📈 هل انتهت فترة المضاربة في المعدن النفيس؟ يبدو أن مرحلة المضاربة في سوق الذهب قد انتهت، لتحل محلها مرحلة أكثر استقرارا واستراتيجية، حسبما أشار تقرير مجلس الذهب العالمي للربع الثاني الصادر أواخر يوليو، والذي عكس انقساما حدد ملامح هذا الربع بشكل كبير، فمع تراجع أسعار الذهب عن مستوياتها القياسية في الربع الثاني، تفاعل شقا السوق في اتجاهين متعاكسين.
كيف ذلك؟ تراجع إقبال الأفراد الذين يشترون الذهب بغرض المضاربة، في حين استغل أولئك الذين يشترونه بغرض الاحتفاظ طويل المدى الانخفاض للشراء. ورفعت البنوك المركزية صافي مشترياتها مجددا إلى 289 طنا، بزيادة بلغت نحو 62% على أساس سنوي، وهو مستوى قياسي للربع الثاني، بحسب التقرير.
كما قادت دول مجموعة البريكس بلس هذا التوجه، إذ تعتبر هذه الدول الذهب وسيلة تحوط سيادية طويلة الأجل ضد نظام نقدي لم تعد تثق به بالكامل. ورغم استقرار إجمالي الطلب خلال الربع الثاني عند 1269 طنا، ارتفعت قيمة الطلب في النصف الأول إلى أعلى مستوياتها عند 380 مليار دولار، بنسبة نمو 2% ومتوسط سعر للربع الثاني بلغ 4506 دولارات للأوقية، وفقا لمؤشر لندن.
أما على صعيد التجزئة فتتجلى تغيرات سلوك المشترين الأفراد، فقد انخفض الطلب العالمي على المجوهرات إلى 278 طنا، وهو أضعف ربع له منذ الجائحة، إذ أدت الأسعار القياسية إلى إحجام المشترين العاديين. بيد أن الإنفاق قد ارتفع بنسبة 14% ليصل إلى 40 مليار دولار، ما يعني أن المشترين حصلوا على كميات أقل من الذهب مقابل أموال أكثر، ما يشير إلى احتفاظ المعدن بحصته من ميزانية الأسر رغم انخفاض عدد الجرامات المشتراة.
عكست المنتجات الاستثمارية القصة ذاتها من زاوية أخرى، إذ فقدت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب الفعلي 45 طنا بعدما سحبت المؤسسات أموالها نتيجة لقوة الدولار وتغير التوقعات بشأن أسعار الفائدة، في حين ظل الطلب على السبائك والعملات المعدنية قويا. وقد عوض ارتفاع إنتاج المناجم بنسبة 2% انخفاضا بنسبة 6% في عمليات إعادة التدوير، وهو مؤشر مباشر على استجابة الأسعار، فمع انخفاض متوسط الأسعار في الربع الثاني مقارنة بالربع الأول، تراجع عدد الأشخاص الذين يميلون إلى بيع الذهب القديم في السوق.
محليا
وبالانتقال إلى السوق المحلية، يختلف الوضع قليلا، فقد بلغ الطلب في مصر 11.1 طن في الربع الثاني ليسجل تراجع بنسبة 4.3% على أساس سنوي، وللمرة الأولى مالت الكفة بوضوح نحو الاستثمار بدلا من الزينة، إذ استحوذت السبائك والعملات المعدنية على 6.2 طن، أو 55.8% من الإجمالي، وذلك بارتفاع يقدر بنحو 6% على أساس سنوي، متفوقة على إجمالي الإنفاق على المجوهرات التي بلغت 4.9 طن، والتي تراجعت بنسبة 14% مقارنة بالربع الثاني من 2025.
يمثل ذلك تغيرا ملموسا في طريقة احتفاظ المصريين بالذهب، فالإقبال يتجه نحو المعدن الخام الذي يأتي برسوم مصنعية أقل ويعظم من قيمة التحوط، وهو السلوك الذي تتوقعه من سوق توقفت عن النظر إلى الذهب باعتباره مجوهرات قد تباع يوما ما، وبدأت تنظر إليه كمدخرات وأداة استثمار على المدى الطويل.
كان مسار الأسعار غير متوقع، ولكنه كان منظما هذه المرة: فقد افتتح الذهب عيار 21، وهو العيار الأكثر تداولا بين المصريين، العام عند مستويات قياسية بلغت 7350 إلى 7650 جنيها للجرام، ثم شهد حركة تصحيح قوية خلال يونيو ليصل إلى نحو 5850 جنيها، قبل أن يسجل أدنى مستوى حقيقي له عند 5820 جنيها في 7 يوليو.
من هناك، تعافى الذهب مجددا مدفوعا بتصاعد التوترات الإقليمية، ليسجل سعر الأوقية 4449 دولار، في حين بلغ سعر الشراء لجرام الذهب عيار 24 نحو 7200 جنيه وعيار 21 نحو 6300 جنيه، حتى وقت إرسال النشرة. وعادة ما تتسبب تقلبات بهذا الحجم في حالة من الفوضى بسوق الذهب المصرية، لكن هذا لم يحدث هذه المرة.
الجنيه المصري صاحب الفضل: لم يتعلق السبب وراء احتواء هذه التقلبات بالمعدن النفيس في حد ذاته، إذ استقر سعر الدولار دون مستوى 50 جنيها في القنوات الرسمية على مدار العام، ما تبعه استقرار في العلاوة السعرية، وهي الزيادة التي كان الذهب المحلي يضيفها فوق قيمته العالمية العادلة كلما تذبذبت العملة.
وللمرة الأولى منذ سنوات، أصبحت الأوقية العالمية هي التي تحدد السعر وليس سعر الصرف، ما جعل السوق أكثر كفاءة ووفرة في المعروض، خاصة في السبائك والعملات ذات الأوزان الصغيرة التي شهدت إقبالا كبيرا، في حين بقي سعر عيار 21 دون 6000 جنيه لفترات طويلة من الربع.
والنتيجة؟ بات بإمكان المستثمر المصري الآن قراءة سوق الذهب بنفس الطريقة التي يقرأها بها مستثمر في لندن أو دبي، بناء على الإشارات العالمية والجيوسياسية، بدلا من التحوط للعملة أولا ثم المعدن ثانيا.
ماذا بعد؟
تتمثل العقبة الرئيسية في السياسة النقدية الأمريكية، خاصة مع ضغط أسعار الفائدة المرتفعة على الأصول التي لا تدر عائدا مثل الذهب، إذ قد يتجه الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في شهر ديسمبر لتستقر عند نطاق 3.75% إلى 4.0%، وذلك بحسب توقعات بنك جي بي مورجان، وهو التوجه الذي يدعمه بنك أوف أمريكا والذي يتوقع زيادة أسعار الفائدة بنسبة 0.75% بنهاية العام، رغم التوقعات المعاكسة التي تشير إلى استمرار الفيدرالي في التثبيت ما لم يتجه إلى الخفض.
يأتي ذلك في خضم الانتقادات التي يواجهها رئيس الفيدرالي الجديد كيفن وارش لعدم تقديمه خطة واضحة وملموسة لمواجهة التضخم، إلى جانب إثارته للشكوك حول اعتماد مؤشر إنفاق الاستهلاك الشخصي كهدف تضخم رئيسي على المدى المتوسط. ويستند تحليل جي بي مورجان بأن موعد رفع الفائدة قد يتقدم ليكون في سبتمبر بدلا من ديسمبر، إلى سيناريو تأتي فيه قراءات التضخم ومؤشر أسعار المستهلكين مرتفعة — وهو ما لم يحدث حتى الآن في ظل صدور بيانات التضخم عن شهر يوليو التي أشارت إلى تراجعا طفيفا في المعدلات، ما قد يمنح مساحة للفيدرالي لمزيد من التثبيت، وبالتالي مزيدا من الاستقرار — إن لم يكن ارتفاعا — في أسعار المعادن النفيسة.
ومحليا، يرتبط استقرار الذهب ببقاء سعر الدولار دون مستوى 50 جنيها، فإذا استمر هذا الوضع، سيستمر التسعير العادل معه، أما إذا تغير، فستعود ضغوط العملة لتتصدر المشهد. ولعل أبرز ما أكد عليه تقرير مجلس الذهب أن المعدن الأصفر قد تحول بالفعل من أداة للمضاربة إلى وسيلة استراتيجية للتحوط، وأن المدخرين المصريين — الذين باتوا يفضلون الآن السبائك على المشغولات الذهبية — قد أتموا هذا انضموا إلى هذا الركب.