كيف تسعى فاركو للنمو وسط تقلبات السوق وضغوط التسعير الجبري؟ تعتمد مجموعة فاركو للأدوية، التي تعد إحدى أكبر شركات الصناعات الدوائية محليا، على الاستثمار الصناعي والكفاءة التشغيلية والصادرات لحماية هوامش أرباحها في سوق لا تزال مراجعات الأسعار فيها متأخرة عن ارتفاع تكاليف الإنتاج، وفق ما صرح به رئيس مجلس إدارة الشركة شيرين حلمي لإنتربرايز. وأضاف أن "التحدي الأساسي لا يقتصر على ما إذا كانت أسعار بعض المنتجات ستشهد زيادة، بل يتمثل في الفجوة المستمرة بين تكاليف الإنتاج الفعلية وسرعة تحديث الأسعار"، وهي الفجوة التي تضغط على ربحية القطاع بأكمله.
الضغوط المعتادة
تستورد مصر أكثر من 90% من المواد الخام للأدوية، مما يجعل المصنعين المحليين عرضة لتقلبات سعر الصرف واضطرابات سلاسل التوريد، وفق ما قاله رئيس هيئة الدواء المصرية علي الغمراوي لإنتربرايز في وقت سابق. وسددت الحكومة مؤخرا 90% من المتأخرات المستحقة لشركات الأدوية، بعد أن تأخرت هيئة الشراء الموحد بشدة في السداد خلال العام الماضي، لتتراكم عليها مليارات الجنيهات من المتأخرات المستحقة للغير.
أسباب تراكم المتأخرات: يعد قطاع الرعاية الصحية الحكومي المشتري الأكبر للأدوية في مصر، إذ ينفذ عمليات الشراء من خلال هيئة الشراء الموحد، وهو نظام مركزي للشراء المجمع يهدف بالأساس إلى خفض التكاليف. ومع أنها استراتيجية سليمة من الناحية النظرية، تتسبب في الوقت ذاته في خلق عنق زجاجة مركزي على مستوى المدفوعات. ولذا عندما تواجه الحكومة ضغوطا في السيولة تتأخر عمليات سداد المستحقات، فقد عانت من هذه المشكلة بشكل مزمن خلال السنوات القليلة الماضية.
تعديل الأسعار يتحرك بوتيرة أبطأ من التكاليف
رغم خضوع بعض منتجات محفظة فاركو لمراجعات تسعيرية تنظيمية، تبقى الفجوة بين التكاليف والأسعار واسعة، حسبما أوضح حلمي. فقد طالبت مئات الشركات بزيادات شاملة في الأسعار خلال العام الماضي، غير أن هيئة الدواء قاومت هذه المطالب، معللة ذلك بالارتفاع المشهود آنذاك في قيمة الجنيه أمام الدولار، الذي من شأنه أن يعوض انكماش هوامش الأرباح.
تستعد الحكومة أيضا لزيادة أسعار نحو 150 دواء مستوردا ليس لها بدائل محلية، بدلا من مراجعة قائمة تضم أكثر من 3 آلاف دواء ضغطت شركات الأدوية من أجل تحريك أسعارها، وفق ما قاله رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية علي عوف لإنتربرايز في وقت سابق من هذا الشهر.
كيف وصلنا إلى هذا الوضع: تفرض مصر تسعيرا جبريا على الأدوية لضمان بقائها في متناول الجميع. وتكمن المعضلة في أن أسعار البيع النهائية محددة بالجنيه، في حين أن غالبية مدخلات الإنتاج مستوردة ومسعرة بالدولار. ومع التراجع الحاد في قيمة الجنيه بين عامي 2022 و2024، قفزت أعباء التكلفة على المصنعين، في وقت ظلت فيه أسعار البيع ثابتة إلى حد كبير.
استجابة فاركو
السعي وراء الكفاءة وليس فقط زيادة الأسعار: بدلا من انتظارها تماشي موافقات التسعير مع ركب التكاليف، تركز الشركة على تعزيز الكفاءة التشغيلية، والتصنيع المحلي عالي القيمة، والصادرات لتكون بمثابة مصدات لحماية هوامش الأرباح، وفقا لحلمي. وتستهدف الشركة تحقيق مبيعات بقيمة 18 مليار جنيه بحلول نهاية العام الجاري، صعودا من 15 مليار جنيه في عام 2025، مع السعي للاستحواذ على حصة سوقية محلية تبلغ نحو 9%.
السعودية هي أداة التحوط الأخرى: تمضي الشركة قدما في إنشاء مصنعها بالمدينة المنورة باستثمارات تبلغ 155 مليون ريال للمرحلتين الأولى والثانية من المشروع، مع توقعات ببدء الإنتاج في عام 2028، حسبما أفاد حلمي. ومن المقرر أن يبدأ مصنع المدينة المنورة بإنتاج الأشكال الدوائية الصلبة التي تمثل 70% من احتياجات السوق هناك، قبل التوسع لاحقا في الأدوية البيولوجية واللقاحات، حسبما أضاف.
لكن مصر تظل قاعدة التصدير الأساسية: "تشغيل مصنع السعودية لن يؤدي إلى خفض صادراتنا من مصر إلى الخليج.. مصانعنا في مصر ستستمر كمركز تصدير رئيسي يخدم نحو 50 سوقا عالميا، بينما يركز مصنع المدينة على تلبية الطلب المحلي السعودي"، وفق ما قاله حلمي لإنتربرايز. ويسهم التوسع في السعودية أيضا في توزيع الأعباء التمويلية عبر شراكة استراتيجية لفاركو مع أشمور للاستثمار السعودية والشركة السعودية للاستثمار، إلى جانب تمكين المجموعة من تنويع مصادر الدخل بالعملات الأجنبية لتأمين سلاسل إمداد مصانعها المصرية.