🎨 عندما أطلق تام جاليري برنامج "فنانو الغد" في عام 2015، كان مشهد الفن المعاصر المحلي يختلف كليا عن الوقت الحالي، إذ كان أشبه بدائرة مغلقة مقتصرة على نخبة من الفنانين وجامعي الأعمال الفنية، وسط ضعف في الحضور الإعلامي وغياب للمعايير الواضحة، حسبما قالت المؤسسة المشاركة للجاليري لينا موافي لإنتربرايز، إذ التقينا بها للتعرف عن قرب على البرنامج الذي ساعد في إطلاق المسيرة المهنية لبعض من أبرز الفنانين الصاعدين في مصر.
تعتمد فكرة البرنامج على اختيار 10 إلى 15 فنانا صاعدا كل عام ودعمهم من خلال منصة تام جاليري، مراهنين على تفاعل السوق مع أعمالهم، بحسب موافي — التي تخرجت من الدفعة الأولى للبرنامج عام 2015 — أن هذا الرهان قد أتى ثماره بعد مرور نحو عقد من الزمان. أقيمت النسخة العاشرة من البرنامج في 12 مايو بالمتحف المصري الكبير، وهو موقع يحمل في طياته دلالة قوية. "أردنا هذا المزج بين الفن المعاصر والقديم، وقد أحب الفنانون عرض أعمالهم بجوار إرث أجدادهم"، بحسب موافي.
تضمن المعرض الاستعادي المتسلسل زمنيا، أعمالا جديدة لأكثر من 100 فنان من خريجي الدفعات التسع السابقة، إلى جانب الظهور الأول لدفعة عام 2026. ضم المعرض فنانين بارزين مثل محمد الدمراوي ومحمد ربيع وكلاي قاسم وعلاء أبو الحمد. وتقدر موافي أن أكثر من 80% من خريجي برنامج فنانو الغد يواصلون مسيرتهم المهنية بنجاح كفنانين متفرغين.
معايير الاختيار
يتلقى البرنامج حاليا آلاف الطلبات سنويا، مقارنة بمستويات أقل بكثير عند إطلاقه حينما كانت قائمة فناني تام جاليري تضم نحو 40 فنانا. وتوازن معايير الاختيار بين القيمة الفنية والتجارية، إذ يشترط في المرشحين امتلاك الخلفية الأكاديمية، والاتساق الفني، والقدرة على الابتكار. "يجب أن يقدموا عنصرا تجديديا، سواء كان صوتا فنيا أو وسيطا أو فلسفة جديدة. كما نبحث عن الأشخاص الذين يمتلكون المقومات الشخصية القادرة على النمو والتطور".
يتعلق الجانب الأقل وضوحا في عملية الاختيار بالبيانات، إذ يدير تام جاليري معرضا إلكترونيا وثلاثة فروع فعلية، إلى جانب أجندة معارض ممتدة على مدار العام. توفر هذه العمليات بيانات شرائية دقيقة توضح اهتمامات المشترين والأعمال الفنية الأكثر مبيعا والفنانين الذين يحظون باهتمام متكرر. ففي أكثر من 90% من الحالات، يكون الجاليري قد اختبر حجم الطلب على الفنان قبل ضمه للبرنامج، بحسب موافي.
بالأرقام
لا تمتلك موافي نسبة مئوية إحصائية دقيقة لمعدل ارتفاع قيمة محفظة الأعمال الفنية بالكامل، إلا أن الأمثلة العملية تعكس حجم التأثير، إذ كانت أسعار أعمال فنانين من دفعة 2015، مثل الدمراوي وربيع، تتراوح بين 5000 و6000 جنيه قبل عشر سنوات، في حين تسعر أعمالهم الآن بمئات الآلاف، وحتى الفنانين الذين وقع عليهم الاختيار في عام 2022، شهدت أسعار أعمالهم ارتفاعا ملحوظا، بحسب موافي. كما خلق السجل الحافل للبرنامج ديناميكية داعمة للنمو، إذ بات الحصول على لقب فنان الغد بمثابة إشارة إيجابية للسوق. وتأكد موافي أن بعض الجاليريهات أصبحت تسارع إلى حجز الفنانين المختارين قبل افتتاح معارضهم الرسمية.
يمثل تام جاليري حاليا أكثر من 500 فنان، ويمتلك مخزونا يضم أكثر من 20 ألف عمل فني، كما يدير مساحات عرض في أبو رواش والجونة والساحل الشمالي. كما يدير الجاليري ذراعا للاستشارات الفنية للشركات أسس عام 2018، ويتولى تزويد فنادق وبنوك ومبان مكتبية ومشاريع سكنية بالأعمال الفنية. ووفقا لموافي أسهمت إحدى القطع الفنية المعروضة في فندق والدورف أستوريا بمصر الجديدة، في فوز الفندق بجائزة من دليل فوربس للسفر. وذلك بعد أن عارض تام جاليري توجيهات فريق التصميم في لندن للفن المعاصر المعتاد، ودعم استخدام أعمال ذات طابع محلي أصيل. "نحن متحمسون لهذا القطاع من الأعمال لأنه يخلق مسارا موازيا لتحقيق إيرادات للفنانين من خلال مشاريع فنية ضخمة لم تكن موجودة قبل عقد من الزمن".
الفن للجميع
"نلاحظ تزايد أعداد المشترين لأول مرة، وهو أمر يسعدنا للغاية. جزء من مهمتنا يتمثل في توجيه المشترين لما يحتاجون معرفته. فعندما يأتي عميل ويقول: لا أعرف الكثير عن الفن، تلمع عيناي شغفا"، بحسب موافي، وتضيف أنها تسعد لرؤية العملاء يطورون ذائقة خاصة بهم، تعبر عنهم، وتربطهم بالفن المصري.
كانت منصة التمويل الفاخر ألتر التابعة لشركة فاليو الشريك المالي لنسخة هذا العام من البرنامج، إذ قدمت للحاضرين تمويلا يصل إلى 60 شهرا دون دفعة مقدمة، في سابقة هي الأولى من نوعها بسوق الفن المصرية. "توجد شركات متخصصة في تمويل اقتناء الفنون في الأسواق العالمية، ورغم غيابها محليا تعتبرهذه المبادرة مجرد بداية، إذ تساهم إتاحة التمويل في إزالة عائق مالي كبير تحديدا أمام المشترين لأول مرة، وهو أمر يعود بالنفع المشترك على كل من الفنان والجاليري وجامع الأعمال الفنية"، بحسب موافي.
يدير تام جاليري منصة لإعادة البيع منذ عام 2013 تستهدف جامعي الأعمال الفنية الذين يتطلعون لبيع أعمال من مجموعاتهم، وتعتمد السوق الثانوية للفنون في مصر بشكل أساسي على الجاليريهات، إذ يعود الراغب في البيع إلى الجاليري الذي اقتنى منه العمل الفني أول مرة، والذي يحتفظ بدوره بقائمة من جامعي الأعمال الفنية المهتمين بأعمال هذا الفنان.
تحديات النمو
يعد غياب التنظيم أحد أهم التحديات الهيكلية الرئيسية في السوق، إذ أدى تدخل وسطاء غير مؤهلين إلى السوق إلى تضخيم أسعار أعمال الفنانين الشباب دون أي مبرر تجاري. فقد يخبر تاجر غير رسمي فنانا شابا بأن عمله يساوي أضعاف سعره السوقي، ما يشوه توقعات الفنان ويضر بمشهد التسعير بشكل عام، وفقا لموافي.
الحل: تؤكد موافي على ضرورة إضفاء الطابع المؤسسي على هذا القطاع، سواء عبر تبني منظومة اعتمادات واضحة أو إرساء إطار تنظيمي. موضحة: "نحن بحاجة إلى وضع معايير أساسية تحدد من يحق له العمل كجاليري أو تاجر أعمال فنية، وكيفية تحديد آليات التسعير، والأمر المؤكد أن الإقبال على اقتناء الأعمال الفنية يتزايد، وتتطلب البنية التحتية لسوق الفن في مصر مواكبة هذا التحول من أجل بناء استثمار حقيقي ومستدام".