سجل معدل الادخار المحلي في مصر تراجعا حادا خلال العام المالي 2025/2024 ليصل إلى 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي، انخفاضا من 6.1% في العام المالي السابق، أي بانخفاض قياسي قدره 75% في غضون عام واحد فقط. وتضع المعدلات الحالية للادخار في البلاد عند جزء ضئيل للغاية مما تحتاجه الأسواق الناشئة سريعة النمو عادة لتمويل النمو الاقتصادي القائم على الاستثمار، وفقالموجزالسياسات (بي دي إف) الصادر عن معهد التخطيط القومي وبيانات وزارة التخطيط. ومن حيث القيمة المطلقة، انخفض إجمالي المدخرات المحلية إلى 218 مليار جنيه، مقابل 848 مليار جنيه في العام السابق. وصرح الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال لإنتربرايز بأن الاقتصادات الناشئة تحتاج عادة إلى معدلات ادخار تتراوح بين 20% إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي لدعم الاستثمار بقوة.
التضخم يلتهم فوائض الأسر
لا يعزو هذا التراجع إلى غياب الانضباط المالي، بل إلى انكماش الدخل المتاح للإنفاق؛ إذ قال الخبير المصرفي والشريك الإداري في شركة الراية للاستشارات هاني أبو الفتوح لإنتربرايز إن "انخفاض معدل الادخار في مصر لا يرجع إلى غياب التخطيط للمستقبل، بل لأن تكلفة المعيشة في الوقت الراهن تجاوزت قدرة الأسر على التحمل". وأضاف أن "شريحة واسعة من الأسر لم يعد لديها ما تدخره من الأساس".
وجاءت موجات التضخم المتلاحقة لتكمل المهمة؛ فبالرغم من تباطؤ دورة التضخم بعد أن بلغت ذروتها عند 33.9% في عام 2023 — حيث أشار أبو الفتوح إلى قراءة أبريل الماضي البالغة 14.9% — إلا أن الضغوط السعرية الممتدة وتخفيضات قيمة العملة المتكررة تراكمت لتؤدي في النهاية إلى تآكل مستمر في القوة الشرائية للأسر، وفقا لتقرير معهد التخطيط القومي.
ويتفق عبد العال مع هذا الرأي، مؤكدا أن كل موجة من الزيادات في أسعار السلع الغذائية والطاقة والخدمات تقلل الدخل المتاح للادخار. وصاغ أبو الفتوح هذا التحول الهيكلي بعبارة أكثر واقعية قائلا: "تحول الادخار من قرار استثماري إلى رفاهية غير متاحة؛ إذ تواجه العديد من الأسر صعوبة بالغة في إنهاء الشهر بأقل خسائر ممكنة".
طفرة التمويل الاستهلاكي والائتمان الرقمي بديلا عن الادخار
أخذ هذا التحول السلوكي طابعا هيكليا؛ فمع تسارع التضخم، ساهم التوسع السريع لمنصات "اشتر الآن وادفع لاحقا" ومنتجات التمويل الاستهلاكي والشراء بالتقسيط في إضعاف سلوك الادخار التقليدي، بحسب تقرير معهد التخطيط القومي. ويرى عبد العال أن انتشار تطبيقات الشراء بالتقسيط وخدمات التمويل الرقمي خلق نمطا استهلاكيا يعتمد على الاقتراض أكثر من الادخار.
ومع الارتفاع المستمر في الأسعار، أصبح تأجيل الشراء ينطوي على مخاطر أعلى من اللجوء للتمويل. ويقول أبو الفتوح: "أصبحت الأجيال الشابة أكثر ميلا وفهما لفكرة اشتر الآن وادفع لاحقا". عندما ترتفع تكلفة السلع باستمرار، يصبح تأجيل الشراء أكثر خطورة من الشراء بالتقسيط، لأن الناس باتوا يخشون أسعار الغد أكثر من أقساط اليوم".
ولهذه التحولات تداعيات كبيرة على الاقتصاد الكلي؛ إذ وصف الخبير الاقتصادي أحمد شوقي هذا الوضع بأنه مخاطرة هيكلية، قائلا: "التوسع المفرط في التمويل الاستهلاكي قد يحول الاقتصاد من اقتصاد قائم على الادخار والاستثمار إلى اقتصاد استهلاكي ممول بالديون. وسيؤدي هذا إلى انخفاض الميل الحدي للادخار، وزيادة الاستهلاك الحالي على حساب المستقبل، وارتفاع الطلب الاستهلاكي غير المنتج، وزيادة الضغوط التضخمية. ويمثل هذا بالطبع تحديا كبيرا لبلد يحتاج إلى رفع معدلات الاستثمار وتعزيز المدخرات المحلية لتمويل النمو".
مفارقة الأرقام والواقع
لا تتطابق صورة الاقتصاد الكلي مع واقع الأسر، وهذا التباين يفسر سبب الشعور بأن البيانات الاقتصادية الإيجابية منفصلة عن الواقع على الأرض. فرغم نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 5.0% في الربع الأول من عام 2026، وتراجع معدل البطالة إلى 6.3% في عام 2025، إلا أن مؤشر مديري المشتريات للبلاد سجل 47.1 نقطة في مايو الماضي، وهو ما يقل كثيرا عن حاجز الـ 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش، كما انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 2.0%. وعقب أبو الفتوح على ذلك قائلا: "يعني هذا أن الاقتصاد لا يزال يواجه صعوبات في تحقيق توسع إنتاجي واسع النطاق قادر على توليد دخول مستقرة وحقيقية تكفي للاستهلاك والادخار معا".
الصورة الأشمل.. ومسار التعافي
يعني انكماش المدخرات المحلية زيادة الاعتماد على رؤوس الأموال الأجنبية. ويوضح أبو الفتوح: "الاقتصاد يمكنه أن يستوعب تراجعا مؤقتا في الادخار، لكن ليس في مقدوره الاعتماد على المدى الطويل على التمويل الخارجي والأموال الساخنة والديون الخارجية لتعويض ضعف المدخرات المحلية". وثمة عاملان هيكليان آخران يفاقمان من الأزمة: الأول أن نحو 69% من الائتمان المصرفي يوجه حاليا لتمويل عجز الموازنة، مما يحد من التمويل المتاح للاستثمار المنتج بالقطاع الخاص، وفقا لمعهد التخطيط القومي. والثاني أن أكثر من 60% من المصريين لا يزالون خارج النظام المصرفي الرسمي، مما يضعف قنوات الادخار طويلة الأجل مثل صناديق البريد والمعاشات.
ويرى عبد العال أن القطاع المصرفي مثل حائط صد ولم يكن سببا في تراجع الادخار، مشيرا إلى شهادات الادخار ذات العائد المرتفع التي ساعدت في الحفاظ على جزء من القوة الشرائية للمدخرين خلال صدمة التضخم. لكن المعضلة تظل هيكلية؛ فأسعار الفائدة المرتفعة لا يمكنها تحفيز الادخار إلا إذا كان لدى الأسر فائض مالي بعد تلبية احتياجاتها الأساسية.
سياسات مقترحة لتعزيز الادخار: قدم معهد التخطيط القومي حزمة واسعة من التوصيات تتضمن وضع مستهدفات وطنية واضحة للادخار، وضبط أوضاع المالية العامة، والحفاظ على أسعار فائدة حقيقية إيجابية، وإحكام الرقابة على نشاط التمويل الاستهلاكي، وتوسيع نطاق الإقراض للقطاعات الإنتاجية، وتحديث أنظمة الادخار بالبريد والمعاشات، وتعزيز الشمول المالي، وإطلاق أدوات دين سيادية موجهة للأفراد لجذب مدخرات الأسر. وتتحرك الدولة بالفعل في مسارات عدة لتنفيذ بعض هذه التوصيات؛ إذ تستهدف القرارات التنظيمية الأخيرة الصادرة عن البنك المركزي إحكام الرقابة على جهات التمويل غير المصرفي، كما يدفع برنامج صندوق النقد الدولي نحو ضبط أوضاع المالية العامة، غير أن جانب دخل الأسر في المعادلة لا يزال يشكل العقبة الرئيسية.
يظل التعافي مرهونا بالثقة، وليس أسعار الفائدة: اختتم أبو الفتوح حديثه لإنتربرايز قائلا: "لا تعود الأسر إلى الادخار بمجرد رفع أسعار الفائدة، بل عندما تستعيد الثقة في أن دخلها سيحتفظ بقيمته لفترة معقولة". وستكون الأرقام الجديرة بالمتابعة خلال الأرباع الأربعة المقبلة هي: الأجور الحقيقية، ومعدلات نمو محافظ "اشتر الآن وادفع لاحقا"، والتقرير المحدث للبنك المركزي حول الشمول المالي، وما إذا كان معدل الادخار للعام المالي 2026/2025 سيتجه نحو الاستقرار.