🎓 لم يعد سفر الطلاب المصريين للدراسة في الخارج ظاهرة استثنائية، بل تحول إلى مسار معتاد منذ سنوات طويلة، إذ سجل عدد الطلاب المصريين الدارسين بالخارج زيادة مطردة على مدار أكثر من عقدين، إذ درس نحو 50.8 ألف طالب بالخارج خلال العام الأكاديمي 2024/2023، مقارنة بنحو 8800 طالب فقط في عام 2000، بحسب بيانات اليونسكو.
تاريخيا، تركزت الوجهات الرئيسية لهؤلاء الطلاب في ألمانيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إلى جانب توجه ملحوظ نحو تركيا والأردن والسعودية، إلا أن هذه الطفرة المستمرة منذ سنوات بدأت مؤخرا تتباطأ بوتيرة ملحوظة.
إيجابيات وسلبيات
تعود الدراسة بالخارج بالنفع على أكثر من جبهة، منها مساهمة المصريين بالخارج في دعم تدفقات التحويلات المالية للمصريين بالخارج، والتي تعد أحد مصادر النقد الأجنبي المهمة في مصر، بحسب تقرير حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة، إذ قفزت تحويلات المصريين بالخارج بنسبة 21% على أساس سنوي لتصل إلى 3.5 مليار دولار خلال يناير الماضي فقط، بحسب بيانات البنك المركزي المصري. كما يرى المؤيدون للدراسة بالخارج أن فوائدها تتحقق على المدى الطويل عند عودة الطلاب بخبرات دولية وشبكات علاقات ومهارات متخصصة ومعرفة ثقافية واسعة.
ورغم ارتباط التعلم بالخارج ببناء مسيرة مهنية ناجحة على المدى الطويل، تظل تكلفة هذا التوجه باهظة. فمن جهة، ساهمت الدراسة بالخارج في زيادة معدلات هجرة العقول في قطاعات متعددة مثل الرعاية الصحية والهندسة والبحث العلمي، ما يحرم السوق المحلية من الكفاءات في القطاعات الأكثر احتياجا للخبرات الدولية. ومن جهة أخرى، يتطلب هذا المسار إنفاق مبالغ كبيرة من النقد الأجنبي لتغطية المصروفات الدراسية والمعيشية، وهو ما يضيف ضغوطا على احتياطيات العملة الصعبة في وقت لا تزال فيه السيولة الدولارية المحلية ترزح تحت وطأة التحديات.
التكلفة كبيرة
أدت الأوضاع الاقتصادية وجهود الدولة إلى استقطاب الطلاب للدراسة داخليا بشكل ملحوظ، إذ تراجعت أعداد الطلاب المسافرين للدراسة بالخارج بنسبة 60-70% مقارنة بالسنوات الماضية، حسبما صرح مصدر في وزارة التعليم العالي لإنتربرايز، موضحا أن ارتفاع المصروفات الدراسية بالجامعات الدولية، وزيادة تكاليف المعيشة عالميا وتقلبات أسعار العملات، جعل من الدراسة بالخارج عبئا ماليا يصعب على كثير الطلاب وأولياء أمورهم تحمله في ظل أسعار الصرف الحالية.
تتراوح المصروفات الدراسية السنوية في الجامعات الدولية حاليا بين 15 و20 ألف دولار، فيما ترتفع التكلفة في الجامعات المتقدمة في التصنيفات العالمية، وذلك قبل احتساب نفقات المعيشة الأخرى، ما أجبر العائلات على إعادة النظر في الجدوى المالية للدراسة بالخارج وسط صعوبة توفير النقد الأجنبي، والبحث عن بدائل تعليمية أقل تكلفة داخل مصر أو في وجهات دراسية أقرب من الناحية المالية.
في الوقت نفسه، ساهمت جهود توطين التعليم الأجنبي في تقليص الحاجة إلى السفر للحصول على شهادة دولية، إذ أشار المصدر إلى أن غالبية الجامعات الخاصة والأهلية في مصر تعمل الآن بموجب شراكات فاعلة مع جامعات أجنبية وتوفر برامج تبادل طلابي، ما أقنع الطلاب ذوي الكفاءة الباحثين عن الجودة التعليمية على إعادة توجيه اهتمامهم نحو الجامعات المحلية، باعتبارها خيارا أقل تكلفة وأكثر استقرارا مقارنة بالسفر.
تجربة مصرية عالمية
تتبنى الدولة خطة طموحة لجذب 200 ألف طالب دولي إلى الجامعات المصرية بحلول عام 2030، بهدف تحقيق إيرادات سنوية تصل إلى ملياري دولار لتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي بالبلاد. ولدعم هذا التوجه، يخطط صناع السياسات لمضاعفة الحصة السوقية للطلاب الدوليين من 3% إلى 6%، مع توقعات بأن يتجاوز إجمالي عدد الملتحقين بالتعليم العالي 4 ملايين طالب بحلول العام الأكاديمي 2028/2027.
بالإضافة إلى الشراكات القائمة، تواصل وزارة التعليم العالي دراسة مقترحات جديدة تستهدف التوسع في إنشاء فروع للجامعات الدولية داخل مصر خلال الفترة المقبلة، مع تكثيف الجهود لجذب المؤسسات المصنفة عالميا لافتتاح فروع لها خاصة في العاصمة الجديدة. وفي الوقت نفسه، تتجه مصر أيضا إلى التوسع في الخارج عبر إنشاء فروع لجامعات مصرية في الدول الأخرى.
رغم الجهود، لا تزال بعض التحديات قائمة: تظل القطاعات الحيوية مثل الرعاية الصحية والهندسة والبحث العلمي، أكثر عرضة لظاهرة هجرة العقول في ظل استمرار توجه قطاع من الطلاب إلى الدراسة بالخارج، للحصول على شهادات جامعية في تخصصات مثل الطب والهندسة دون التقيد بمجموع الدرجات في الكليات المصرية، إذ يطمحون إلى السفر إلى الخارج بغض النظر عن البدائل المحلية، وفقا للمصدر.