أصدرت الحكومة نظاما جديدا لتخصيص الأراضي الصناعية بنظام الإيجار المنتهي بالتملك، يتيح للمصنعين سداد تكلفة الأرض على فترات تصل إلى 21 عاما، مع إمكانية التقدم بطلب للتملك بعد مرور عام واحد من التشغيل الفعلي، وفق بيان صادر عن وزارة الصناعة.
آلية العمل: يمكن للمستثمرين استئجار الأراضي لفترة تبدأ من 7 سنوات وتصل إلى 21 عاما بحد أقصى، مقابل إيجار سنوي يبلغ 5% من سعر المتر المربع، على أن يعاد تقييم القيمة الإيجارية بعد مرور 7 سنوات و14 عاما في حال عدم تقدم المستثمر بطلب للتملك. وفور مرور عام واحد من التشغيل الفعلي للمبنى الصناعي، يحق للمستثمر التقدم بطلب لشراء الأرض؛ إذ تخصم القيمة الإيجارية المسددة من ثمن الأرض، ويسدد المستثمر 25% من القيمة المتبقية، مع تقسيط باقي المبلغ على 3 أقساط سنوية.
ضربة جديدة لتسقيع الأراضي: بالإضافة إلى ذلك، قررت الوزارة تعليق العمل بالقرار رقم 107 لسنة 2026 مؤقتا، بداية من منتصف أغسطس حتى نهاية العام الجاري، لترفع بذلك حظر البيع المفروض لمدة 3 سنوات على الأراضي والمصانع، وهو ما يمنح المستثمرين حرية نقل الملكية والتخارج دون قيود روتينية. وتهدف الخطوة إلى تحجيم المضاربات في السوق الثانوية، التي تسببت في قفزات طرأت على أسعار الأراضي في عدة مناطق مثل العاشر من رمضان.
في تعليقه لإنتربرايز، قال الدكتور سمير عارف، رئيس مجلس إدارة جمعية مستثمري العاشر من رمضان، إن نظام الإيجار المنتهي بالتملك يلبي مطالب المستثمرين بتوفير آليات أكثر مرونة لتخصيص الأراضي. وأضاف أن إتاحة الاختيار للمصنعين بين التملك المباشر وحق الانتفاع والإيجار المنتهي بالتملك سيسمح لهم بالاحتفاظ بجزء أكبر من رؤوس أموالهم لتغطية نفقات التشغيل، فضلا عن تشجيعهم على ضخ استثمارات جديدة.
خفض تكلفة الأرض يفتح الباب أمام التوسعات: يتفق علاء نصر، وكيل غرفة صناعة الأخشاب والأثاث باتحاد الصناعات المصرية، مع هذا الطرح. وأكد في تعليقه لإنتربرايز أن الإيجار السنوي المخفض البالغ 5% سيوفر سيولة أكبر لشراء الآلات وتعزيز رأس المال العامل، ما قد يمهد لموجة جديدة من توسعات المصانع خارج المدن الصناعية القائمة.
إجراءات رقمية بالكامل: تُنفذ عملية التقديم والسداد إلكترونيا عبر منصة مصر الصناعية الرقمية، التي دُشنت في سبتمبر 2024 لتخصيص الأراضي فقط، قبل أن تتسع مظلتها في وقت سابق من العام الجاري، لتجمع خدمات التراخيص وتصاريح البناء والمدفوعات ضمن نظام مركزي موحد.
تسعة مسارات لطرح وتخصيص الأراضي والوحدات الصناعية
يعد الإيجار المنتهي بالتملك آلية واحدة من بين 9 آليات تطبقها الوزارة لتوفير الأراضي الصناعية للمنتجين؛ إذ تشمل بقية الحزمة:
- طرح الأراضي كل 3 أشهر، لتقليص فترات انتظار المستثمرين لطروحات جديدة.
- التملك المباشر للأراضي الصناعية.
- عقود حق الانتفاع.
- الوحدات الجاهزة، إذ تمتلك الدولة حاليا مخزونا يبلغ نحو 4,800 وحدة في المجمعات الصناعية الحكومية.
- الاعتماد على المطورين من القطاع الخاص، من خلال مضاعفة عدد المطورين الصناعيين من القطاع الخاص من 16 إلى 30 مطورا تقريبا.
- برنامج القرية المنتجة، الذي يستهدف إنشاء 100 مصنع خلال 3 سنوات بناء على المزايا التنافسية لكل محافظة.
- منصة إلكترونية للمصانع المتعثرة، تتيح للمستثمرين الدخول في شراكات وإعادة تشغيل الأصول الإنتاجية المعطلة.
- تعليق حظر بيع الأراضي لمدة 3 سنوات، كما ذكرنا سابقا، ما يمنح المستثمرين مهلة مؤقتة من منتصف أغسطس وحتى نهاية العام للتخارج أو نقل ملكية الأصول دون غرامات.
معضلة مدينة العاشر من رمضان
لا تعالج الآليات الجديدة سوى جزء من المشكلة في المدن الصناعية القائمة. إذ تواجه مدينة العاشر من رمضان نقصا في قطع الأراضي المزودة بالمرافق رغم قوة الطلب من المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، حسبما يقول عارف. وقد أشارت إنتربرايز في تقرير سابق إلى أن قطع الأراضي التي يبلغ سعرها الرسمي نحو 6 آلاف جنيه للمتر المربع يجري تداولها بأسعار تصل إلى 30 ألف جنيه للمتر في السوق الثانوية. وتعمل الوزارة حاليا على توفير المرافق لتوسعات بمساحة 10 آلاف فدان، وفقا لعارف. وفي غضون ذلك، وفرت الدولة وحدات صناعية جاهزة في العاشر من رمضان بأنظمة ملكية وسداد متنوعة. وعلى صعيد منفصل، طلبت هيئة التنمية الصناعية 21 مليار جنيه لترفيق المزيد من الأراضي الصناعية.
يجب أيضا أن تقترن خيارات السداد المتعددة بجداول زمنية أكثر صرامة للتنفيذ؛ إذ أوضح عارف أن المستثمرين الذين يحتفظون بقطع الأراضي دون بناء يمنعون دخول المشاريع الإنتاجية للسوق. ويعالج شرط الملكية في النظام الجديد هذه المشكلة جزئيا؛ فلا يحق للمستثمرين التقدم بطلب لشراء قطعة أرض مستأجرة إلا بعد مرور عام على تشغيل المصنع.
السياق: أطلقت الحكومة أيضا حملة لاسترداد قطع الأراضي والوحدات الصناعية غير المستغلة من المستثمرين الذين تقاعسوا عن تطويرها، بدءا من مدينتي العاشر من رمضان وبدر، في إطار سعيها لإعادة الأراضي غير المستغلة إلى النشاط الإنتاجي.
عقبات أخرى تواجه صعيد مصر
تتوفر الأراضي في الصعيد، لكن عدم اكتمال البنية التحتية يبعد المستثمرين. فقد ارتفعت أسعار الأراضي الصناعية في سوهاج بعد أن كانت تخصص مجانا، لتصل إلى نحو 1200 جنيه للمتر المربع، حسبما صرح به رئيس جمعية مستثمري سوهاج محمود الشندويلي لإنتربرايز. وأضاف أن خيارات السداد الأكثر مرونة قد تفيد، لكن العائق الأكبر يتمثل في المرافق. إذ لا تزال المنطقة الصناعية بالأحايوة شرق بأخميم، التي تأسست عام 2000، تفتقر إلى المياه والكهرباء والخدمات الأساسية ومرافق الإطفاء، فضلا عن عدم وجود نقطة شرطة. ورغم تحسن حالة الطرق، بما في ذلك الطريق الذي يربط المنطقة بميناء سفاجا، فإن جذب المصنعين سيتطلب إقامة مناطق لوجستية وحرة، وتوصيلات الغاز، واستكمال المرافق، وخفض تكاليف التشغيل، إلى جانب توفير أنظمة مرنة لتخصيص الأراضي، وفقا للشندويلي.
التمويل هو الحلقة المفقودة: اتفق كل من عارف والشندويلي على أن خفض التكلفة الأولية للأراضي لن يكون كافيا دون توفير تمويل ميسر لبقية مراحل المشروع. وطالب كلاهما بوضع آلية تمويل مخصصة للاستثمارات الصناعية، وخفض أسعار الفائدة على قروض المصانع، وتعزيز دور شركة ضمان مخاطر الائتمان. ورغم أن نظام الإيجار المنتهي بالتمليك قد يحافظ على رأس المال في مرحلة تخصيص الأراضي، سيظل المستثمرون بحاجة إلى تمويل لأعمال البناء والآلات والمرافق ورأس المال العامل وبدء العمليات التشغيلية.