Posted inعقارات

التوجه شرقا: إعادة اكتشاف "الساحل الطيب"

خلال السنوات الأخيرة، تحولت العطلة الصيفية في الساحل إلى مرآة تعكس انقساما اقتصاديا واجتماعيا حادا، يعيد رسم خريطة الاستهلاك العقاري في مصر. قبل سنوات كان اختيار الوجهة الصيفية يدور حول سؤال بسيط ومباشر: أي قرية أقرب إلى البحر؟ أما الآن فقد تبدل المشهد وأصبح السؤال الاستهلالي مختلفا وجوهريا. سرعان ما وجد مصطلحا الساحل الطيب والشرير — اللذان ولدا في البداية على منصات التواصل على سبيل المزاح والتهكم — طريقهما سريعا إلى أدبيات السوق العقارية ولغة الوسطاء والمشترين أنفسهم.

المنطق وراء التصنيف: يشير الساحل الطيب إلى القرى السياحية القديمة التي ارتبطت لسنوات طويلة بنمط المصيف العائلي الهادئ والبيوت البسيطة والتجمعات التلقائية، بينما يرمز الساحل الشرير إلى الطفرة العمرانية الحديثة. ورغم أن الساحل الجديد لا يزال يستقطب النصيب الأكبر من تدفقات رؤوس الأموال واستثمارات التطوير العقاري، إلا إن السنوات الأخيرة شهدت موجة ارتدادية وعودة ملحوظة للطلب على القرى القديمة. جاءت هذه العودة مدفوعة بتغيرات اقتصادية وضغوط تضخمية أعادت تشكيل أولويات المشترين. فهل تمثل هذه العودة موجة مؤقتة يحركها الحنين إلى الماضي، أم أنها بداية تغير هيكلي أعمق يعيد رسم خريطة الطلب والاستثمار على الساحل الشمالي؟

الهروب إلى البساطة: لماذا يعود المشترون إلى الساحل القديم؟

انصرف اهتمام المشترين عن امتلاك وحدة داخل أحدث مشروع براق، باحثين عن المساحات الأكبر والاستلام الفوري دون الدخول في دوامة أعباء مالية وأقساط طويلة الأجل. بدأ المطورين في الساحل الجديد في رفع الأسعار واستهداف شريحة محددة، ووصل الأمر في بعض المشروعات إلى إجراء مقابلات شخصية مع العملاء واختيار نوعية الملاك بناء عليها.

يعكس هذا التوصيف تحولا في طبيعة الخطاب التسويقي للمشروعات الجديدة خلال السنوات الأخيرة، إذ بات يركز بصورة شبه كاملة على الشريحة الأعلى دخلا في المجتمع، إلى جانب المستثمرين العرب والأجانب، وهو ما انعكس مباشرة على مستويات الأسعار وآليات استهداف العملاء، حسبما صرح الوسيط العقاري بالساحل الشمالي زياد النجار لإنتربرايز.

دفعت هذه السياسة الانتقائية شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة إلى إعادة اكتشاف الساحل القديم، إذ يمنحهم الساحل القديم قيمة مقابل سعر أفضل بكثير، حيث يمكن للمشتري بالميزانية التي يدفعها مقدم حجز في الساحل الجديد، امتلاك وحدة كاملة في الساحل القديم، تكون جاهزة للاستلام الفوري وفي قرية تتوافر بها كافة الخدمات، حسبما أضاف.

لا يقتصر الفارق على السعر الإجمالي، إنما يمتد إلى طريقة الشراء ذاتها: يعتمد الساحل الجديد بصورة أساسية على البيع على المخطط مع فترات تقسيط تمتد لـ 8 أو 10 سنوات، بينما تقوم السوق في القرى القديمة على إعادة البيع، حيث تكون أغلب الوحدات جاهزة للاستخدام الفوري، وهو ما يجذب المشترين الباحثين عن مصيف فعلي لا عن استثمار ينتظر سنوات حتى يكتمل.

أدى هذا الإقبال إلى زيادة أسعار الوحدات في الساحل القديم ولكن بشكل محسوب ومنطقي، لكي تحافظ على ميزتها التنافسية الأساسية في تقديم قيمة مقابل السعر، ما دفع بعض شركات التطوير العقاري إلى العودة مجددا بمشروعات محدودة لاستغلال الطلب على الوحدات الجاهزة، مستفيدة من ندرة الأراضي المتاحة للبناء داخل هذه المنطقة التاريخية مقارنة بالامتداد المستمر في الساحل الجديد، وفقا للنجار.

صراع الهوية واللايف ستايل

رغم أن أسعار الوحدات تعد أول ما يلفت انتباه المشترين، إلا أن المشترين يرون أن الفارق الحقيقي بين الساحل القديم والجديد أصبح يتعلق كذلك بنمط الحياة الذي تروج له كل منطقة. في الوقت الذي يروج فيه الساحل الجديد لنفسه باعتباره وجهة متكاملة تضم فنادق عالمية ومطاعم راقية ومراسي لليخوت، يرى كثير من المشترين أن هذا النموذج جاء مصحوبا بقيود غيرت مفهوم المصيف، وتحول معها المشروع إلى علامة اجتماعية تفرض خدمات حصرية كأنظمة الدخول المعقدة والنوادي الشاطئية الخاصة.

في هذا السياق وصف أحد ملاك الوحدات العقارية بالساحل القديم لإنتربرايز الفرق الجوهري بين التجربتين، موضحا أن زيارة أصدقاء في الساحل القديم لا تحتاج سوى مكالمة هاتفية قصيرة مع أفراد الأمن على البوابة، حيث يمكن الدخول مباشرة دون تعقيدات. بينما يختلف الوضع تماما في بعض قرى الساحل الجديد، إذ يحتاج كل زائر إلى تصريح مسبق ورمز دخول إلكتروني، وفي أحيان كثيرة لا يسمح للضيوف باستخدام الشاطئ الخاص، مؤكدا أن رفضه الشراء في الساحل الجديد لا يعود إلى ارتفاع الأسعار بقدر ما يعود إلى طبيعة الحياة المفروضة هناك.

"أذهب إلى الساحل لقضاء وقت هادئ بعيد عن الضغوط، لا أريد أن أعير اهتمام كبيرا لما أرتديه أو يفرض علي التصرف بطريقة معينة لملائمة الجو العام، اكتشفت أثناء عملي وإقامتي الطويلة داخل منتجع مراسي، أنني أريد حياة عفوية تجمعني مع أسرتي وأصدقائي بسهولة، بعيدا عن الالتزام بجدول حفلات أو مطاعم أو إجراءات تنظيمية معقدة لكل خطوة"، حسبما أضاف المالك.

الباحثين عن الهدوء: اتفقت مديرة الموارد البشرية إيناس داوود، مع هذه الرؤية، إذ أكدت أن قرارها شراء وحدة في الساحل القديم يعود في المقام الأول إلى هدوء نمط الحياة، إذ تبحث عن مساحة هادئة بعيدا عن ضغوط العمل، مشيرة إلى إن الساحل الجديد يرتبط بالنسبة لها بالأنشطة الخارجية والحفلات والاهتمام المبالغ فيه بالمظاهر، وهو ما لا يعكس أسلوب حياتها. كما ترى أن انخفاض الإقبال على بعض القرى القديمة منحها ميزة غير متوقعة، إذ استعادت تلك المناطق طبيعتها الهادئة وأصبحت توفر مرونة أكبر في إعادة تصميم الوحدات، على عكس المشروعات الحديثة التي تبدو وحداتها متشابهة من حيث التصميم والتشطيب.

إجازة أم استثمار؟

دوافع الشراء تحدد الوجهة: يرى بعض العاملون في السوق العقارية أن الهدف من الشراء هو العامل الحاسم في تحديد الوجهة بين الساحل القديم والساحل الجديد، إذ تتوزع دوافع المشترين بين شراء وحدة لقضاء الإجازات الصيفية أو بهدف الاستثمار أو للإقامة على مدار العام.

يظل الساحل القديم الخيار المفضل لمن يبحثون عن المصيف التقليدي والأجواء العائلية وقضاء أشهر الصيف بالقرب من البحر، إذ ينظر معظم المشترين إلى الوحدة باعتبارها امتدادا للمنزل أكثر من كونها أصلا استثماريا. كما يستفيد الساحل القديم من قربه الجغرافي من الإسكندرية، ما يجعله مناسبا للعائلات التي ترغب في الذهاب والعودة في اليوم نفسه أو الجمع بين العمل والإقامة الصيفية، وهو ما يفسر محدودية الإقبال عليه من المستثمرين مقارنة بالساحل الجديد، وفقا لما صرح به وسيط عقاري لانتربرايز.

في المقابل، يجمع الساحل الجديد بين الإستثمار والإقامة الدائمة، فبحسب النجار عزز التوسع العمراني في مدينة العلمين الجديدة، إلى جانب إنشاء الجامعات والمناطق التجارية والخدمات والبنوك، القناعة لدى كثير من المشترين بأن المنطقة مرشحة للتحول إلى مدينة تعمل على مدار العام، وليس مجرد وجهة موسمية. نتيجة لذلك، لم يعد قرار الشراء مرتبطا بالاقامة الموسمية فقط، بل أصبح يقوم بدرجة كبيرة على توقع ارتفاع قيمة الأصل العقاري خلال السنوات المقبلة، بما يجعل العقار استثمارا طويل الأجل حتى وإن اقتصر استخدامه الفعلي على بضعة أسابيع سنويا.

من يفرض سيطرته على المشهد العقاري؟

بالأرقام: تظهر المؤشرات السوقية حجم الفجوة والتباين في القوة الشرائية والتوجهات الاستثمارية بين قطاعي الساحل الشمالي، إذ يستحوذ الساحل الجديد على الحصة الأكبر من القيمة المالية الإجمالية للتعاملات بنسبة تصل إلى نحو 70% من إجمالي حركة السوق، في مقابل 30% فقط تذهب لصالح الساحل القديم، وفقا لتقديرات النجار.

السبب؟ يعود هذا التفاوت الكبير إلى الأسعار المرتفعة للغاية التي تتسم بها المشروعات الحديثة، وحجم التدفقات الاستثمارية الضخمة، فضلا عن الحملات التسويقية والإعلانية المكثفة التي تركزت في هذه المناطق ووجهت أنظار السوق بالكامل نحو مشروعات رأس الحكمة وسيدي عبد الرحمن، في وقت باتت فيه الأراضي القابلة للتطوير العقاري داخل القرى القديمة محدودة للغاية، مما جعل النشاط فيها يرتكز على سوق إعادة البيع وليس الطرح الأولي.

لا يتوقع العاملون في السوق العقارية أن يحل أحد الساحلين محل الآخر في المستقبل، إنما يرجحون استمرار وجود سوقين متوازيتين تكملان بعضهما بعضا، سوق منهما يقودها الاستثمار والمشروعات الإنشائية الجديدة، والأخرى تقودها القيمة الفعلية للاستخدام اليومي والمصيف العائلي المستقر، ليصبح قرار الشراء في النهاية انعكاسا لفلسفة المشتري وتصوره، قبل أن تحدده الميزانية العقارية نفسها.

العلامات: