تستعد الحكومة لزيادة نطاق التغطية الإلزامية لمنظومة التأمين الصحي الشامل إلى أكثر من الضعف، لتشمل نحو 12 إلى 13 مليون شخص إضافي في 5 محافظات، وذلك قبل حتى نشر أول تقييم مستقل لمدى فعالية المنظومة. وسيدعم هذا التوسع قرض جديد بقيمة 150 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، جرى الاتفاق عليه في يونيو الماضي ويمر حاليا بمرحلة التصديق في البرلمان.
يرتبط صرف هذا القرض بتنفيذ إصلاحات في الحوكمة والإدارة المالية، وليس بأعداد المسجلين أو النتائج الصحية. ويلخص هذا التوجه مسيرة التأمين الصحي الشامل في مصر حتى الآن؛ إذ استغرق بناء المنظومة على مستوى هيئاتها الثلاث 7 سنوات، بتمويل من البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية إلى جانب موازنة الدولة، لكن لم يُنشر أي تقييم مستقل لنتائج المنظومة حتى يومنا هذا. وفيما يلي نستعرض المجالات التي سيوجه إليها التمويل الجديد، وكيف استُخدمت الأموال التي أنفقت بالفعل، وما وصلت إليه جهود إتاحة منظومة التأمين الصحي الشامل.
إلى أين سيذهب قرض الوكالة الفرنسية للتنمية؟
يعد هذا التسهيل البالغة قيمته 150 مليون يورو ثالث قرض لتمويل سياسات التأمين الصحي الشامل توفره الوكالة الفرنسية للتنمية منذ عام 2019، بعد قرضين سابقين بلغت قيمتهما الإجمالية 210 ملايين يورو، إلى جانب منح للتعاون الفني بقيمة مليوني يورو. وُقعت اتفاقية القرض في يونيو 2026، كجزء من حزمة تمويلية أوسع بقيمة 459 مليون يورو مقدمة من فرنسا والاتحاد الأوروبي نشرنا عنها وقتها. وسيُصرف القرض على 3 شرائح بقيمة 50 مليون يورو لكل منها بين عامي 2026 و2028، بحيث تُصرف كل شريحة مقابل تنفيذ إجراءات سياسية محددة، بدلا من صرف القرض دفعة واحدة.
وكانت الوكالة الفرنسية واضحة في أن هذا القرض يمثل دعما للموازنة، وليس مخصصا لبنود محددة؛ فهو يمول تنفيذ السياسات العامة، تماما كما يفعل البنك الدولي في تمويله للمنظومة، ولا يوجه لتمويل قائمة محددة من المستشفيات أو الرواتب أو الاشتراكات المدعمة. وترتبط شروط الصرف بأربعة أهداف رئيسية تتمثل في: تعزيز الحوكمة عبر هيئات المنظومة الثلاث (وهي هيئة التأمين الصحي الشامل التي تجمع الاشتراكات وتدفع لمقدمي الخدمات، وهيئة الرعاية الصحية التي تدير المستشفيات والعيادات، والهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية التي تعتمد المنشآت المؤهلة لعلاج مرضى المنظومة)، وتحسين الاستدامة المالية طويلة الأجل، وتطوير القدرات المؤسسية والإدارية، مع التركيز صراحة على المساواة بين الجنسين في الحصول على الخدمات، ودعم استراتيجية التأمين الصحي الأخضر في مصر.
وتوضح الشروط المحددة ما تموله الوكالة وما لا تموله؛ إذ تشمل إحراز تقدم في تغطية العاملين بالقطاعات غير الرسميو، وتفعيل آلية لرصد آراء المنتفعين ومدى رضاهم، ووضع نموذج لإدراج مقدمي الرعاية وشركات التأمين الخاصة ضمن المنظومة. ولا يرتبط أي من هذه الشروط برقم محدد للمشتركين أو بهدف يربط الإنفاق بالنتائج.
كما أن هناك حزمة تعاون فني مصاحبة بقيمة مليوني يورو لا تزال اتفاقيتها قيد الإعداد، تنقسم إلى مليون يورو تديرها وزارة المالية مباشرة لتمويل بناء القدرات والدراسات الاكتوارية وجهود الرقمنة في هيئة التأمين الصحي الشامل، ومليون يورو أخرى في صورة دعم عيني من مؤسسة إكسبرتيز فرانس لدعم الهيئات الثلاث. وأيضا هناك منحة منفصلة من الاتحاد الأوروبي بقيمة 30 مليون يورو، فوض الوكالة الفرنسية بإدارتها على مدى 4 سنوات، وستوجه تلك المنحة لتطوير مراكز الرعاية الصحية الأولية في كفر الشيخ والمنيا، مستهدفة تحسين كفاءة استخدام الطاقة بنسبة 30%، إلى جانب تعزيز المرونة المناخية.
ما الذي تركز عليه مؤشرات قياس أداء المنظومة؟
تقتصر البيانات التي تعلنها هيئة التأمين الصحي الشامل على الأنشطة وليس النتائج، فتشمل أعداد المسجلين وعدد الزيارات الطبية والخدمات المقدمة. لكن يرى أيمن سبع، الباحث في مجال الحق في الصحة، والذي شارك كاستشاري في وضع قانون التأمين الصحي الشامل (رقم 2 لسنة 2018) ضمن مجموعة عمل من المجتمع المدني، أن المؤشرات الأكثر دلالة تتمثل في نسبة المرضى الذين لا يزالون يدفعون تكاليف العلاج من أموالهم، ومدى رضا المرضى، ومعدل الإحالة من وحدات طب الأسرة بمراكز الرعاية الأولية إلى الأخصائيين، وهو ما يعتبره مؤشرا على مدى نجاح نموذج التوجيه الخاص بالمنظومة في علاج الحالات من أول تواصل.
لكن لم تصدر بعد الدراسة التي قد تحسم هذا الأمر؛ إذ ذكرت الوكالة الفرنسية للتنمية أنه يجري حاليا تصميم أول تقييم لنتائج المرحلة الأولى، وذلك بقيادة منظمة الصحة العالمية، وبالشراكة مع البنك الدولي، والوكالة اليابانية للتعاون الدولي. وستتابع الوكالة نتائج التقييم بموجب القرض الحالي للاستفادة منها في المرحلة الثانية. وحتى يُنشر هذا التقييم، لن يوجد أي تحليل مستقل للنتائج الصحية والمالية الفعلية للمرحلة الأولى.
إلى أين وصل انتشار المنظومة؟
بدأ تطبيق المنظومة تجريبيا في بورسعيد عام 2019، وتوسعت لتشمل 5 محافظات أخرى هي الإسماعيلية والأقصر والسويس وجنوب سيناء وأسوان، لتشكل بذلك محافظات المرحلة الأولى الست. وتقدر الوكالة الفرنسية للتنمية عدد المشمولين بالتغطية بنحو 6 ملايين مصري منذ عام 2019، رغم أن مجلس الوزراء أصدر بيانا حدد العدد بنحو 5.2 مليون منتفع حتى نوفمبر 2025، وقدر متوسط معدل التسجيل بنحو 81.7% في المحافظات الست، فيما ساهم القطاع الخاص بنسبة 31% من شبكة مقدمي الخدمات المتعاقد معهم.
وتمثل المرحلة الثانية قفزة كبيرة في نطاق التغطية؛ إذ تستهدف الحكومة ضم نحو 12-13 مليون منتفع إضافي في المحافظات الخمس المستهدفة (المنيا، ومطروح، ودمياط، وكفر الشيخ، وشمال سيناء)، مقارنة بنحو 5.2 مليون منتفع في المرحلة الأولى. وتعتمد هذه المرحلة على 69 مستشفى و669 وحدة رعاية أولية، مع توقعات بأن يوفر مقدمو الخدمات من القطاع الخاص ما بين 30% إلى 40% من أسرة المستشفيات.
خلفية
أدى قانون التأمين الصحي الشامل لعام 2018 إلى تقسيم المنظومة الصحية القديمة، التي كانت تتولى تمويل وتقديم وتنظيم خدمات الرعاية الصحية بالكامل داخل وزارة الصحة، لتصير 3 هيئات مستقلة؛ هيئة لتأمين الصحي الشامل، والهيئة العامة للرعاية الصحية، والهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية. ويصف سبع هذا التقسيم بأنه استجابة مباشرة لقصور المنظومة القديمة، التي كانت تتولى تمويل الخدمات وتقديمها بنفسها وتنظيم نفسها كذلك، وهو ما اعتبره هيكلا يفتقر لإمكانية المحاسبة.
التغطية بهذه المنظومة الجديدة إلزامية ولا يمكن الانسحاب منها، وتنبني على الأسرة وليس الفرد؛ انطلاقا من فكرة أن الأسرة هي الوحدة التي يؤمن عليها النظام، حسبما يوضح سبع. ويأتي التمويل عبر 3 قنوات بناء على الحالة الوظيفية؛ وهي الاستقطاعات التلقائية من الرواتب للعاملين بالقطاع الرسمي، والاشتراكات التي يدفعها العاملون بالقطاع غير الرسمي بأنفسهم، والدعم الذي تقدمه الدولة لمن يندرجون تحت الحد الرسمي للقدرة على الدفع. وقد أصدر البنك الدولي، الذي قدم قرضا بقيمة 400 مليون دولار إلى جانب تمويل الوكالة الفرنسية، وثيقة تقيم نظام التأمين الصحي الشامل، تستعرض تفاصيل الهيكل المكون من الهيئات الثلاث، ومزيج تمويل المنظومة، وتتضمن حتى التفاصيل الدقيقة مثل الضرائب المخصصة على الطرق ذات الرسوم، وتراخيص السيارات، والتبغ.
تحدد وثيقة البنك الدولي 6 شروط تؤهل الأسرة لتكفل الدولة باشتراكاتها، من بينها الحصول على إعانات نقدية من برنامج تكافل وكرامة، واستنفاد إعانات البطالة، والافتقار إلى الدخل أو الدعم الأسري مع الإقامة في دار للرعاية، والإصابة بإعاقة دون وجود مصدر للدخل، أو العيش في منطقة متضررة من كارثة طبيعية أو من صنع الإنسان. وتقدر الوثيقة هذه الفئة المدعومة بنحو 30% من السكان. ولا يتقصر نطاق النظام على المواطنين المقيمين في مصر؛ إذ يمكن للمصريين في الخارج الانضمام اختياريا، كما يحق للمقيمين الأجانب، بمن فيهم اللاجئون، أن ينضموا إلى المنظومة بشرط وجود اتفاقيات معاملة بالمثل بين مصر ودولهم الأصلية.
وإلى أن تُدرج كل محافظة ضمن المنظومة، يتولى برنامج منفصل سد هذه الفجوة. إذ يشير الجدول الزمني الأصلي للبنك الدولي إلى نشر المنظومة على 6 مراحل على مدى 15 عاما، تنتهي بمحافظات القاهرة والجيزة والقليوبية. وفي غضون ذلك، يغطي برنامج العلاج على نفقة الدولة الممول من الحكومة التكاليف الباهظة التي تتحملها الأسر الأكثر فقرا في المحافظات التي لم تنضم إلى المنظومة بعد، وهي الآلية المخصصة لتوفير الرعاية الصحية للمواطنين في المنيا وشمال سيناء حاليا، قبل انضمامهم رسميا في المرحلة الثانية.
التحديات التي كشفت عنها المرحلة الأولى
كان اعتماد جهات القطاع الخاص العقبة الكبرى في المرحلة الأولى، وفقا لسبع. إذ يحتاج مقدمو الخدمة إلى حزمة من الموافقات، بما في ذلك تصاريح الدفاع المدني، قبل أن تعتمدهم هيئة الاعتماد والرقابة، وهي عملية اتسمت بالبطء الشديد لدرجة دفعت هيئة الرعاية الصحية في نهاية المطاف إلى بناء منشآت حكومية جديدة بدلا من توجيه المرضى للاستفادة من قدرات القطاع الخاص الحالية. وتتمثل المشكلة الثانية التي لم تُحل بعد في تحصيل الاشتراكات الدورية من العاملين بالقطاع غير الرسمي، الذين لا تُستقطع رواتبهم ويضطرون للدفع بأنفسهم، وهي شريحة يقول سبع إن المنظومة لا تزال تبحث كيفية الوصول إليها.
لا موعد محدد بعد للمرحلة الثانية
لم تكشف الوكالة الفرنسية للتنمية أو سبع موعدا قاطعا لبدء تسجيل سكان المحافظات الخمس ضمن المرحلة الثانية. وقالت الوكالة إن قرضها لا يحدد جدولا زمنيا مباشرا للتغطية في محافظات بعينها؛ فغرضه هو دعم إصلاح المؤسسات الوطنية، وليس تحديد وتيرة تطبيق المنظومة، وهي مسألة أكدت الوكالة أنها تقع ضمن مسؤوليات الحكومة.
ما نترقبه: تقرير المرحلة الأولى الذي تقود جهود إعداده منظمة الصحة العالمية سيكون أول تقييم مستقل لنتائج المنظومة، وتقول الوكالة الفرنسية للتنمية إن نتائجه ستُستخدم لتوجيه مسار المرحلة الثانية حتى لو كانت قد بدأت بالفعل.