Posted inعلى الساحة

ملخص المونديال: أرقام قياسية وكثير من الجدل

🏆 أسدل الستار على النسخة المثيرة للجدل من كأس العالم، والتي انتهت بتتويج إسبانيا، بينما غالبت الدموع ليونيل ميسي خلال تسلم المنتخب الأرجنتيني الميداليات الفضية. ومع إطلاق صافرة النهاية في ملعب نيويورك نيوجيرسي، كانت البطولة قد حققت ما لم تحققه أي نسخة سابقة من كأس العالم، إذ حطمت أرقاما قياسية وأشعلت تحقيقات أخلاقية وأثارت خلافا دبلوماسيا بين الرئيس الأمريكي الحالي والاتحاد الدولي لكرة القدم، وفي الوقت نفسه منحت المنتخب المصري أقوى ظهور له في تاريخ المونديال.

كان من المتوقع أن تكون نسخة 2026 استثنائية، فمع مشاركة 48 منتخبا وإقامة 104 مباريات واستضافة مشتركة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، كان من البديهي أن تمثل النسخة الأكبر في تاريخ البطولة. لكن ما لم يكن متوقعا هو حجم الجدل خارج المستطيل الأخضر، إذ شهدت تدخلا من ترامب شخصيا لإلغاء بطاقة حمراء لأحد لاعبي منتخب بلاده، ومنع حكم صومالي من دخول الولايات المتحدة رغم امتلاكه تأشيرة سارية، إلى جانب دعاوى قضائية رفعت ضد الفيفا في أربع جهات قضائية مختلفة. قدمت البطولة مستوى من الفوضى الإدارية والسياسية سيعيد تشكيل منظومة المساءلة للاتحاد الدولي لكرة القدم لسنوات مقبلة.

نستعرض في ما يلي أبرز ما شهدته البطولة من محطات فارقة، وما مثلته من أهمية كبرى لمصر.

مونديال الأرقام القياسية

استقطبت البطولة نحو 6.8 مليون مشجع، محطمة الرقم القياسي السابق البالغ 2.6 مليون مشجع، والمسجل في مونديال 1994 عندما استضافت الولايات المتحدة البطولة حينها. وساعدت زيادة عدد المنتخبات المشاركة في إقامة المزيد من المباريات، وجذب جماهير أكبر وتحقيق إيرادات قياسية، وزيادة الظهور الإعلامي لمنتخبات لم تكن قريبة يوما من المشاركة. ورغم الانتقادات الرياضية الكبيرة لهذه النسخة الموسعة، إلا أنها حققت نجاحا تجاريا كبيرا، ما يعزز التوقعات باستمرار هذا التوجه في النسخ المقبلة.

جول ورا جول: بإجمالي 177 هدفا، حطمت هذه النسخة من المونديال الرقم القياسي السابق في مونديال قطر والبالغ 172 هدف لإجمالي الأهداف المسجلة في نسخة واحدة قبل اكتمال الأدوار الإقصائية، لتنهي البطولة باعتبارها الأكثر تهديفا على الإطلاق. كما فتح النظام الموسع الباب أمام مشاركة كوراساو، التي لا يتجاوز عدد سكانها 150 ألف نسمة، لتصبح أصغر دولة من حيث عدد السكان تشارك في نهائيات كأس العالم للرجال، وأصغر دولة تسجل هدفا في تاريخ البطولة.

حقق المنتخب الإسباني رقما قياسيا باستقباله هدفا واحدا فقط طوال البطولة، وهو أقل عدد من الأهداف يستقبله أي منتخب توج بكأس العالم، كما حافظ على نظافة شباكه في سبع مباريات وهو رقم قياسي آخر. وسجل حارس المرمى أوناي سيمون — الفائز بجائزة القفاز الذهبي — رقما قياسيا بالحفاظ على نظافة شباكه لمدة 519 دقيقة متتالية، ممتدة بين مونديالي 2022 و2026، مسجلا أطول سلسلة من الشباك النظيفة في تاريخ كأس العالم. أما ليونيل ميسي، فأصبح أكبر لاعب سنا يسجل هاتريك في مباراة واحدة بكأس العالم، مضيفا رقما قياسيا جديدا إلى مسيرته الحافلة.

أزمات خارج المستطيل الأخضر

بدأت كبرى أزمات البطولة خارج الملعب ببطاقة حمراء، إذ طرد المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون خلال المباراة التي انتهت بفوز بلاده على منتخب البوسنة والهرسك بهدفين نظيفين، وهو ما كان يعني إيقافه مباراة واحدة وغيابه عن مواجهة دور الـ 16 أمام بلجيكا. في غضون أيام، تواصل ترامب مع رئيس الفيفا جياني إنفانتينو ليعدل عن قراره، فكانت النتيجة إلغاء البطاقة الحمراء. ورغم ذلك، خسر المنتخب الأمريكي المباراة وودع البطولة.

أثار هذا التدخل موجة غضب واسعة في الأوساط الكروية العالمية، إذ تحظر اللوائح الأساسية للفيفا أي تدخل سياسي في شؤون اللعبة. وأعقب ذلك انتقادات حادة من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، الذي اعتبر أن الفيفا تجاوز الخطوط الحمراء، كما أدان الاتحاد البلجيكي القرار، فيما انضم مدربون بارزون وسياسيون أوروبيون إلى جبهة الانتقادات، كما طالب 72 عضوا في البرلمان الأوروبي بفتح تحقيق رسمي في دور إنفانتينو في القرار.

جدل أمني: واجه عمر عبد القادر أرتان، أحد أبرز الحكام في أفريقيا — الذي كان يستعد ليصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس العالم للرجال — أزمة غير متوقعة قبل حتى انطلاق المنافسات، إذ منع من دخول الولايات المتحدة رغم وصوله إلى ميامي بتأشيرة أمريكية سارية، بدعوى مخاوف تتعلق بالفحص الأمني.

لم تشهد البطولة جدلا حول تقنية الفار أكبر مما حدث في مباراة مصر والأرجنتين، والتي انتهت بفوز الأرجنتين 3-2، إذ كان المنتخب المصري متقدما عندما ألغى الحكم هدفا سجله مصطفى زيكو في الدقيقة 62، بعد العودة إلى تقنية الفيديو واحتساب خطأ في بداية الهجمة، قبل أن يتدارك زيكو النتيجة بتسجيل هدف ثاني. وتقدم الاتحاد المصري لكرة القدم بشكوى رسمية ضد طاقم التحكيم، في حين استمرت تداعيات حتى النهاية، إذ واجه أداء الأرجنتين انتقادات واسعة واتهامات بالتحيز من جماهير حول العالم.

خروج مشرف وأرباح تاريخية

مكاسب غير مسبوقة: حقق الفراعنة مكافآت مالية تقدر بنحو 18.5 مليون دولار، وهي الجائزة المالية الأكبر في تاريخ الكرة المصرية، كما وضعت البطولة اللاعبين المصريين تحت أنظار الأندية العالمية، ما فتح الباب أمام تلقيهم عروضا قوية من أندية عالمية.

تأثير فلوتي: جذب تقدم مصر التاريخي أمام الأرجنتين لمدة 79 دقيقة اهتماما عالميا غير مسبوق على منصات التواصل، إذ تضامنت الجماهير سريعا مع أحد أبرز الفرق غير المرشحة في البطولة. لطالما ارتبطت البطولات الرياضية الكبرى بالترويج للهوية الوطنية للدول، ولم يكن مونديال 2026 استثناء. يعرف هذا التأثير في الأوساط الأكاديمية والتسويقية باسم تأثير فلوتي، إذ تسهم الإنجازات الرياضية في تحسين سمعة الدول وجذب الاهتمام بها.

انعكست هذه النظرية على نطاق أوسع خلال كأس العالم، إذ أصبحت الدول المشاركة بمختلف الثقافات والتقاليد محط أنظار أمام مليارات من الجماهير التي قد تتعرف إليها للمرة الأولى. ويبقى السؤال بالنسبة لمصر: هل يمكن تحويل هذا الاهتمام العالمي إلى طفرة سياحية ملموسة؟

المغرب نموذجا: بعد الأداء التاريخي لمنتخب المغرب، ارتفعت معدلات البحث عالميا عن الثقافة والمطبخ المغربي وأبرز الوجهات السياحية هناك، وقفزت عبارات مثل أفضل وقت لزيارة المغرب وتأشيرة المغرب والسفر إلى المغرب في واجهة محركات البحث العالمي. كما ارتفعت حركة المسافرين عبر مطار مراكش المنارة بنسبة 12% في ديسمبر، مقارنة بالعامين السابقين، إذ سجلت المملكة 10.9 مليون سائح في ذلك العام، قبل أن يرتفع العدد إلى 14.5 مليون سائح في 2023.

أمام مصر فرصة مواتية، ففي الربع الأول من عام 2026 وحده، قفزت أعداد الوافدين من السياح بنسبة 43.5% لتصل إلى 6.1 مليون سائح مع توقعات بالوصول إلى 20 مليون زائر بنهاية العام، إلى جانب إيرادات السياحة التي بلغت 5.1 مليار دولار. ومع ذلك، يبقى من المبكر الجزم بحجم مساهمة كأس العالم في هذا النمو المتوقع، إذ أن حجم الإنتشار الذي تولده البطولات الرياضية لا يصنع الطلب السياحي من الصفر، إنما يعزز الطلب القائم، شريطة أن تكون الدولة تمتلك بالفعل مقومات جذب ومسارا سياحيا صاعدا، بحسب ما أشارت إليه دراسة حديثة.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لمصر؟ قد يمنح الظهور التاريخي للمنتخب في كأس العالم دفعة إضافية لقطاع السياحة الذي يشهد انتعاشا فعليا، وذلك في حال نجحت الجهات المعنية في استثمار الاهتمام العالمي وتحويله إلى زيارات فعلية.