Posted inعلى الساحة

تكلفة الذكاء الاصطناعي في الشركات: ما بدأ كخيار ذكي تحول إلى عبء مادي

💸 يبدو أن توظيف الذكاء الاصطناعي في عالم الشركات قد أصبح صداعا يطال أصحابها، بعد أن وعد بمستقبل أكثر ذكاء وتوفيرا. ففي أعقاب حملات واسعة لتسريح العمالة على حساب الذكاء الاصطناعي طالت آلاف حول العالم، تشير دراسة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (بي دي إف) أن تكلفة الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي تتجاوز تكلفة الرواتب البشرية بكثير، فماذا يعني ذلك؟

الشركات تخسر مرتين

من خيار ذكي إلى عبء مادي: أصبحت التكاليف المتغيرة لأدوات الذكاء الاصطناعي — رسوم الاستعلام والعمليات والاشتراك في الباقات المميزة وخلافه — عبئا ماليا على عاتق الشركات التي تعالج ملايين الطلبات وتجري آلاف العمليات يوميا باستخدام تلك الأدوات، وبالوتيرة الحالية، يتوقع أن يصل إجمالي الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى 5.2 تريليون دولار بحلول عام 2030، تشمل 1.6 تريليون دولار للإنفاق على مراكز البيانات و3.3 تريليون دولار لمعدات تكنولوجيا المعلومات، حسبما نقلت فورتشن عن بيانات ماكينزي. كل ذلك يجعل معادلة استبدال البشر بالأداة الاصطناعية خاسرة، مقارنة بالتكلفة الثابتة والمستقرة نسبيا لأجور العاملين.

كشفت الدراسة أن الذكاء الاصطناعي موفر اقتصاديا مقارنة بالعنصر البشري في 23% فقط من المهام، بينما تتجاوز تكاليف البنية التحتية والتنفيذ أجور الموظفين في 77% من الحالات، وتتجلى تلك الفجوة في تجاوز تكلفة تركيب أنظمة الرؤية الحاسوبية لتكلفة توظيف فرد مراقب جودة متمرس لثلاث سنوات بنحو خمسة أضعاف، بحسب الدراسة.

أسفرت هذه التحولات عن استنزاف الميزانية السنوية لدى كبرى الشركات سريعا، "لقد عدت إلى نقطة الصفر، لأن الميزانية التي اعتقدت أنني سأحتاجها قد استنزفت بالفعل"، حسبما ذكر موقع ذي إنفورميشن، نقلا عن الرئيس التكنولوجي التنفيذي في أوبر برافين نيبالي ناجا، في إشارة إلى التكلفة الباهظة التي تواجهها عملاقة النقل خلال اعتمادها أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل كلود كود التابعة لأنثروبيك.

الخسارة ليست مادية فحسب: تواجه الشركات حاليا تكلفة خفية باتت تعرف بضريبة الهلوسة، والتي تدفع أصحاب الأعمال إلى الإنفاق مرتين، الأولى لتشغيل النماذج اللغوية، والثانية لتمويل رواتب البشر الذين يراقبون جودة مخرجاتها ويعدلونها، إذ يستنزف الموظفون في المتوسط ما يزيد عن 4 ساعات أسبوعيا في تدقيق مخرجات الذكاء الاصطناعي وتصحيح الأخطاء الواقعية والمنطقية، ما يترجم إلى خسائر تقدر بنحو 14.2 ألف دولار سنويا لكل موظف، حسبما نقل تقرير ميديام عن بيانات فورستر للأبحاث.

تصحيح مسار

لن تفهم حقا إلا بالطريقة الصعبة: مهما خسرت على الورق بعد تسريح العمالة، لن تستشعر الشركات خطورة الأمر طالما لم يتحول إلى أرقام متضخمة في جداول حساباتها، وهو ما دفع إلى تحول ملحوظ في منهجية المدراء الماليين من تبني وتجربة الذكاء الاصطناعي بأي ثمن، إلى اللجوء إلى قياس اقتصاديات الوحدة للذكاء الاصطناعي لمعرفة أين تنفق الأموال وما العائد الحقيقي عليها، بحسب ما يشير تقرير منظمة جارتنر للأبحاث.

بعض الشركات الآن تجاوزت مرحلة الانبهار بالتجارب الأولية، في حين بدأ التوجه نحو التدقيق الصارم على العائد على الاستثمار والإنفاق السحابي والحاسوبي. فإلى جانب التكلفة المتغيرة التي تستنزف الميزانيات، تواجه الشركات عدم استقرار بالنسبة للموردين، إذ تتغير هياكل التسعير والعقود بشكل شبه دائم، ما يجعل التنبؤ بميزانية وتكاليف الذكاء الاصطناعي مهمة معقدة وصعبة، بحسب تقرير جارتنر، ما يمنح العنصر البشري ميزة التكلفة الثابتة نسبيا.

تتبنى الشركات حاليا تراجعا تكتيكيا عن سياسات الأتمتة الشاملة، مع التوجه نحو حصر استخدام تلك الأدوات في المهام عالية القيمة التي لا تستهلك حجما كبيرا من بيانات المعالجة. كما أنه نظرا للتكلفة العالية لفلترة البيانات والصيانة المستمرة، برز الاتجاه أيضا نحو إعادة توظيف عناصر بشرية — فيما يعرف بنهج الإنسان في الحلقة أو التدخل البشري في حلقة الذكاء الاصطناعي — لتقييم مخرجات النماذج اللغوية وتصحيحهلوساتها.

رغم كل ذلك، لا تزال شركات مثل ميتا ومايكروسوفت مستمرة في نهج التسريح والاستبدال، في دليل واضح إلى أن الرابح الأكبر في عالم التكنولوجيا اليوم هو من يدرك سريعا الخلل في منهجيته ويحرص على تصحيح المسار، بدلا من السير في طريق وعرة رغم التحذيرات.

ماذا عنا؟

أنباء سعيدة لمنطقتنا الحبيبة: تمثل هذه التحولات فرصة جيدة للشركات العاملة في مصر ودول الخليج، فبينما تبقى تكلفة العمالة تنافسية نسبيا في العديد من القطاعات، تظل نقطة التعادل المالي — تلك التي تتساوى فيها تكلفة استبدال الموظفين بأنظمة الذكاء الاصطناعي — أبعد بكثير عما هي عليه في أسواق التكنولوجيا العالمية مثل وادي السيليكون، ما يعني أن اعتماد الشركات الإقليمية وتحديدا الصغيرة والمتوسطة منها، على العناصر البشرية يمثل الخيار الاستراتيجي الأكثر حكمة لحماية هوامش الأرباح على المدى المتوسط.

معنى ذلك؟ ضغوطات أقل بشأن التحول نحو أنظمة الذكاء الشاملة، والتركيز على الأدوات التي تقدم مساعدة للموظفين في مهامهم، بدلا من استبدالهم كليا، خاصة في ظل بنية تحتية إقليمية لا تزال بحاجة إلى تطوير.

** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **