Posted inفي دور العرض

القصص: رحلة الإنسان العادي في أزمنة استثنائية

🎥 مقاربات الأمل والهزيمة في "القصص": في فيلمه الجديد القصص، يبتعد المخرج والمؤلف أبو بكر شوقي عن الشخصيات الاستثنائية والأحداث التاريخية الكبرى بوصفها محور الحكاية، ليلتفت إلى الإنسان العادي، في ظل يعيش التحولات السياسية والاجتماعية من موقع المتأثر بها لا صانعها. من خلال حكاية تمتد عبر عقود، ينجح الفيلم في إدخال العام في الشخصي بهدوء وثقة، مقدما صورة لحقب كاملة من تاريخ مصر عبر تفاصيل الحياة اليومية وأحلام الناس وعلاقاتهم، دون الوقوع في فخ الخطابة أو الشرح المباشر.

الحبكة: أحمد (أمير المصري) هو عازف بيانو شاب يحلم بمستقبل مختلف يتجاوز حدود واقعه، يعيش مع والده راغب (أحمد كمال) ووالدته فيروز (نيللي كريم) وشقيقه التوأم حسن (أحمد الأزعر) وشقيقهما الثالث شرف (خالد مختار). تربط أحمد مراسلات طويلة بإليزابيث (فاليري باخنر)، الشابة النمساوية التي تصبح جزءا مهما من رحلته. على مدار سنوات من التحولات السياسية والاجتماعية، تتقاطع حياة أحمد مع شخصيات ترافقه عبر مراحل مختلفة من حياته، لتتشكل من خلالها حكاية عن الحب والطموح والعائلة والزمن.

ما أعجبنا: نتعكس قوة الفيلم في كتابته الهادئة والواثقة، التي تسمح للأحداث الكبرى بالتسلل إلى السرد دون أن تفرض نفسها عليه. في هذا الفيلم، لا تظهر الحروب والتحولات الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها محطات تاريخية ينبغي شرحها، بل كأحداث تنعكس آثارها على خيارات الشخصيات ومسارات حياتها وعلاقاتها، بما يؤرخ للتاريخ الوطني عبر مرآة الأشخاص وعيونهم.

نجح الفيلم كذلك في بناء شخصيات حقيقية ومألوفة أكثر من كونها أدوات درامية، فلا يقدم أبطالا استثنائيين أو نماذج رمزية، بل أناسا عاديين يحملون أحلاما صغيرة ومخاوف يومية وتناقضات إنسانية واضحة، ولهذا تبدو اختياراتهم وتحولاتهم مقنعة ومؤثرة، لأنها تنبع من تفاصيل الحياة نفسها لا من حبكات مصطنعة أو لحظات درامية مبالغ فيها. وبينما تعلقت أسرة راغب بنادي الزمالك تعلقا كبيرا، وظف صناع العمل حب النادي كمقاربة تعكس الهزيمة الوطنية والشخصية، قبل أن تتحول أخيرا إلى نصر طال انتظاره.

كما قدم أمير المصري أحد أكثر أدواره نضجا حتى الآن، إذ يمنح أحمد حضورا إنسانيا يجعل من السهل متابعة رحلته عبر السنين. كما تضيف باخنر بعدا عاطفيا رقيقا إلى الحكاية، فيما يقدم أحمد كمال ونيللي كريم تجسيدا متماسكا لشخصية الأب والأم المصرية الأصيلة، خاصة كريم التي قدمت لنا تذكرة جميلة بدورها الأبرز والأهم ذات.

رأينا النهائي: تكمن فرادة القصص في أنه لا يستخدم شخصياته لشرح التاريخ، بل يستخدم التاريخ لفهم شخصياته. من خلال هذا الاختيار، يقدم شوقي فيلما إنسانيا بالدرجة الأولى — يكمل به مسيرته الإنسانية الناجحة بعد فيلم يوم الدين — عن الأحلام والخيبات والعلاقات التي تتشكل وتتغير بمرور الزمن. إنها حكاية عن أناس عاديين عاشوا أزمنة استثنائية، وعن الطريقة التي يترك بها التاريخ أثره في حياة البشر حتى عندما لا يكونوا في قلب الحدث.

أين تشاهدونه: في سينما فوكس سيتي سنتر ألماظة ومول مصر والإسكندرية، وسينماسين في كايرو فيستيفال وديستريكت فايف، وسيماأركان، وسينما زاوية. (شاهد التريلر، 2:00 دقيقة)