🎭 ما الذي أعاد أزمة حق الأداء العلني إلى الواجهة؟ بعد أكثر من عقدين من الانكفاء داخل أدراج قانون حماية الملكية الفكرية، خرج ملف حق الأداء العلني ليتصدر مشهد صناعة الدراما والسينما المصرية، محدثا صداما فكريا واقتصاديا حول الفلسفة التي تدار بها سوق الإنتاج الفني. وبينما تحتفي النقابات الفنية بهذا التطور وتعتبره انتصارا تاريخيا طال انتظاره لإنصاف المبدعين، يرى المنتجون أن فرض مثل هذه الالتزامات المالية يحمل تهديدا مباشرا لاستدامة صناعة تواجه ارتفاعا حادا في تكاليف الإنتاج وأزمات التمويل الهيكلية.
خلفية
ماذا يعني الأداء العلني؟ يشير الأداء العلني إلى أي عمل يتيح المصنف الفني للجمهور — تمثيلا أو إلقاء أو عزفا أو بثا — بشكل مباشر، حسبما جاء في تعريف المادة 138 من قانون حماية حقوق الملكية الفكرية المصري. ويرتبط بهذا الأداء حق للفنان يشمل الحصول على مقابل مالي عن القيمة التجارية المتجددة للمصنف الفني كلما أعيد عرضه أو بثه أو إتاحته للجمهور على نحو علني.
يشمل هذا الحق كافة وسائط العرض من شاشات التلفزيون والفضائيات ودور العرض السينمائي والمنصات الرقمية، بينما يتمثل محور الخلاف في نقطة جوهرية، إذ يحصل الفنان بموجب العقد الابتدائي على أجر مقطوع مقابل تنفيذ العمل وعرضه الأول، لكن الإشكالية تبدأ حين يستمر هذا المصنف في تحقيق عوائد مادية للجهات العارضة بعد سنوات من إنتاجه، بينما يتوقف الحق المالي للفنان عند عتبة الأجر الذي تقاضاه وقت التصوير.
قانون قديم.. ونقاش جديد
اتخذت الأزمة أبعادا أعمق حينما أعلن الممثل وعضو مجلس الشيوخ ياسر جلال موافقة المجلس على مقترح تفعيل حق الأداء العلني، وإحالة التوصيات إلى الحكومة، ولم تمض سوى أيام حتى أعلن نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي بدء التطبيق الفعلي استنادا إلى أحكام قانون حماية حقوق الملكية الفكرية، معتبره إياه استردادا لكرامة الفنان وصونا لها وانجازا تاريخيا طال انتظاره لكافة المبدعين والفنانين المصريين.
رغم أن حدة السجال توحي بأن مصر بصدد إصدار تشريع جديد، لكن الواقع مختلف، فحق الأداء العلني يتمتع بحماية قانونية منذ أكثر من عقدين، إذ تكفل المادة 155 لفناني الأداء حقا أدبيا دائما في نسبة الأداء إليهم ومنع أي تحريف أو تشويه له، بينما تمنحهم المادة 156 حقا ماليا استئثاريا في استغلال أدائهم عبر البث والتسجيل والنسخ والتوزيع والتأجير، على أن تمتد الحماية المالية لمدة خمسين عاما وفقا للمادة 160. ما يؤكد أن جوهر الأزمة لم يكن يوما في غياب النصوص القانونية، بل في عدم تفعيلها عمليا نتيجة غياب الآليات التنفيذية والجهة المختصة بتحصيل هذه الحقوق وإدارتها وتوزيعها.
لكن.. لماذا الآن؟ أعاد التطور الهائل لسوق البث الرقمي والمنصات المشفرة هذا القانون إلى الواجهة، إذ لم تعد الأعمال الدرامية والسينمائية تنهي دورتها التجارية بعد العرض التلفزيوني الأول أو الثاني كما في الماضي، إنما تظل متاحة لسنوات على فضاءات البث الرقمي، وتباع حقوقها باستمرار لأسواق جغرافية جديدة، محققة عوائد مستدامة لا يستفيد منها المبدع الذي شارك في صناعتها بالأساس.
الإنتاج ومعضلة العقود
واجه هذا التحرك النقابي رفضا من جانب المنتجين، إذ عقدت غرفة صناعة السينما اجتماعا طارئا حضره أكثر من 50 منتجا، انتهى بإصدار بيان يرفض مطالب النقابات الفنية بصيغتها المطروحة، إذ استندت الغرفة إلى أن المنتج هو المالك القانوني للمصنف السينمائي وحقوق استغلاله، وأن القانون الحالي لا يلزمه بإبرام عقود موحدة تتضمن حق الأداء العلني، معتبرة أن جهات العرض من قنوات وسينمات ومنصات ليست ملزمة قانونا بدفع مقابل إضافي عند كل إعادة عرض. بل وصل الأمر إلى اتهام غرفة صناعة السينما بإقحام نفسها في أمر ليس من شأنها، حسبما صرح رئيس جمعية مؤلفي الدراما، السيناريست أيمن سلامة، معتبرا أن جزءا كبيرا من الخلاف الدائر يعود بالأساس إلى سوء فهم لطبيعة الحق لا إلى رفضه.
تتركز مخاوف المنتجين في العقود القائمة على مبدأ المبلغ المقطوع، إذ يتنازل الفنان بموجبها عن حقوق الاستغلال المالي مقابل أجر محدد سلفا. من هذا المنطلق، يرى المنتجون أن تفعيل حق الأداء العلني قد يثير إشكاليات تتعلق بالعقود المبرمة بالفعل، وما إذا كانت ستؤثر في الإيرادات التي اكتسبوها بموجبها، أكثر من كونه اعتراضا على مبدأ الحق نفسه.
ماذا فعلت الدول الأخرى؟
عربيا: تعد المغرب الدولة العربية الوحيدة التي طبقت نظام حق الأداء العلني بصورة متكاملة عبر المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، الذي يتولى تحصيل مستحقات حقوق المؤلف والحقوق المجاورة الناتجة عن استغلال المصنفات والأداءات، ثم توزيعها على أصحاب الحقوق، وتستشهد النقابات الفنية في مصر بهذه التجربة باعتبارها النموذج العربي الأقرب لتفعيل حق الأداء العلني.
عالميا: لا يطرح النظام الفرنسي حق الأداء العلني باعتباره قضية خلافية، بل يطبق تلقائيا بشكل غير مطروح للتفاوض أو الاستبعاد من العقود، حسبما صرح المخرج والمنتج المصري المقيم في فرنسا عصام حيدر لإنتربرايز، مؤكدا أن آلية التطبيق واضحة في جميع العقود وتتضمنه بصورة إلزامية، مع تحديد حد أدنى للنسب المستحقة، بما يضمن حصول الكاتب والمخرج على حصة من عوائد العمل طوال فترة العرض، مع اختلاف هذه النسبة بحسب الوسيلة، سواء من خلال العرض السينمائي أو بيع حقوق البث للمنصات الرقمية وغيرها.
تعتمد التجربة الفرنسية على وجود حد أدنى ملزم لأجور الكتاب والمخرجين يحتسب وفق ساعات العمل، بما يحمي العاملين من العقود غير المتوازنة، ويجعل حق الأداء العلني جزءا من منظومة تعاقدية متكاملة، وليس التزاما يضاف إلى سوق لا تزال تفتقر إلى قواعد واضحة لتنظيم الأجور، حسبما أضاف حيدر.
أما في مصر، نحن بحاجة أولا إلى إعادة هيكلة منظومة الأجور ووضع حد أدنى واضح لأجور الكتاب والمخرجين، ومن ثم يمكننا الحديث عن نسب حق الأداء العلني، إذ لا يتوقف نجاح تطبيق هذا الحق في مصر على وجود النصوص القانونية وحدها، بل يتطلب إصلاحا أوسع لمنظومة العمل داخل القطاع، بحسب حيدر.
البنية المؤسسية الغائبة
يتطلب نجاح المنظومة في مصر إنشاء جهة مستقلة للإدارة الجماعية تتولى تحصيل مستحقات حق الأداء العلني وتوزيعها، إلى جانب بناء قاعدة بيانات دقيقة تضم جميع أصحاب الحقوق، من ممثلين ومخرجين ومؤلفين وموسيقيين، بما يضمن احتساب المستحقات وتوزيعها بعدالة. كما يستلزم الأمر استكمال الإطار التشريعي المنظم لآليات التحصيل وعمل جمعيات الإدارة الجماعية.
"ما نحتاج إليه هو جهة موثوق بها يمكن الرجوع إليها إذا امتنع أحد عن سداد المستحقات أو حاول الانتقاص من الحقوق، على أن تكون لديها صلاحيات واضحة لاتخاذ القرارات اللازمة"، بحسب حيدر، الذي أشار إلى أن التحدي الأكبر لن يكون في قطاع السينما — الذي يشهد إنتاجا محدودا نسبيا — بل في قطاع الدراما التلفزيونية، باعتباره الأكثر إنتاجا والأوسع انتشارا عبر القنوات والمنصات الرقمية، ومن ثم سيكون الساحة الرئيسية لتطبيق منظومة حق الأداء العلني واختبار فاعليتها.
خطوات على الطريق الصحيح: نجحت جمعية مؤلفي الدراما المصرية بالفعل في تحصيل مستحقات حقوق الأداء العلني من عدد من دول أمريكا اللاتينية، مع توزيع عوائدها على 22 مؤلفا مصريا، كما أنها في خضم التواصل حاليا مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية وعدد من جمعيات الإدارة الجماعية العربية والدولية للاستفادة من خبراتها في إدارة هذه الحقوق.