📚 لماذا تعادي شركات الذكاء الاصطناعي الكتب الورقية؟ في يناير الماضي، تعرض الوسط الأدبي إلى عملية تخريبية غريبة من نوعها، إذ اشترت عملاقة الذكاء الاصطناعي أنثروبيك ملايين الكتب الورقية ثم مسحتها ضوئيا ونقلت بياناتها إلى خوادمها العملاقة، قبل أن تتخلص منها تماما، حسبما نقلت واشنطن بوست عن آلاف الوثائق القانونية المرتبطة بقضية حقوق النشر التي رفعت عليها حينها. وقبل نحو أسبوعين، وتحديدا في 20 يوليو، صدر حكم قضائي فيدرالي حول ما أطلقت عليه أنثروبيك اسم "مشروع بنما"، ليثير أزمة كبرى هيمنت على النقاشات عبر منصات الإعلام.
ما هو مشروع بنما؟
خطة سرية للغاية: في أوائل عام 2024، بدأ المسؤولون التنفيذيون في شركة أنثروبيك المطورة لكلود، العمل على مشروع تسعى فيه الشركة لمسح جميع الكتب في العالم ضوئيا وتدميرها، دون أن يعرف أحد أنهم العقول المدبرة وراء ذاك، حسبما كشفت وثيقة داخلية نقلتها الصحيفة.
خبير كتب جوجل يتولى المهمة: لجأت أنثروبيك إلى الرئيس السابق للشراكات في خدمة كتب جوجل توم تورفي، لقيادة هذه المهمة، فاشترت الشركة كميات هائلة من الكتب المستعملة وتلك التي توقفت طباعتها من مجموعة واسعة من الموردين، ثم أرسلتها إلى مقاولين تولوا تمزيق كعوبها باستخدام آلات هيدروليكية، قبل أن تعالج أجهزة المسح الضوئي صفحات نحو 11 ألف كتاب يوميا، وفقا لموقع جادجيت، مع عدم السماح بوصول أي شخص إلى تلك الكتب سوى أنثروبيك ونماذجها للذكاء الاصطناعي.
ليست المرة الأولى: كشفت وثائق المحكمة أن المؤسس المشارك لشركة أنثروبيك بن مان، حمل شخصيا كميات هائلة من الكتب المقرصنة من مكتبات سرية شملت ليب جين، في حين أظهرت وثيقة قضائية أخرى أن الرئيس التنفيذي للشركة داريو أمودي، وصف التفاوض مع دور النشر بأنه مهمة شاقة، مفضلا قرصنة الأعمال بدلا من ذلك. حينها حكم القاضي المشرف على القضية بأن الشركة اختارت اللجوء إلى القرصنة رغم توفر طرق مشروعة أمامها. فبرز مشروع بنما باعتباره البديل المشروع، إذ يتيح شراء الكتب الورقية وتدميرها التحايل على مشكلة التراخيص فبمجرد امتلاك الشركة لنسخة من كتاب، يحق لها التصرف فيها كيفما تشاء.
لكن لماذا التركيز على الكتب القديمة والنادرة؟ تعد الكتب الصادرة قبل عام 2022 قيمة للغاية بالنسبة لأنثروبيك، إذ تعتبر الأعمال المنشورة قبل انتشار المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي مواد تدريبية عالية الجودة، في حين تنذر إعادة تغذية النماذج بنصوص مولدة من خلالها بما يسميه الباحثون "انهيار النموذج".
خلفية — يتطلب تدريب النماذج اللغوية الكبيرة كميات هائلة من النصوص البشرية عالية الجودة. وطوال العقد الماضي تقريبا، كانت هذه النصوص متاحة بوفرة، بيد أنها أضحت شحيحة للغاية في الوقت الحالي، وفق تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 الصادر عن جامعة ستانفورد. أما النصوص المتبقية على الإنترنت، فلم تعد مناسبة لهذه المهمة مع انتشار المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، والذي صعب مهمة العثور على محتوى بشري عالي الجودة قد توظفه شركات الذكاء الاصطناعي في تدريب نماذجها.
أسفرت القضية، التي رفعها مجموعة من المؤلفين، عن نتيجتين:
1#- فيما يخص مسألة القرصنة، حكم القاضي ضد أنثروبيك باعتبار أن تحميل ملايين الكتب من المكتبات السرية لا يندرج ضمن الاستخدام العادل، ما يعرض الشركة للمساءلة القانونية. وقد سوت أنثروبيك هذا الشق من القضية مقابل 1.5 مليار دولار — في أكبر تسوية تتعلق بحقوق النشر في تاريخ الولايات المتحدة — لتغطي ما يقرب من 500 ألف عنوان.
2#- أما مشروع بنما، فقد أقر القاضي مشروعيته للأسباب المذكورة آنفا، وتكمن المشكلة هنا في أن هذا القرار يرسي سابقة خطيرة قد تشرعن ممارسة شراء الكتب ومسحها ضوئيا ثم تدميرها على مستوى الصناعة بأكملها.
الممارسة تنتشر بالفعل
الأمر لا يقتصر على أنثروبيك فحسب، فقد أبلغ بائعو كتب في هولندا وألمانيا وسويسرا مؤخرا عن أنماط شراء جماعي غير معتادة، إذ طلب بعض المشترين عروض أسعار لآلاف العناوين بهدف شحنها إلى دول مختلفة حول العالم بما في ذلك الصين، وقد ظن العديد من الباعة أن تلك الطلبات احتيالية، إذ لم يعتادوا على إقبال بهذا الحجم الهائل من قبل، حسبما أشارت تقارير 404 ميديا وفورتشن.
سماسرة الكتب: روجت مؤسسة "أي إس بي إن دي بي" — التي تدير قاعدة بيانات ضخمة للكتب — لخدمة تتوسط من خلالها لشراء الكتب بكميات هائلة لصالح عملاء في قطاع الذكاء الاصطناعي، بطلبيات تتراوح بين ألف ومليون كتاب، مع إدراج اتفاقيات لعدم الإفصاح كجزء من الخدمة، بحسب 404 ميديا. وقد تراجعت المؤسسة لاحقا عن ذلك بعد أن كشف التقرير عن الأمر، لتحذف تلك الادعاءات من موقعها الإلكتروني.
مأساة تتكرر
هذه ليست سوى البداية: نظرا لأن العديد من شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة قد تورطت بالفعل في فضائح قرصنة الكتب، فإن الحكم الأخير يعني أن نموذج "الشراء والمسح والتدمير" يحظى حاليا بسابقة قانونية تتيح لهم إيجاد مخرج قانوني لتدريب نماذجهم بعيدا عن القرصنة، حتى لو كان ثمن ذلك هو القضاء على الوسائط المادية.
لكن ما لم يتطرق إليه الحكم هو مصير الكتب النادرة حقا أو تلك التي لا يوجد منها سوى نسخ معدودة: بعكس كتب جوجل — الذي أنشأ فهرسا متاحا للبحث العام مع الاحتفاظ بالنسخ المادية في المكتبات الشريكة — فإن قاعدة البيانات التي نتجت عن مشروع بنما تخضع لملكية خاصة بالكامل، بينما اختفت النسخ الأصلية للأبد.
احتكار المعرفة: لا تنبع المخاوف الثقافية ومساعي الحفاظ على التراث — التي أججت ردود الفعل الواسعة الأسبوع الماضي — من مجرد القلق على الكتب الورقية الأكثر مبيعا التي تطبع منها ملايين النسخ، بل تأتي من احتمال أن تكون هناك آلة في مركز بيانات ما تعالج كتبا لا تملكها أي مكتبة، ولا يضمها أي أرشيف رقمي، ولن يتمكن أي قارئ من العثور عليها مجددا.
العربي في أمان.. حتى الآن
من حسن الحظ أن تمثيل اللغة العربية لا يزال ضعيفا في عالم الذكاء الاصطناعي، إذ يعتمد منهجية الشراء والتدمير بشكل شبه كامل على الكتب الإنجليزية، ما جنب الأعمال العربية هذا المصير إلى حد كبير. وتتكون معظم البيانات العربية المتاحة لتدريب النماذج حاليا من محتوى إنجليزي مترجم، يفتقر غالبا إلى الفروق الثقافية الدقيقة ولا يعكس الاستخدام الفعلي للغة بدقة.
تقدم بعض المؤسسات في المنطقة حلولا لتجاوز هذه المشكلة دون أي تدمير للكتب، إذ أتاحت هنداوي وهي دار النشر المصرية غير الهادفة للربح، نحو 1745 كتابا عربيا — من روايات وكتب وشعر وأدب للأطفال — مجانا، وقد استخدمت هذه المجموعة بالفعل في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي باللغة العربية.
كيف نحمي نصوصنا إذن؟ تتضمن الاستراتيجية المصرية للذكاء الاصطناعي مبادرة لإنشاء نظام يمنح براءات اختراع في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنها تفتقر إلى أي بنود تحدد كيفية الحصول على بيانات التدريب أو نسبها لأصحابها أو التعويض عنها. وإذا أردنا ألا يعيد التاريخ نفسه، فلا بد من صياغة إطار تنظيمي يتصدى لأي احتمالات حاضرة أو مستقبلية لتدمير الوسائط المادية لمجرد خدمة مصالح الذكاء الاصطناعي.