📈 بعد عام ونصف على فتح الباب، هل تتحرك شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة أسرع مما ينبغي؟ في عام 2024، أقرت الهيئة العامة للرقابة المالية التعديلات التي مهدت الطريق أمام تأسيس وقيد وتداول شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة في البورصة المصرية، بهدف توفير بديل أسرع وأقل تعقيدا من الطروحات العامة الأولية التقليدية، خاصة للشركات في القطاعات سريعة النمو مثل التكنولوجيا والحلول الرقمية، ما طرح تساؤل: هل يمثل الاستثمار في مثل هذه الشركات قرارا جذابا بالنسبة للمستثمرين؟
الإجابة حسمت سريعا، فأول شركة من هذا النوع لم تكتف بالقيد، بل أبرمت مؤخرا صفقتي استحواذ بقيمة 2.8 مليار جنيه عبر مبادلة الأسهم، زادت من رأس مالها إلى نحو 3 مليارات جنيه، لتلحق بها ثاني شركات الاستحواذ المدرجة حديثا بالبورصة، ليصبح السؤال الأجدر بالطرح اليوم ليس ما إذا كان النموذج سينجح، بل ما إذا كان يتحرك بسرعة تفوق قدرة السوق على الإفصاح والرقابة.
البداية
تعرف تلك الشركات بأنها كيانات ذات غرض وحيد، وهو جمع رأس المال من خلال طرح عام أو خاص بهدف الاستحواذ على شركات أخرى غير مقيدة. وعادة ما تعرف في الأسواق العالمية باسم شركات الشيك على بياض، وفي مصر تصنف كشركات رأس مال مخاطر وتخضع لرقابة هيئة الرقابة المالية، وقد أجازت الهيئة تأسيس هذا النوع من الشركات في عام 2021.
في أواخر 2024، وافقت الهيئة على تأسيس أول شركة استحواذ ذات غرض خاص للإدراج بالبورصة وهي كاتليست بارتنرز ميدل إيست، على أن يتركز نشاطها في الاستحواذ على شركات تعمل في الخدمات المالية غير المصرفية والتكنولوجيا المالية ومنصات المدفوعات، وقد بدأت بطموحات عالية تشمل الاستحواذ على 6 إلى 10 شركات.
ثم سريعا وفي يوليو 2025، وافقت الجمعية العامة غير العادية للشركة على تنفيذ صفقتي استحواذ، استهدفتا شركتي قرضي للتطبيقات الإلكترونية وكاتليست بارتنرز هولدينج بإجمالي 2.8 مليار جنيه. وبحلول أكتوبر 2025، تقدمت الشركة بمستندات زيادة رأسمالها المصدر والمدفوع إلى نحو 3 مليارات جنيه لتمويل الصفقتين. وفي أبريل 2026، وافق مجلس إدارتها من حيث المبدأ على المضي في الاستحواذ على حصة حاكمة قد تصل إلى كامل أسهم شركة إي أي إتش للاستشارات وشركاتها التابعة، مستهدفة قطاع المعادن النفيسة والذهب والخدمات المالية المرتبطة به.
لم تعد الشركة وحدها في السوق، فقد أثار المسار السريع للتجربة الأولى شهية العديد من اللاعبين، فانضمت شركة "أو جي كابيتال" للأغراض الخاصة إلى المشهد، والتي تقدمت مؤخرا بعرض مقترح زيادة رأس المال المصدر على المساهمين للتصويت. وإلى جانب ذلك، تقدمت شركة "أر إم بي في" الهولندية للاستثمار المباشر بطلب إلى الهيئة لتأسيس شركتها الخاصة في مايو الماضي، مستهدفة اقتناص الفرص في قطاعات السلع الاستهلاكية والصناعة والتعليم والخدمات المالية.
توسع أكبر.. منافسة أكبر: لا يبرهن هذا التوسع فقط على جاذبية هذه الأداة التمويلية الجديدة، بل ينذر أيضا باحتدام المنافسة مستقبلا للبحث عن شركات مستهدفة جيدة، وهو ما قد يدفع تقييمات تلك الشركات إلى الارتفاع سريعا حتى ولو بتقديرات مبالغ فيها، ما يضع مديري هذه الكيانات تحت ضغط أكبر لاختيار صفقات تحقق قيمة حقيقية للمساهمين.
ما الذي يمكن أن يتعلمه المستثمر المصري من النموذج العالمي؟
فلنعد إلى الوراء قليلا: شهد عالم شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة طفرة حقيقية خلال عامي 2020 و2021، جمعت خلالها أكثر من 220 مليار دولار من رأس المال في سوق الولايات المتحدة وحدها، تبع ذلك انهيارا دراميا أدى إلى انخفاض متوسط قيمة عمليات التصفية لتلك الشركات بنسبة 40% بحلول أواخر عام 2022، في الوقت الذي أكد فيه بعض الخبراء إلى أنها فقدت بريقها فلم تعد بمثابة الابتكار المالي المبهر الذي تخيله البعض، حسبما أشار تقرير بحثي صادر عن مجلة جامعة ييل الأمريكية للتنظيم.
يعود ذلك الانهيار إلى عدة أسباب يمكن للمستثمر المحلي تفاديها لضمان عدم المغالاة في تقييم الصفقات والإخفاق السريع، أبرزها:
1#- غياب الجاهزية التشغيلية والمالية بعد الاندماج، إذ أظهرت عمليات التقييم لبعض الشركات أن الخلل لم يكن في هيكل صفقة الاستحواذ بحد ذاتها بل في غياب الجاهزية لما تلاها، إذ وصلت شركات عديدة إلى مرحلة الإغلاق دون امتلاك وظائف مالية ناضجة أو ضوابط داخلية مجربة أو أطر حوكمة مؤسسية، لتكتشف لاحقا استحالة بناء وتأسيس البنية التحتية المطلوبة لشركة عامة بالتزامن مع ضغط دورة إعلان الأرباح الربع سنوية السريعة.
2#- تضارب مصالح الرعاة مع المستثمرين، وذلك يحدث عندما يحصل الرعاة على عمولات ترويجية ضخمة من أسهم الكيان الجديد بعد الاندماج مقابل استثمار أولي رمزي. ولأن الحصول على هذه العمولات كان مرتبطا بمجرد إغلاق الصفقة بغض النظر عن الأداء الفعلي اللاحق للسهم في السوق، نتج عن ذلك عدم اكتراث الرعاة بمستقبل الشركة بعد الدمج.
3#- الاعتماد على توقعات مالية شديدة التفاؤل، وذلك عندما تستهدف الشركة صفقات لشركات لم تحقق أرباحا أو إيرادات فعلية بعد، فتروج لها بالاعتماد على نماذج مالية طموحة وغير واقعية، مستغلة في ذلك غياب المسؤولية القانونية ومظلة حماية التوقعات المستقبلية لشركات الاستحواذ قبل أن تشدد السوق الأمريكية الرقابة.
4#- نزيف السيولة نتيجة معدلات الاسترداد المفرطة، وهو ما حدث عندما تزايدت شكوك المستثمرين، فشهدت الصفقات موجات استرداد حادة للأسهم قبل إتمام الدمج، ما أفرغ الصفقات من قيمتها وأثر على السيولة النقدية التي كان يفترض بالشركة المدمجة استخدامها للنمو والتشغيل.
رغم ذلك الإنهيار، عاد الزخم مجددا إلى تلك الشركات خلال الأشهر الأخيرة وإن كان على استحياء، ففي أول شهرين من العام الحالي، جمعت 50 شركة أمريكية ما قيمته 10 مليارات دولار، متفوقة بوضوح على الاكتتابات التقليدية التي سجلت 24 صفقة بقيمة 7 مليارات دولار، حسبما جاء في تقرير شركة إف تي أي العالمية للاستشارات. والسبب؟ تغير معايير السوق، إذ نجت الشركات القادرة على تنظيم نفسها بشكل صحيح ومنضبط.
ما يجب الانتباه له
أسرع مما ينبغي؟ رغم أن الإطار التنظيمي الذي وضعته هيئة الرقابة يفرض مهلة عامين كحد أقصى لإتمام استحواذات تلك الشركات قبل الشطب والتصفية، نجحت التجربة الأولى في إتمام الصفقة خلال أشهر قليلة من القيد، وهذا النشاط السريع يحول مصدر القلق من عبء الجمود إلى وتيرة التوسع ذاتها، ليطرح تساؤلا عما إذا كانت السرعة تخدم مصالح المساهمين حقا، أم أنها تدفع نحو تقييمات مرتفعة وقرارات متسرعة تحت وطأة ضغط الوقت.
تحديات الإفصاح والحوكمة: تختلف إجراءات التقييم في هذا النموذج عن الفحص النافي للجهالة المعتمد في الطروحات الأولية التقليدية، ما يثير تساؤلات حول مستوى الشفافية، وتحديدا فيما يخص آليات التقييم المالي للكيانات المستهدفة. ويكتسب ذلك أهمية ملحة مع تعدد صفقات الشركة الواحدة وبلوغ قيمتها مليارات الجنيهات خلال أشهر معدودة، ما يعيدنا إلى التساؤل حول قدرة آليات الإفصاح والرقابة الحالية بالسوق على مواكبة هذه الوتيرة المتسارعة لحماية حقوق المساهمين.
الهدف النهائي؟ شركات حقيقية: يظل المعيار الحقيقي لنجاح النموذج في مصر في قدرة تلك الكيانات على إتمام صفقات ينتج عنها شركات تشغيلية منظمة ومستدامة قادرة على مواصلة العمل والنمو وهو ما ستثبته الفترة المقبلة.