Posted inالخبر الأبرز هذا الصباح

"إتش إس بي سي" يبيع محفظة خدمات الأفراد في مصر لبنك الإمارات دبي الوطني

يتخارج بنك "إتش إس بي سي" من قطاع الخدمات المصرفية للأفراد في مصر بعد 44 عاما قضاها في السوق، لكنه لا ينوي الانسحاب من قطاع الخدمات المصرفية للشركات والمؤسسات الذي يستحوذ على نصيب الأسد من أعماله في البلاد. إذ أعلن البنك أمس توقيع اتفاقية نهائية مع بنك الإمارات دبي الوطني مصر لبيع محفظة خدمات الأفراد بالكامل مقابل مبلغ لم يُفصح عنه، وفقا لبيانين صادرين عن البنكين بعد ساعات العمل الرسمية أمس (هنا وهنا، بي دي إف).

وتعد هذه ثاني خطوة إقليمية كبرى يتخذها بنك الإمارات دبي الوطني هذا الصيف، بعد استحواذه في يونيو الماضي على حصة قدرها 60% في بنك "آر بي إل" الهندي مقابل 2.8 مليار دولار، علما بأن المجموعة تعمل في 13 دولة وتخدم أكثر من 25 مليون عميل نشط، فيما يقترب إجمالي أصولها من 360 مليار دولار. وتمتلك إمارة دبي حصة الأغلبية في بنك الإمارات دبي الوطني، الذي يقوده في مصر عمرو الشافعي، عبر مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية ودبي القابضة، إذ تستحوذان معا على نحو 56% من أسهم البنك.

وفي حال إتمام الصفقة، سيصبح بنك الإمارات دبي الوطني سادس أو سابع أكبر كيان للخدمات المصرفية للأفراد في مصر، وفقا لحساباتنا، ليأتي خلف عدد من البنوك الكبرى، مثل البنك الأهلي المصري، وبنك مصر، والبنك التجاري الدولي، وبنك القاهرة، و"كيو إن بي" الأهلي.

وتشكل هذه الصفقة أحدث حلقة في سلسلة التخارجات العالمية لبنك "إتش إس بي سي" من قطاع الخدمات المصرفية للأفراد، تماشيا مع استراتيجيته الجديدة التي يقودها الرئيس التنفيذي للمجموعة جورج الحيدري. وتشمل الصفقة جميع قروض الأفراد وودائعهم وحساباتهم والفروع المخصصة لخدمتهم وماكينات الصراف الآلي التابعة لـ "إتش إس بي سي مصر"، إلى جانب الموظفين العاملين بهذا القطاع. في حين سيواصل البنك تقديم خدماته لعملائه من الشركات في مصر.

وما زال إتمام الصفقة مرهونا بموافقة البنك المركزي المصري وتلبية الشروط المعتادة لمثل هذه الصفقات، لذا لا نتوقع إتمامها قبل النصف الثاني من العام المقبل. ولم يفصح أي من الطرفين عن القيمة المالية للصفقة أو عدد الحسابات التي ستُنقل إلى بنك الإمارات دبي الوطني، رغم إشارة "إتش إس بي سي" إلى أن الاتفاقية قد تحقق للمجموعة مكاسب بحوالي 300 مليون دولار قبل احتساب الضرائب.

تذكر: وضع البنك أعمال خدمات الأفراد التابعة له في مصر قيد المراجعة الاستراتيجية في أكتوبر الماضي، مؤكدا حينها استمراره في تقديم الخدمات المصرفية للشركات والمؤسسات دون نية للتخارج منها. وبحلول شهر فبراير، ورد أن "إتش إس بي سي" كان يدرس عروضا مما لا يقل عن أربعة أطراف مهتمة بالاستحواذ على المحفظة، من بينها بنك الإمارات دبي الوطني، و"كيو إن بي" الأهلي، والبنك التجاري الدولي المدرج في البورصة المصرية. وفي النهاية، أجرت أربع مؤسسات، من بينها البنك التجاري الدولي، الفحص النافي للجهالة الخاص بمحفظة الخدمات المصرفية للأفراد التابعة لـ "إتش إس بي سي مصر".

شهدت مصر سيناريو مشابها من قبل، عند بيع محفظة خدمات الأفراد التابعة لسيتي بنك إلى البنك التجاري الدولي. (تجدون المزيد عن ذلك أدناه).

ما الخطوة التالية؟

سيراجع البنك المركزي المصري ما إذا كان بنك الإمارات دبي الوطني لديه رأس المال والسيولة والقدرة التشغيلية اللازمة لاستيعاب الحسابات والالتزامات الجديدة دون التأثير سلبا على وضعه المالي. كما تشترط الجهة التنظيمية على البنكين وضع خطة لانتقال العملاء تشمل جميع التفاصيل، بدءا من استمرارية الحسابات وحتى آلية التعامل مع نقاط الولاء.

وأكد بنك "إتش إس بي سي" أن العمل سيسير كالمعتاد بالنسبة للعملاء والموظفين والفروع في مصر، على الأقل في الوقت الحالي، وهو ما تؤكده السوابق المماثلة في مثل هذه الصفقات. وأوضح البيان أنه "لن تطرأ أي تغييرات فورية على عملاء خدمات الأفراد لدى البنك أو المنتجات المصرفية التي يستخدمونها".

وفي حديثه لنشرة إنتربرايز الصباحية، أوضح المحلل المصرفي والمالي هاني أبو الفتوح أن "العملاء لن يشعروا بتأثير الصفقة فور إعلانها"، وأضاف: "لكن انتقال هذا الكم الهائل من الودائع والقروض والعملاء من شأنه تغيير الخريطة التنافسية بين البنوك". ويقدر أبو الفتوح حجم قاعدة عملاء خدمات الأفراد النشطين لدى "إتش إس بي سي مصر" بحوالي 330 ألف عميل. وأشار إلى أنه قبيل الصفقة، كانت قاعدة ودائع الأفراد لدى "إتش إس بي سي" تتجاوز قاعدة بنك الإمارات دبي الوطني بما يزيد قليلا عن 1.5 مرة، في حين كانت محفظة القروض تعادل نحو 80% من حجم محفظة الأخير.

"إتش إس بي سي" يتخارج من قطاع قوي

تحقق خدمات الأفراد أرباحا قوية، إذ سجلت صافي ربح بلغ 948.4 مليون جنيه خلال الربع الأول من عام 2026، رغم تراجعه بنسبة 8.8% مقارنة بنحو 1.04 مليار جنيه في الفترة ذاتها من العام الماضي، وفقا لنتائج أعمال الربع الأول (بي دي إف). ومثلت خدمات الأفراد نسبة تقل قليلا عن 16% من صافي الربح الذي حققه البنك في مصر خلال الربع الأول من العام الجاري، والبالغ 6 مليارات جنيه. أما قطاع الخدمات المصرفية للشركات، فشكل ما يقرب من 70% من صافي أرباح البنك، بينما ساهم قطاع الاستثمار والأنشطة الأخرى بحوالي 15%.

ما تكشفه القوائم المالية: بلغت ودائع الأفراد لدى "إتش إس بي سي مصر" نحو 142.8 مليار جنيه مقابل قروض بقيمة 18.9 مليار جنيه خلال الربع الأول، أي أن نسبة القروض إلى الودائع بلغت نحو 13%، ما يجعل هذا القطاع قاعدة للتمويل أكثر من كونه قطاعا للإقراض. واستحوذت القروض الشخصية على 13.6 مليار جنيه من الإجمالي، بينما بلغت قروض بطاقات الائتمان 5.2 مليار جنيه. وتتسم جودة الائتمان بمستويات ممتازة، إذ لا تتجاوز مخصصات الديون المعدومة 0.5% تقريبا من إجمالي المحفظة.

هذا لا يحمل تقييما سلبيا للسوق المصرية

تأتي خطوة "إتش إس بي سي" ضمن توجه عالمي للانسحاب من قطاع خدمات الأفراد يمتد إلى ما هو أبعد من مصر. وتعود بداية هذه العملية إلى منتصف عام 2023، عندما وضع جورج الحيدري، المدير المالي للبنك آنذاك، 12 دولة على قائمة التخارجات المحتملة للتركيز على السوق الآسيوية، التي أسهمت بحوالي 87.2% من صافي الأموال الجديدة التي حققتها المجموعة في الربع الأول من عام 2026، ارتفاعا من 78% في عام 2023. وعُين الحيدري رئيسا تنفيذيا للمجموعة في عام 2024، وبعدها بأشهر أعلن البنك نيته تبسيط وإعادة هيكلة عملياته لتقتصر على أربعة أعمال رئيسية هي: أعماله في هونج كونج، والمملكة المتحدة، والخدمات المصرفية للشركات والمؤسسات، وإدارة الثروات الدولية والخدمات المصرفية المميزة.

ورغم تراجع أهمية قطاع خدمات الأفراد في استراتيجية البنك، يؤكد "إتش إس بي سي" تركيزه الشديد على قطاع الخدمات المصرفية للشركات هنا في مصر. وكان تود ويلكوكس، الرئيس التنفيذي للبنك في مصر، قد صرح لنشرتنا في فبراير الماضي بأن البنك "يركز تركيزا كاملا على تلبية احتياجات عملائه من الشركات والمؤسسات الاستثمارية" في البلاد، مشيرا إلى البنك ينظم جولات ترويجية وجولات ترويجية عكسية تضع مصر على خارطة اهتمامات العملاء والمستثمرين العالميين من الصين وسنغافورة والمملكة المتحدة وغيرها، فضلا عن تدفق المصنعين الصينيين والأتراك الذين جذبتهم "المزايا التنافسية الواضحة لمصر"

نظرة أوسع: يرى أبو الفتوح أن "هذا التسلسل من القرارات يضع مصر ضمن إعادة هيكلة أوسع نطاقا لرأس المال والانتشار الجغرافي للمجموعة، ما يدحض أي تفسيرات تعتبر هذه [الاتفاقية] تقييما سلبيا مستقلا للسوق المصرية".

من أين يتخارج "إتش إس بي سي" أيضا؟

تخارج البنك بالكامل من قطاع الخدمات المصرفية للأفراد في كندا وفرنسا وجنوب أفريقيا والبحرين وسريلانكا، في إطار ما يصفه بـ "التبسيط المستمر لعمليات مجموعة إتش إس بي سي". كما باع محفظة خدمات الأفراد التابعة له في الأرجنتين لصالح جروبو فينانسييرو جاليسيا مقابل 550 مليون دولار، ويخوض حاليا تخارجات مماثلة في إندونيسيا وأستراليا، حيث ستؤول محفظة قروض عقارية وتمويلات بقيمة 25.3 مليار دولار إلى شركة بلاكستون، تمهيدا لتصفية ما تبقى من أعمال خدمات الأفراد بحلول النصف الأول من عام 2027. أما في بنجلاديش، فقد قرر البنك إغلاق عملياته تماما بدلا من بيعها، بينما تظل عملياته في مالطا قيد المراجعة. وفي الولايات المتحدة، قلص البنك حضوره في قطاع خدمات الأفراد خلال عام 2021 ويتخارج الآن أيضا من قطاع الخدمات المصرفية التجارية.

الاستراتيجية ليست مقصورة على "إتش إس بي سي": تعكف البنوك متعددة الجنسيات على "تحجيم" عملياتها في الأسواق الناشئة، متخلية عن قطاعات خدمات الأفراد التي تتطلب مبالغ كبيرة من رأس المال لتعزيز تركيزها على قطاعات المؤسسات وإدارة الثروات ذات الهوامش الربحية الأعلى.

وسبق أن شهدنا هذا السيناريو: ففي أغسطس 2015، باعت وحدة سيتي بنك في مصر محفظة خدمات الأفراد التابعة لها إلى البنك التجاري الدولي، أكبر بنك خاص في مصر والمدرج بالبورصة المصرية، في صفقة شملت نقل حسابات العملاء ومحفظة البطاقات الائتمانية والقروض الشخصية، وشبكة الفروع وماكينات الصراف الآلي. وانضم العديد من موظفي سيتي بنك البالغ عددهم 900 موظف إلى البنك التجاري الدولي حينها، تزامنا مع نقل نحو 100 ألف حساب و90 ألف بطاقة ائتمانية و9 فروع. ولم يُفصح أي من البنكين عن قيمة الصفقة في ذلك الوقت، علما بأن إتمامها استغرق عام 2016 وامتد حتى عام 2017 تحت إشراف البنك المركزي المصري.

من سيتأثر بالتخارج وكيف؟

يدير "إتش إس بي سي مصر" ثلاثة شرائح من حسابات الأفراد، تشمل الحساب الجاري الأساسي الذي يشترط ألا يقل إجمالي الراتب الشهري للعميل عن 10 آلاف جنيه، وحساب أدفانس بمتوسط رصيد شهري 500 ألف جنيه أو راتب شهري 30 ألف جنيه، وحساب بريمير بمتوسط رصيد مليوني جنيه أو راتب 70 ألف جنيه. وشهدت الحدود الدنيا للالتحاق بالشريحتين الأعلى قفزة حادة في السنوات الأخيرة تزامنا مع تراجع الجنيه أمام الدولار؛ إذ تضاعف الحد الأدنى لرصيد حساب بريمير ثلاث مرات تقريبا ارتفاعا من 750 ألف جنيه في يونيو 2024، بينما تضاعف الحد الأدنى لحساب أدفانس من 250 ألف جنيه في مايو 2025.

رأينا- ستمنح هذه الخطوة بنك الإمارات دبي الوطني محفظة أكثر تركيزا وتضم حسابات ذات أرصدة أعلى، مقارنة بما كانت عليه محفظة "إتش إس بي سي" قبل عامين.

خبر الصفقة ليست سوى البداية: يوضح أبو الفتوح أن "التفاصيل اللاحقة ستتكشف تباعا؛ من حيث الرسوم وأسعار الفائدة وأرقام الحسابات والبطاقات، فضلا عن آلية نقل الخدمة من بنك إلى آخر". وأضاف: "هذه التفاصيل تمثل الاختبار الحقيقي لأنها تمس صلب العلاقة اليومية بين العميل والبنك، ولا تقتصر على مجرد تغيير اللافتة المرفوعة على الفروع".

ما تأثير ذلك على السوق المصرية؟

يتسم القطاع المصرفي المصري بالازدحام والتركز الشديد في الوقت ذاته. فالسوق تضم 37 بنكا مرخصا؛ بعدما دخلها بنك ستاندرد تشارترد في عام 2023، وسُجل وان بنك كبنك رقمي في يناير الماضي، لكن البنوك "الخمسة الكبرى" تستحوذ على 69.7% من أصول القطاع، و67.2% من الودائع، و73.1% من القروض. وعادة ما تؤدي عمليات انتقال المحافظ الكبيرة إلى زيادة هذا التركز، على غرار استحواذ بنك أبوظبي الأول على بنك عَوده واستحواذ بنك المؤسسة العربية المصرفية (إيه بي سي) على بنك بلوم مصر. لكن ما يميز هذه الصفقة، حسبما يوضح أبو الفتوح، هو أن الجزء المنتقل يقتصر على قطاع محدد داخل بنك قائم وليس الكيان المصرفي بأكمله.

وأكد أبو الفتوح أن "القيمة الحقيقية للصفقة لن تُقاس بحجم المحفظة فحسب، بل بقدرة السوق على تحويل نقل الملكية هذا إلى خدمات أفضل ومنافسة أوسع تصب في مصلحة العميل".

تفاصيل ختامية

"إتش إس بي سي" في أرقام: بدأ البنك عملياته في مصر عام 1982 تحت اسم بنك هونج كونج المصري، واليوم يضم البنك نحو 1500 موظف ويمتلك أكثر من 40 فرعا. كما تحتضن مصر "مركزا للخدمات العالمية" تابعا لـ "إتش إس بي سي"، وهو يقدم الدعم لعمليات البنك على مستوى العالم.

ماذا بعد؟ ستنشر مجموعة "إتش إس بي سي" غدا نتائج أعمال النصف الأول، مما قد يكشف تفاصيل إضافية عن الصفقة، رغم أن البنك غير ملزم بالإفصاح عن قيمتها المالية ما دامت مرهونة بالموافقة التنظيمية.