Posted inتجارة

الصين تمدد اتفاقية مبادلة العملات مع مصر لثلاث سنوات إضافية

مددت الصيناتفاقية مبادلة العملات المحلية مع مصر لثلاث سنوات أخرى قابلة للتجديد عند انتهائها، مع رفع الحد الأقصى للاتفاقية بنسبة 67% ليصل إلى 30 مليار يوان (نحو 4.43 مليار دولار) صعودا من 18 مليار يوان في السابق. وتطرح هذه الزيادة سؤالا أكثر إلحاحا من مجرد تجديد الاتفاقية ذاتها: هل هذه الخطوة لا تتعدى كونها محض آلية لتيسير حركة التجارة مع شريك تجاري تسجل مصر معه عجزا تجاريا ضخما ومتزايدا، أم أن مصر بدأت تنخرط في مساعي بكين التي تستهدف تدويل اليوان الصيني وتخفيف قبضة الدولار على الأسواق الناشئة؟

يتزامن هذا التوسع في الاتفاقية مع تعميق العلاقات التجارية بين البلدين. إذ إن عدد الشركات الصينية العاملة في مصر بلغ نحو2,800 شركة بحلول نوفمبر 2025، باستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار. كما نمت الصادرات المصرية إلى الصين بنسبة 41.9% في عام 2025، لتصل إلى نحو 819 مليون دولار، صعودا من 577 مليون دولار، مدفوعة بالسلع غير النفطية، وفق ما قاله رئيس المكتب التجاري المصري في بكين خالد ميلاد الشهر الماضي. وفي المقابل، ارتفعت الواردات من الصين بنسبة 18.8%، لتصل إلى 19.97 مليار دولار مقارنة بـ 16.8 مليار دولار، مما أدى إلى اتساع الفائض في الميزان التجاري بين البلدين لصالح الصين بنسبة 18%، ليصل إلى 19.151 مليار دولار.

قال أحمد شوقي، الخبير المصرفي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، إن حجم هذه الزيادة يشير إلى تحول هيكلي وليس مجرد تجديد روتيني، وذلك في تعليقه لإنتربرايز. وأوضح شوقي أن "رفع الحد الأقصى بهذا الحجم يعكس التطور الملحوظ في العلاقات الاقتصادية والمالية بين مصر والصين خلال السنوات الأخيرة". وأضاف أنه منذ توقيع الاتفاقية الأصلية في عام 2016، توسعت حركة التجارة والاستثمار، وانضمت مصر إلى تكتل بريكس، وتزايد السعي نحو إيجاد بدائل لمنظومة الدولار المتقلبة، ومن ثم يرغب الجانبان في تفعيل هذه الآلية بشكل أكبر.

بالأرقام: بلغت قيمة المبالغ المسحوبة وغير المسددة بموجب خطوط مبادلة العملات التابعة لبنك الشعب الصيني نحو 111.6 مليار يوان (16.4 مليار دولار) بنهاية مارس 2026، وهو أعلى مستوى لها منذ مارس 2024، وفق ما ذكرته بلومبرج الشهر الماضي. وسجلت القفزة الفصلية البالغة نحو 17.4 مليار يوان الزيادة الأكبر منذ عام 2023. وبنهاية عام 2025، كانت الصين قد وقعت اتفاقيات مبادلة مع 32 دولة ومنطقة، بإجمالي تسهيلات معتمدة بلغت 4.52 تريليون يوان (نحو 667 مليار دولار)، مما يعكس المدى الذي وصلت إليه مساعي تدويل اليوان.

يرى شوقي أن هذا التوسع يلبي حاجة تجارية حقيقية، ويدعم كذلك الاستراتيجية النقدية لبكين. وقال: "من ناحية، هناك احتياجات فعلية تنبع من توسع التجارة والاستثمارات الصينية في مصر. ومن ناحية أخرى، تأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية صينية طويلة الأجل تهدف إلى تعزيز دور اليوان وتقليص الاعتماد على الدولار". وأضاف أن مصر تمثل أهمية كبرى للصين في منطقتي أفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما يمنح الاتفاقية زخما كبيرا لكلا الطرفين.

من جانبه وصف محمد أبو باشا، كبير الاقتصاديين بمجموعة "إي إف جي هيرميس"، هذه الآلية بـ "حائط الصد" للموازنة العامة، إذ تمنح مصر مصدرا للنقد الأجنبي بعيدا عن أدوات الدين، وذلك خلال حديثه لإنتربرايز. وأوضح أبو باشا: "بدلا من الاعتماد الكلي على إصدارات السندات أو الاقتراض الخارجي، توفر هذه الآلية مصدرا بديلا للسيولة النقد الأجنبي، مما يساعد في تنويع أدوات التمويل المتاحة للدولة". وأشار إلى أن توسع الأنشطة التشغيلية للصين خلق أيضا طلبا محليا على الجنيه؛ إذ بدأت مصر في إصدار سندات مقومة باليوان مدعومة بضمانات صينية، وعلى الجانب الآخر تحتاج الشركات الصينية العاملة في مصر إلى العملة المصرية لتغطية الأجور والمدخلات والالتزامات الأخرى.

لكنها ليست آلية بديلة للدولار: يرى شوقي أن العملة الخضراء تحتفظ بهيمنتها، ولذا يمثل خط المبادلة أداة تكميلية. وكما هو الحال في معظم خطوط المبادلة، تمثل هذه الآلية في الأساس أداة تحوطية لتوفير السيولة الاحتياطية، ولا يرتفع معدل استخدامها إلا عندما يصبح تمويل التجارة باليوان ممارسة معتادة بين الشركات. وأشار شوقي إلى ضرورة "عدم تضخيم تأثير هذه الخطوة". ومن جانبه، قال المحلل المصرفي محمد عبد المنعم لإنتربرايز إن هذه الآلية من شأنها تخفيف الطلب التجاري على الدولار، عبر تمويل التسويات المباشرة باليوان، ودعم استقرار سعر الصرف، والحفاظ على الاحتياطيات النقدية.

من هم أكبر المستفيدين؟ تعد الصناعات الكثيفة التي تستورد الآلات والمدخلات من الصين هي المستفيد الأكبر، وترافقها أيضا مشروعات البنية التحتية الضخمة ومقاولات الطاقة والطاقة المتجددة التي ينفذها مقاولون صيينون، حسبما أوضحه شوقي لإنتربرايز. كذلك ستتعاظم الاستفادة التشغيلية للشركات العاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والشركات المصرية التي تتعامل مباشرة مع الموردين الصينيين. وأضاف عبد المنعم أن الشركات التي تعتمد على السلع الوسيطة الصينية ستحصل على ميزة تنافسية في التسعير. فيما يرى الأمين العام لغرفة التجارة المصرية الصينية ضياء حلمي وجود فرصة لتوسيع هذه الآلية لتشمل مع مرور الوقت قطاع السياحة، فقد اقترح سابقا السماح للسائحين الصينيين بالدفع باليوان أو الجنيه.

لا يزال العجز التجاري العقبة الرئيسية: تكمن المعضلة الهيكلية في الفجوة التجارية غير المتكافئة لصالح بكين. ونظرا إلى أن واردات مصر تفوق صادراتها بكثير، فإن استخدام هذه الآلية في الأجل القريب سيتركز في الأساس على تمويل الواردات الصينية. ويؤكد شوقي أن "الاتفاقية في حد ذاتها لا تعالج العجز التجاري، بل قد تقتصر على جعل المعاملات الاستيرادية أكثر سهولة ومرونة". وأضاف أن تحويل هذه الاتفاقية إلى مكسب صاف يحتاج من مصر زيادة صادراتها إلى الصين، وجذب الاستثمارات الصينية الموجهة للتصدير، ورفع القيمة المضافة لمنتجاتها المحلية؛ فدون ذلك سيبقى الأثر الإيجابي نقديا وليس هيكليا.

تتلقى الصادرات المصرية دفعة قوية بفضل مبادرة الإعفاء الجمركي الشامل؛ إذ بدأت بكين التطبيق الكامل لمبادرتها غير المشروطة بـ "التعريفة الصفرية" الموجهة لجميع الدول الأفريقية الـ 53 التي تتمتع بعلاقات دبلوماسية معها، وذلك بداية من أول مايو 2026. وتشمل هذه الإعفاءات الإلغاء الكامل للرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية والغذائية، وكذلك مواد البناء، مما يعزز تنافسية الصادرات المصرية في السوق الصينية.

المحصلة: يمنح توسيع اتفاقية مبادلة العملات مصر مرونة حقيقية على صعيد السيولة الخارجية والتمويل. بيد أن أثرها النهائي على الاقتصاد الكلي سيعتمد على مدى قدرة قطاع الشركات على الاستفادة من ميزة السيولة وتحويلها إلى زيادة في الإنتاج الصناعي والتصدير، بدلا من الاكتفاء باستخدامها لتيسير عمليات الاستيراد.