🛎️ لم يكن لدى رائدة الأعمال المصرية نادين الأشقر دليلا يرشدها في بداية حياتها العملية، إذ لم تمتلك شبكة علاقات عائلية تدعمها في وادي السيليكون، ولا زميل سبقها إلى التجربة ليمهد لها الطريق، أو حتى خارطة واضحة لما ينتظرها. جل ما كانت تملكه هو مشكلة تدرك أبعادها جيدا، تمثلت في اضطرار والدها — الذي يعمل في قطاع الضيافة بالولايات المتحدة — إلى التنقل بسيارته بين مستودعات المطاعم ومتاجر سامز كلوب، بحثا عن أقل الأسعار لشراء مستلزمات العمل. ولأنها أدركت عدم وجود حلول لهذه المشكلة، قررت أن تتولى المهمة بنفسها.
خلال دراستها ماجستير إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد، أسست الأشقر منصة ليلو القائمة على الذكاء الاصطناعي لإدارة المشتريات والمدفوعات في قطاع الضيافة، في وقت كانت تتحمل فيه ديونا طلابية بلغت 60 ألف دولار، في وقت لم تكن تملك فيه سوى 3000 دولار مدخرات. سرعان ما حققت الشركة معدل نمو شهري يقارب 10%، قبل أن تستحوذ عليها شركة إن فلو الأمريكية، المزودة لبرمجيات المكاتب الخلفية للفنادق، في مايو 2026. بموجب الصفقة، جرى دمج عمليات المشتريات مع القدرات الحالية لشركة إن فلو، مع استمرار الأشقر في المؤسسة كرئيسة لقطاع الابتكار.
التقت إنتربرايز نادين الأشقر (لينكد إن) للحديث عن رحلة تأسيس ليلو، وما دار خلف كواليس جمع التمويل والاستحواذ، وأبرز الدروس التي ترى أن على رواد الأعمال المصريين — داخل مصر وخارجها — معرفتها. وفيما يلي مقتطفات محررة من الحوار:
إنتربرايز: لنعد إلى البداية: الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ثم ماكينزي. ما الطموح الذي كان يحركك آنذاك؟
نادين الأشقر: درست في القاهرة طوال مراحل التعليم المدرسي، ثم التحقت بالجامعة الأمريكية. وخلال الدراسة، نصحني أحد أساتذتي بالعمل في مجال الاستشارات، رغم أنني لم أكن أعرف وقتها طبيعة هذا المجال. عملت في إحدى شركات الاستشارات المحلية خلال الإجازة الصيفية، وفي العام نفسه، جاءت شركة ماكينزي إلى الجامعة لتوظيف الخريجين، فتقدمت للوظيفة وانضممت إلى مكتبها في دبي، وكنت الشخص الوحيد الذي عُين مباشرة بعد التخرج في ذلك العام.
أحببت العمل الاستشاري في دبي، لأنه أتاح لي المشاركة في مشروعات ضخمة والعمل على حل مشكلات معقدة ومثيرة للاهتمام. بعد ذلك، انتقلت إلى مكتب ماكينزي في نيويورك لمدة عام. لكنني أدركت في النهاية أنني أريد تأسيس شركتي الخاصة، إذ لطالما عرفت أنني سأصبح رائدة أعمال. تقدمت إلى جامعتي هارفارد وستانفورد، وانتهى بي المطاف في ستانفورد لدراسة ماجستير إدارة الأعمال، وأنا أحمل هدفا واضحا: تأسيس شركة. حتى عندما ضربت جائحة كوفيد-19 العالم في منتصف دراستي، واصلت طريقي.
إنتربرايز: ما الذي تعلمته في ماكينزي ولم تتعلميه في أي مكان آخر؟
الأشقر: تعلمت أن أشكك في قناعاتي، وأن أتحدى الطريقة التي أنظر بها إلى الأمور. أتذكر عندما انضممت إلى الشركة لأول مرة، كان معظم من حولي من خريجي هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وغيرهما من الجامعات المرموقة، وقلت لنفسي: "يا إلهي، أنا خريجة الجامعة الأمريكية بالقاهرة"، وظننت أنهم سيفصلونني خلال ستة أشهر، لكنني كنت من أصحاب الأداء المتميز.
ثم انتقلت إلى نيويورك، وراودني شعور الشك نفسه، لكنني اكتشفت أن التجربة لم تختلف كثيرا عن دبي. بل إن فريق دبي كان في رأيي أكثر شغفا وابتكارا، لأننا نشأنا على التفكير خارج الصندوق. ثم تعلمت درسا هاما: في كل مرة أقنع نفسي بأن الخطوة التالية أكبر من إمكانياتي، أكتشف أنها لم تكن كذلك.
إنتربرايز: حدثينا عن ليلو. برمجيات المشتريات للفنادق مجال شديد التخصص، ما الذي جعلك ترين أنها المشكلة المناسبة لحلها؟
الأشقر: انتقل والداي إلى الولايات المتحدة بعد فوزهما بقرعة البطاقة الخضراء، واضطر والدي إلى التنقل بسيارته بين متاجر مختلفة مثل ريستورانت ديبو وسامز كلوب لشراء المنتجات الأرخص لعمله في قطاع الضيافة. لم يكن من المنطقي أن يهدر كل هذا الوقت في مقارنة الأسعار، لذلك أعددت له في البداية جدول إكسل يساعده على إدارة الموردين والمنتجات، وكانت تلك هي النواة الأولى لليلو.
بعدها بدأت أبحث عن أشخاص يواجهون المشكلة نفسها، واكتشفت أن البرمجيات المتاحة لقطاع الضيافة لم تكن تلبي احتياجاتهم بالشكل الكافي، فقررت تطوير المنصة بصورة احترافية. تقدم ليلو نظاما لإدارة دورة المشتريات والمدفوعات يساعد الفنادق والمطاعم على إدارة الموردين والطلبات والموافقات والمدفوعات من خلال منصة واحدة، قبل أن نضيف لاحقا إدارة المخزون ومزايا أخرى تباعا.
إنتربرايز: كيف بدت الأيام الأولى، من بناء الفريق والحصول على أول عميل؟
الأشقر: في البداية، كنت أنا البرمجية بالمعنى الحرفي للكلمة. كان جدول إكسل هو المنتج، وكل مهمة كان من المفترض أن ينفذها البرنامج كنت أقوم بها بنفسي في الخلفية، خلال عطلات نهاية الأسبوع وفي ساعات الليل. بعد ذلك استعنت بأول مهندس برمجيات، ثم انضم إلي شريكي المؤسس خافيير أرايا، وهو صديق من ستانفورد كان قد باع شركته الناشئة قبل ذلك.
كنت مؤمنة ببناء فريق دولي منذ البداية، ليس بهدف خفض التكاليف وإنما لأنني كنت أؤمن بأن أفضل الأشخاص قد يوجدون في أي مكان. لذلك ضم فريقنا موظفين من تشيلي وتركيا والجبل الأسود وكولومبيا والبرازيل، بينما تمركز فريقا المبيعات والمنتج في الولايات المتحدة. بالنسبة لي، كان المعيار دائما هو استقطاب الشخص الأفضل للمهمة أينما كان.
تجربة إيجاد أول عميل لنا كانت جنونية، إذ كنت أعمل من الثامنة صباحا حتى الثامنة مساء، ثم أقضي بقية اليوم أراسل العملاء المحتملين عبر لينكد إن أو أتنقل بدراجتي الكهربائية في نيويورك لطرق أبواب الفنادق وعرض المنصة عليهم. في النهاية، أبدى أحد الفنادق اهتمامه فسافرت إلى بيتسبرج، وهناك حصلنا على أول عميل خارجي لنا.
إنتربرايز: كيف مولت المشروع؟
الأشقر: بدأت جمع التمويل من شبكة خريجي ستانفورد، في البداية، لم أكن أفهم طبيعة الاستثمار الملائكي، وكنت أعتقد أن علي رد الأموال للمستثمرين إذا لم تنجح الشركة. أتذكر أنني كنت أتفاوض مع أحد المستثمرين، فاتصلت بأحد أصدقائي طلبا للنصيحة، فقال لي: "أخبريه أن ويفر استثمر بالفعل 100 ألف دولار على تقييم للشركة يبلغ 10 ملايين دولار". أجبته: لكنني سأكون أكذب، فقال:" لن تكوني كذلك، لأنني أخبرك الآن أنني سأستثمر". هكذا جمعنا جولة تمويل ملائكي، وتوالت الجولات بعدها.
أهم ما تعلمته من تجربة جمع التمويل أنها تعتمد بشكل كبير على العامل النفسي، إذ يجب أن تؤمن أنت أولا بما تبنيه، حتى يقتنع الآخرون بالمخاطرة والاستثمار فيه.
إنتربرايز: بنيت شركتك في الولايات المتحدة، لكنك مصرية. هل كان لذلك تأثير عليك؟
الأشقر: بالتأكيد، وكان التأثير في الاتجاهين. من ناحية، عدم امتلاك شبكة علاقات في الولايات المتحدة يمثل تحديا حقيقيا، إذ لا يوجد مجتمع قوي لرواد الأعمال المصريين في وادي السيليكون، وهو أمر أرغب صدقا في تغييره. ومن ناحية أخرى، مثل ذلك دافعا كبيرا، إذ كانت نشأتي في مصر واحدة من أكبر نقاط قوتي، تعلمك الحياة هنا الارتجال والابتكار والبحث عن حلول للمشكلات التي لا تملك إجابات جاهزة، وتظهر هذه الغريزة بوضوح عندما تبني مشروعا. غالبا ما يبني الأشخاص الذين نشأوا في بيئات ذات بنية تحتية أكثر استقرارا شركاتهم وفقا للقواعد المتاحة والمألوفة، بينما اعتدنا نحن أن نسأل: ماذا لو جربنا طريقة بديلة؟
إنتربرايز: هناك لحظة في مسيرة كل مؤسس يتحول فيها السؤال من كيف يمكنني تنمية هذا المشروع، إلى هل يجب أن أبيع — متى حدث ذلك معك؟
الأشقر: كنا ننمو بنسبة تقارب 10% على أساس شهري. وكانت خطتنا تقتضي الاستمرار في التوسع، وكنا نجهز المستندات لبدء جولة تمويلية جديدة. وكان لدينا شريك تجاري مقرب تواصلنا معه وقلنا إننا على وشك بدء جولة تمويلية، هل ترغبون في الدخول كشريك استراتيجي بحصة صغيرة.
أرسلوا لنا خطابا يبدون فيه رغبتهم في الاستحواذ الكامل على الشركة، وكانت صدمة بالنسبة لنا. تواصلنا معهم وأكدوا لنا رغبتهم في شراء الشركة بالكامل. جلسنا أنا وشريكي المؤسس نفكر في الأمر، وأدركنا أننا في النهاية، نسعى إلى بناء ما تمتلكه إن فلو بالفعل. لذلك، وجدنا أن الصفقة منطقية، على الصعيد الشخصي والمهني والاستراتيجي.
إنتربرايز: كيف تعرفين أنك وجدت المشتري المناسب؟
الأشقر: ناقشت هذا الأمر كثيرا مع شريكي المؤسس، إذ كنا نطرح أسماء شركات محددة ويسأل بعضنا بعضا: ما المبلغ الذي يجب أن يعرضوه لنوافق على البيع؟ بالنسبة لبعض الشركات كنا نقول: 10 أضعاف القيمة الحالية، ولشركات أخرى: لن نبيعهم أبدا، فبعد البيع، تبدأ مرحلة العمل وبناء المستقبل كشركاء، لذلك تظل هوية الطرف الآخر وقيمه وطريقة عمله عوامل لا تقل أهمية عن قيمة الصفقة نفسها.
إنتربرايز: ما الذي يخطئ رواد الأعمال في فهمه بشأن صفقات التخارج؟
الأشقر: يعتقد كثيرون أن التخارج لحظة احتفالية بروتوكولية، وأن الشركة تعرض للبيع، ثم يأتي المشترون لطرق الباب وتبدأ المفاوضات. لكن الواقع مختلف تماما، إذ غالبا ما تبدأ الصفقات من تفاصيل صغيرة، مثل محادثة عابرة أو سؤال غير متوقع أو اهتمام يبديه شخص لم تكن تتوقعه. لذا، أفضل نصيحة أقدمها لأي رائد أعمال هي أن يبني مزيدا من الصداقات، وأن يكون منفتحا على الفرص وألا يرفض أي اهتمام لمجرد أنه لا يفكر في البيع في الوقت الحالي.
إنتربرايز: تشغلين حاليا منصب رئيسة قطاع الابتكار في إن فلو. كيف يبدو عملك اليوم؟
الأشقر: أركز حاليا على أكثر الجوانب التي كنت أستمتع بها دائما، وهي التفكير فيما يمكن بناؤه لاحقا، ما المنتجات الجديدة التي يمكن إطلاقها وكيف نطور ما نملكه بالفعل. يشبه الأمر عمل الباحث الذي يحاول ابتكار شيء جديد. يتقاطع عملي مع فرق المنتجات والمبيعات والتسويق، إذ أعمل مع مختلف قطاعات الشركة، ويمكنني القول إن الشركة تدفع لي أجرا مقابل التعلم، إذ أقضي وقتا كبيرا في متابعة الاتجاهات السائدة والتفكير في كيفية تحويلها إلى فرص تجارية.
إنتربرايز: ما الجزء الأصعب في التحول من دور المؤسس وصاحب القرار إلى موظف؟
الأشقر: تنتقل من وضعية أنا من يتخذ القرارات وتصبح جزءا من نظام أكبر، إذ يتعين عليك التوقف والتساؤل: هل هذه هي الطريقة المتبعة في العمل هنا. بينما عندما تكون المؤسس، أنت من يضع طريقة العمل والثقافة السائدة تعكس شخصيتك ولا تضطر للتفكير فيها، لذا يتطلب هذا التغيير هذا قدرا كبيرا من التكيف.
إنتربرايز: ما هي أفضل نصيحة تلقيتها على الإطلاق؟
الأشقر: كان شريكي المؤسس يردد دائما "تحل بالجرأة والشجاعة المطلقة"، لا تكن أنت العائق الذي يقف في طريق نفسك، فالعالم يضع أمامك ما يكفي من العقبات، فلا تضف أنت إليها عقبة جديدة. اطلب ما تريد واذهب لتجربة الأمور ولا ترفض نفسك وتستسلم قبل أن تبدأ.
من الأفكار التي أثرت في أيضا مفهوم التأثير التراكمي الذي قد يبدو نظريا في البداية حتى تلمس نتائجه بنفسك، إذ ينطبق على العادات أو العلاقات أو الفريق الذي تبنيه، إذ يؤثر أول موظف تعينه تراكميا على من بعده، والمحادثة الأولى تتراكم نتائجها لاحقا. افعل الأشياء الصغيرة باتساق واستمرارية، لأن الأمور تتراكم وتتضاعف نتائجها سواء كنت تنتبه لها أم لا.