أبقت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الرابعة على التوالي خلال اجتماعها المنعقد يوم الخميس، ليبقى سعر الإيداع لليلة واحدة عند 19.0%، وسعر الإقراض لليلة واحدة عند 20.0%، وسعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم عند 19.5%، وفق بيان (بي دي إف). ويمدد هذا القرار فترة التوقف عن استئناف دورة التيسير النقدي، التي أعقبت آخر خفض لأسعار الفائدة هذا العام بمقدار 100 نقطة أساس في فبراير الماضي، إذ اختار صناع السياسات التمهل ترقبا لعودة التضخم إلى مسار هبوطي مستدام.
قرار آمن ومتوقع: أبقت اللجنة على أسعار الفائدة دون تغيير في 4 اجتماعات متتالية حتى الآن. فقد ارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية خلال يوليو للمرة الأولى منذ مارس، ليصل إلى 14.9% مقابل 14.3% في يونيو، مع أنه جاء أقل من توقعات المحللين البالغة 15.6%. ففي ظل استمرار انعكاس زيادة أسعار الكهرباء في يوليو على أسعار المستهلكين، لم يكن لدى البنك المركزي مبرر يذكر لإقرار خفض جديد.
توقعات البنك المركزي هي أفضل تفسير لهذا الحذر: بلغ متوسط التضخم العام 14.6% في الربع الثاني، وهو ما يقل قليلا عن التوقعات السابقة للبنك المركزي البالغة 15.0%. بيد أن التوقعات تشير إلى تسارعه مؤقتا خلال الربع الثالث، بفعل التأثير غير المواتي لفترة الأساس، قبل أن يستأنف مساره الهبوطي. ويرى المركزي أن التضخم سيسجل 16.6% في المتوسط خلال العام المالي 2026-2027 وفقا لسيناريو الأساس، قبل أن يتراجع إلى 8.1% في العام المالي 2027-2028، ليقترب من نطاقه المستهدف البالغ 7% (±2%) خلال النصف الثاني من عام 2027.
يمتلك المركزي حاليا مساحة أكبر للانتظار مقارنة بالأشهر القليلة الماضية. فقد رفع توقعاته للنمو إلى 5.0% للعام المالي 2025-2026 و4.9% للعام المالي 2026-2027، وعزا ذلك إلى وجود نشاط أقوى من المتوقع، بما في ذلك تعافي إيرادات قناة السويس. كما صمدت احتياطيات النقد الأجنبي بشكل أفضل من المتوقع، إذ وصل صافي الاحتياطيات الدولية إلى 55.1 مليار دولار في نهاية يونيو، بينما تعافى الجنيه رغم خروج تدفقات أجنبية من المحافظ المالية بقيمة 9.5 مليار دولار. ويمنح هذا السياق صناع السياسات مبررا أقل لخفض أسعار الفائدة استباقيا بهدف دعم النمو أو تعزيز العملة.
لكن قوة الموقف الخارجي لا تلغي مخاطر التضخم: يقدر البنك المركزي أن انخفاض قيمة الجنيه بنسبة 1% يضيف نحو 0.18 نقطة مئوية في المتوسط إلى معدل التضخم السنوي العام خلال الـ 12 شهرا التالية للانخفاض. وتعني هذه الحساسية الشديدة أن استقرار سعر الصرف يظل محوريا لمسار تباطؤ التضخم، حتى مع تحسن الاحتياطيات والنمو.
الخطوة التالية: لا تزال العوامل الجيوسياسية هي العنصر المتغير الأكبر في توقعات البنك المركزي؛ إذ تتراوح توقعاته للتضخم للعام المالي 2027-2026 من 15.2% في حال تهدئة التوترات الإقليمية إلى 17.8% إذا تفاقمت، مقابل سيناريو الأساس البالغ 16.6%. وإلى أن يضيق هذا النطاق، وتنعكس الزيادات الإدارية للأسعار انعكاسا كاملا على بيانات التضخم، يبدو أن الموقف الحالي للجنة السياسة النقدية الذي يتسم بما يمكن وصفه بـ "التشديد المناسب"، سيبقى السيناريو الأرجح.