Posted inبنوك

البنوك تتسابق لجذب الودائع مع تثبيت المركزي لأسعار الفائدة

تتنافس البنوك المصرية على جذب الودائع، وسط انقسام بين المحللين حول ما إذا كانت هذه الخطوة تعكس أزمة سيولة أم تحولا استراتيجيا. وقد احتدت المنافسة بين البنوك المحلية لاستقطاب الودائع، مع رفع العائد على شهادات الادخار إلى أكثر من 20%، رغم قرار البنك المركزي المصري بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الثالثة على التوالي في اجتماع 9 يوليو. ومع تراجع حجم السيولة التي يسحبها البنك المركزي عبر عمليات السوق المفتوحة الأسبوعية، يختلف المصرفيون والاقتصاديون حول ما إذا كان هذا السباق يعكس ضغوط تمويلية حقيقية، أم إعادة تسعير احترازية للودائع في ظل توجه المدخرين إلى بدائل ذات عائد أعلى، أم عملية إعادة توازن متعمدة داخل نظام مصرفي يتمتع بالأساس بوفرة مالية.

أثر جانبي للسياسات النقدية الصارمة: يرجع معظم الخبراء المشهد الحالي إلى تراجع البنك المركزي عن تمويل الحكومة. وفي هذا الصدد، يقول هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس: "القصة بدأت في مارس 2024، عندما شرع البنك المركزي في تطبيق سياسة أكثر تشددا وحزما فيما يتعلق بتمويل الدولة"، مشيرا إلى أن الدولة خفضت حينها اقتراضها من البنك المركزي بنحو 200 إلى 300 مليار جنيه". ومنذ ذلك الحين، "أحجم البنك المركزي عن هذا النوع من التمويل، والذي كنا نصفه أحيانا بأنه تمويل تضخمي"، لتصبح البنوك هي المسؤولة عن سد هذه الفجوة.

وتحتفظ البنوك الآن بجزء أكبر من تدفقاتها بالنقد الأجنبي بدلا من بيعها للبنك المركزي للحصول على سيولة بالعملة المحلية. ويوضح جنينة: "لم نعد نرى الفوائض المالية التي كنا نراها سابقا"، مشيرا إلى تداول متوسط سعر الفائدة لليلة الواحدة بين البنوك "قرب الحد الأقصى [لنطاق الكوريدور]"، وهو ما يوضح أن البنوك بدأت تنافس بقوة للحصول على السيولة المتاحة في سوق الإنتربنك.

المنافسة على السيولة

يصف هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي والشريك الإداري لشركة الراية للاستشارات، هذا التحول بأنه "انكماش تدريجي في السيولة المتاحة". ويرى أن المتغير الأكبر يكمن في الطرف الذي تتنافس البنوك معه، وليس في حجم السيولة ذاته؛ إذ يستدل على ذلك بسحب البنك المركزي نحو 30 مليار جنيه فقط في عمليات السوق المفتوحة يوم 7 يوليو، "مقارنة بأرقام أعلى بكثير في فبراير ومايو الماضيين"، وهو ما دفع بنوكا مثل بنك مصر إلى رفع العائد على الشهادات إلى 20.5%. ويشير أبو الفتوح إلى أن سندات المواطن، التي تمنح عائدا سنويا صافيا بنسبة 17.75%، نجحت في جذب أكثر من 7.7 مليار جنيه منذ طرحها في أواخر فبراير، بينما قفزت أصول صناديق الاستثمار من 316 مليار جنيه إلى 411 مليار جنيه بين نهاية 2025 ومارس 2026، وهي تدفقات تستقطع شريحة من السيولة التي كانت تتجه عادة نحو الودائع المصرفية".

ويرى الخبير الاقتصادي علي متولي أن "العميل أصبح اليوم أكثر انتقائية وتدقيقا في مستويات العائد المتاحة". مضيفا أن البنوك لم تعد تتنافس فيما بينها فقط، بل مع أدوات مالية أخرى تطرحها البنوك والمؤسسات غير مصرفية والحكومة، مثل سندات المواطن. ورغم ذلك، يستبعد متولي وصف الوضع الراهن بالأزمة، مفضلا وصفه بأنه تحول من "بيئة سيولة تتسم بالوفرة إلى بيئة تتسم بالانتقائية، فالبنوك لا تزال تمتلك فوائض قوية، لكن بعضها بات أكثر حرصا على الاحتفاظ بالودائع".

إعادة توازن هيكلي وليس أزمة

لا يتفق الجميع مع فرضية وجود أزمة سيولة؛ إذ يقول عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال: "إن وصف ما يشهده القطاع المصرفي بأنه أزمة سيولة، أو حتى أزمات صامتة، لا يعكس الوضع بدقة. فنحن نمر بمرحلة من إعادة التوازن الهيكلي للسيولة".

ويؤكد عبد العال أن البنوك تعمل بكفاءة عالية، مشيرا إلى أن السيولة المحلية (إم 2) "تجاوزت 15.3 تريليون جنيه في مايو"، بزيادة سنوية بلغت 19.5% مقارنة بـ 12.8 تريليون جنيه في الفترة نفسها من العام الماضي. كما يستشهد بمؤشرات السلامة المالية كدليل على عدم وجود نقص حقيقي، موضحا أن نسبة القروض إلى الودائع لا تزال "ضمن مستويات مريحة"، مما يعني أن البنوك قادرة على تمويل الائتمان دون ضغوط، كما يمتلك القطاع مصدات أمان كافية، مع تجاوز نسب تغطية السيولة وصافي التمويل المستقر "للحدود المقررة". وعلى حد تعبيره: "لو كانت هناك أزمة سيولة حقيقية، لشهدنا اختلالا في هذه النسب الحيوية، لكن الواقع يؤكد أن الجهاز المصرفي يعمل بكفاءة عالية".

ويرى عبد العال أن اتجاه البنوك الحكومية لرفع العائد لا يعد تسعيرا احترازيا، بل هو في الواقع تنفيذا غير مباشر لسياسة البنك المركزي عبر البنوك؛ فبدلا من اللجوء إلى الرفع الحاد في أسعار الفائدة الرئيسية، قد يعتمد البنك المركزي على البنوك لاستيعاب السيولة الفائضة وكبح الضغوط التضخمية. ومن وجهة نظره، فإن هذا التحرك يستهدف إدارة السيولة الناتجة عن استحقاق الشهادات، وحمايتها من "التسرب النقدي" نحو الاستهلاك أو الذهب أو الدولار. أما انخفاض وتيرة عمليات السوق المفتوحة، فهو مجرد "عودة للمستويات الطبيعية تعكس تكيف السوق مع مستويات الفائدة الحالية".

زيادة تستهدف المدخرين

يرى وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي بالجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، أن لجوء البنك المركزي لتمرير سياسته عبر البنوك يستهدف تثبيت العوائد الممنوحة للاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين قصيرة الأجل. ورغم أنه يتفق مع عبد العال في أن البنك المركزي والبنوك يرفعان الفائدة دون قرار رسمي، لكنه يرى في ذلك خطوة متعمدة لتجنب منح عوائد أعلى لحائزي الدين المحلي من الأجانب. ويشير إلى أن أكبر بنكين حكوميين رفعا الفائدة على الودائع بنحو 0.5 نقطة مئوية كـ "زيادة استباقية" لاستيعاب السيولة الناتجة عن زيادات أجور القطاع العام واستحقاقات الودائع.

الطلب لا المعروض: يوضح جاب الله أن "البنوك تمتلك اليوم سيولة كافية، ولا تحتاج إلى خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي". وفي رأيه، فإن العقبة الحقيقية لا تكمن في نقص الأموال، "بل في غياب المستثمرين الراغبين في الاقتراض"، وهو عزوف يربطه بانكماش مؤشر مديري المشتريات الذي سجل 46 نقطة في يونيو.

سباق مع الوقت

وبغض النظر عن حجم السيولة المتاحة، فإن توقيت احتدام المنافسة على الودائع له دلالاته الخاصة. يقول متولي عن ذلك: "قبل الاجتماع الأخير، كان هناك شبه إجماع على تثبيت الفائدة. أما اليوم فتتأرجح النقاشات بين الخفض والتثبيت، مما يعني أننا قد نكون أقرب إلى استئناف دورة التيسير النقدي"، ويربط متولي هذا التوجه بتغير التوقعات بشأن الخطوة المرتقبة للبنك المركزي. مؤكدا أنه: "من المنطقي أن تبدأ البنوك في الاستجابة لهذه التطورات" عبر تثبيت تكلفة التمويلات مسبقا قبل أي خفض مرتقب، بدلا من المخاطرة بانتقال الودائع إلى أدوات مالية منافسة.

إلا أن متولي يرهن هذه الاستراتيجية بهدوء الأسواق؛ فعودة التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران "قد ترجئ مؤقتا آمال خفض الفائدة"، وإن كان يرى أن تحقق الخفض من عدمه لا يزال غير محسوم بعد.

كما يشير متولي إلى مخاطر اتساع هامش الفائدة مستقبلا؛ موضحا أن التزام البنوك بتكلفة الشهادات مرتفعة العائدة بالتزامن مع خفض الفائدة، "سيقلص صافي هامش الفائدة، خاصة إذا انخفضت عوائد أذون الخزانة والقروض بسرعة أكبر من تكلفة الودائع". ويتوقع أن تستجيب البنوك عبر تبني سياسة "أكثر انتقائية في منح الائتمان"، وهو ما سيجعل الشركات الصغيرة والمتوسطة تواجه ضغوطا تمويلية أكبر مقارنة بالشركات الكبرى، نظرا لأن "تكلفة التمويل قد لا تنخفض بنفس وتيرة خفض الفائدة الرسمية من البنك المركزي".

صمام الاحتياطي الإلزامي

يقول جنينة إنه "إذا بدأت الضغوط تدفع أسعار الفائدة لتجاوز مستوى 20% [...] فمن المؤكد أن البنك المركزي سيتدخل"، والمرجح أن يكون ذلك عبر "خفض الحد الأدنى لنسبة الاحتياطي الإلزامي". ومع اقتراب سعر الفائدة بين البنوك من سقف الكوريدور، يتوقع جنينة حدوث هذه الخطوة في نهاية المطاف.

أما متولي فيقول إنه "إذا حدث خفض لنسبة الاحتياطي الإلزامي، فأرى أنه سيكون محدودا للغاية، في حدود 1% إلى 2% فقط"، متوقعا أن تكون أي خطوة محدودة في ظل استمرار التضخم الأساسي عند مستويات مرتفعة، وهو ما يعتبره "أكثر أهمية من التضخم العام". وبالتالي سيستهدف الخفض دعم سيولة البنوك، ولن يكون مؤشرا على بدء دورة تيسير نقدي. وبما أن النسبة قد خُفضت بالفعل من 18% إلى 16% عقب قرارات فبراير، فإن أي خفض جديد سيجعلها تستقر عند مستوى 14-15%.

ويؤكد متولي أن التعامل مع السيولة والتضخم يتم عبر أدوات منفصلة؛ إذ يرجح أن يعتمد البنك المركزي على عمليات السوق المفتوحة أو نسبة الاحتياطي الإلزامي بدلا من خفض الفائدة إذا ازدادت حدة شح السيولة.

النظرة المستقبلية على المدى القريب

يتوقع متولي "استمرار المنافسة على الودائع خلال الربع الثالث، وربما تمتد إلى أواخر الربع الرابع، لكنها قد تهدأ إذا اتضح مسار خفض الفائدة واستقرت توقعات التضخم". وإذا استمرت حالة عدم اليقين وواصلت صناديق الاستثمار جذب مدخرات الثروات العائلية، يتوقع متولي أن تواصل البنوك طرح منتجات عالية العائد، ولكن بآجال أقصر ومرونة أكبر بدلا من أدوات الادخار طويلة الأجل التي اعتمدت عليها السوق في الماضي.

الخلاصة: سواء جرى تفسير هذا المشهد كضغوط تمويلية فعلية، أو تسعير احتزازي في ظل سيولة وفيرة، أو إعادة توازن متعمدة داخل نظام مالي غني بالموارد، تتفق المصادر على أن القطاع المصرفي المصري يدخل مرحلة لم تعد فيها السيولة منخفضة التكلفة أو الفائضة أمرا مسلما به. ويتوقف المسار المستقبلي على أسعار الفائدة بين البنوك، وعمليات السوق المفتوحة، فضلا عن نمو الودائع مقارنة بنمو الائتمان، والطلب على الائتمان من القطاع الخاص، وما إذا كان البنك المركزي سيتجه لتغيير نسبة الاحتياطي الإلزامي، وهو قرار ترجح مصادر عدة أنه مرهون بمسار التضخم أكثر من كونه انعكاسا لمستويات السيولة.