واحدا تلو الآخر لاختبار استجابة الأمعاء مجددا"، حسبما أضافت. استعار نظام الطيبات منطق إراحة الأمعاء بشكل مؤقت وحوله إلى هوس يجرده من كل منطق طبي سليم: الإطار الزمني القصير والإشراف الطبي وإعادة الإدخال التدريجي للأطعمة المقصاة، ليصبح النظام عبارة عن حمية إقصاء طويلة الأجل تعتمد بشكل أساسي على السكر بدون أي إشراف طبي حقيقي.
لا تنخدعوا بالراحة الأولية: تعد الراحة الفورية التي يشعر بها متبعو النظام في البداية هي راحة حقيقية من الناحية الفسيولوجية ولكنها مضللة، فعندما تتوقف الأمعاء عن معالجة الألياف والبقوليات والأطعمة المخمرة، يرتاح الجهاز الهضمي بالفعل ويقل الانتفاخ وتتحسن مستويات الطاقة في البداية: "يلاحظ الأفراد راحة فورية نوعا ما، لأن الجهاز الهضمي في حالة استرخاء حقيقي ولا يبذل أي جهد"، بحسب حسن.
تحول تلك الراحة المؤقتة المشككين إلى مؤمنين بالنظام، قبل أن يصدموا بالدمار الذي لحق بالميكروبيوم: "الأمر أشبه بعضلة إذا لم تحركها، فإنها ستتخدر وتخمل". عندما يتخلى الأتباع عن النظام الغذائي في نهاية المطاف، تكون أمعاؤهم قد استنزفت وظيفيا لدرجة أن تفاحة واحدة قد تسبب لهم الصداع والإرهاق، وقد وصفت إحدى عميلات حسن تجربتها بأنها شعرت وكأن "جسدها بالكامل ينهار".
العواقب
شهدت حسن هذه العواقب عن كثب: كان النمط المتكرر بين مرضاها الذين جربوا هذا النظام هو فقدان الوزن على المدى القصير، يليه استعادة سريعة للوزن مع تكيف الجسم مع زيادة تناول السكر وانهيار آليات تنظيم الشهية: "لا يشبع المرضى حقا، لكنهم يشعرون بطاقة كبيرة، قبل أن تنهار في مرحلة ما فيحتاجون إلى المزيد من السكر". عندما يعود الوزن للزيادة، يميل الأتباع إلى افتراض أنهم لم يكونوا صارمين بما يكفي، فيزيدون من قيودهم الغذائية، ويطورون ما تصفه حسن بنمط واضح لاضطرابات الأكل: قواعد صارمة وشعور بالذنب عند الانحراف عنها وارتباك بشأن إشارات الجوع.
أما الحالات الأكثر خطورة فتتعلق بالأدوية: روت حسن قصة عميلة مصابة بمرحلة متقدمة من مرض السكري، كانت مستويات السكر في دمها مستقرة دائما ضمن النطاق الصحي. ثم تدريجيا، توقفت عن تدوين يومياتها الغذائية وارتفع السكر في دمها إلى 300 ثم 400. عندما سألتها حسن، شعرت المريضة بالخجل الشديد من الاعتراف بأنها أوقفت الأنسولين وبدأت في اتباع نظام الطيبات.
مريدي الطيبات
لم تنته حركة الطيبات بوفاة العوضي: تشبه هذه الديناميكية حالة الفنان الذي تصبح أعماله أكثر رواجا بعد وفاته، فالموت نفسه يصبح تأكيدا للسردية التي يؤمن بها الجمهور، حسبما قال صلاح الدين: "لقد أثبت ذلك صحة نظريات المؤامرة، إذ ردد تابعوه أسئلة مثل: لماذا لم يدافع عنه أحد؟ لماذا قتل؟ ربما أرادوا إسكاته بسبب المصالح الاقتصادية لشركات الأدوية الكبرى".
رأت حسن بنفسها كذلك التعليقات التي وجهت إليها بعد نشرها مقطع فيديو تشرح فيه علم الميكروبيوم وأسباب الراحة الفورية في البداية لمتبعي النظام. "كانت التعليقات تدور في فلك "اخترناه اخترناه"، وهي عبارة تعكس تعمدا في استخدام لغة الولاء السياسي"، حسبما قالت. في الوقت ذاته، أعلن أتباعه تكريم هذا النظام بعد وفاته والتمسك بكلماته، "فالأمر لم يعد يتعلق بالتغذية بقدر ما يتعلق بشخصية تتمتع بسلطة ما يتبعها فئة من الأفراد".
في معظم الحالات، لا يتصرف أولئك الذين لا يزالون يتبعون نظام الطيبات بشكل غير عقلاني. بل يتفاعلون مع ظروف حقيقية — أمراض مزمنة لم تعالج ورعاية صحية متواضعة وثقافة حياة صحية احتكرتها طبقة اجتماعية معينة — من خلال حل قدم لهم راحة جسدية فورية ومجتمعا من الأشخاص الذين يفهمون احتياجهم إليها. إلا أن حقيقة كون هذه الراحة مؤقتة وعواقبها طويلة المدى خطيرة بالفعل، هو أمر لن يكتشفه الكثيرون إلا عندما يحاولون التخلي عن النظام، ليجدوا أن الخروج منه أصعب بكثير من الدخول إليه.
أما بالنسبة لأي شخص يتبع هذا النظام حاليا، فإن الخروج يتطلب خطة منظمة، بحسب حسن. يجب إعادة إدخال الأطعمة المقصاة تدريجيا، واحدا تلو الآخر، بنفس الطريقة التي ينهي المريض بها حمية الإقصاء تحت إشراف طبي. "نتعامل مع هذا الأمر بنفس طريقة حمية الإقصاء، من خلال إدخال الألياف والأطعمة غير الموجودة في نظام الطيبات ببطء حتى يعود الجسم لطبيعته".